القائمة الرئيسية

الصفحات

 


 بين الكلمات .... فرص وتهديدات

لم تكن رسالة بنيامين نتنياهو الى رئيس الدولة مجرد مطالعة قانونية ، بل محاولة لكتابة فصل جديد في سرديته الشخصية ، سردية رجل يريد عبور الجسر الأخير قبل أن تدهمه مقصلة القضاء ، إعتراف بلا إعتراف ، وطلب عفو لا يقال صراحة ، يتسرب بين السطور كغاز سام ليس بحاجة لأن يرى كي يشتم ، أنه إعادة هندسة صناعة الخوف والأزمات ، سبعة جبهات بل ثمانية بل قل عشرا ، قابلة للزيادة لا النقصان ، أطالة عمره الإفتراضي ، ليروي بإن إنقاذ الزعيم بات حبل النجاة لإنقاذ الدولة ، وترجمة للفرص التي باتت قاب قوسين أو أدنى ، وما ينقصها فقط ، هو العفو لمواجهة التهديد الأكبر والأهم ، التشققات البنيوية في جسم الدولة بقانونها وقضاءها ، فالعفو ليس منحه لفرد بل إستثمار في إستقرار الدولة وإستعادة وحدتها الداخلية ، التي فقدت على يديه أولا وأخيرا .

من قدم نفسه ليس للإسرائيليين فحسب ، بل ليهود العالم في كل أرجاء المعمورة ، كرجل الأمن الأول والرخاء الإقتصادي الأول ، بات اليوم يبحث عن أمن من طراز خاص وإقتصاد تبعي من طراز خاص أيضا ، فهو يدرك تماما بإن الزمن قد تغير ، فالجبهات التي تغنى بالإنتصار عليها ، بقدر ما حققه من موت ودمار ، لا زال يتخبط في وحولها ، تزداد تعمقا بلا إجابات شافية عن مآلاتها ، فالتعامل مع الكتل الصلبه المتماسكه ما قبل الحرب شيئ ، والتعامل مع شظايا الكتل له منطق مختلف تماما ، ليس بوسع حكومة أقاصي اليمين التعامل معها بمطلق الأحوال ، سوى بما يشاهده العالم من فوضى عارمة ، يحاولون قولبتها في أطر لتبدو على نحو وآخر ، كفوضى مقصودة بعينها ، ولكن الحقائق على الأرض لا تؤكد ذلك بالقطع .

لم تعد الدولة التي يتحدث عنها موجوده سوى في خياله ، يحاول عبثا  إيقاف عجلة الزمن ، عند لحظة ليكتب بحبر بارد ، طلبا للعفو ومذكرة مهزوزة أملاها على الملأ مسبقا دونالد ترامب ، بصراحة وبوضوح في أكثر من مناسبة ، فبنيامين نتياهو أكثر العارفين بإنها أثارة من الأسئلة أكثر بكثير من الأجوبة ، حول مستقبله السياسي ومستقبل الدولة ، بكل فاصلة ونقطة ، أراد تكرار أنا الدولة والدولة أنا ، والتي باتت في حكم البضاعة الغير قابلة للتسويق ، وهي لا تعدو عن كونها ملاذ أخير ، للخروج من مقصلة القضاء ، قبل أن تطاله مقصلة السياسة والسياسيين في إسرائيل ، فهو المتهم الأول والأخير، بكل ما آلت اليه الأمور ، وأن إدعى غير ذلك ، وهي باتت في حكم المؤكد ، لا تلقى من الرواج سوى وسط تيار أقاصي اليمين في إسرائيل ، والذي قد ينفض من حوله عن أول المفترقات السياسية .

ردا للجميل أو مكافئة نهاية الخدمة على الطريقة الترامبية ، يترنح ملك إسرائيل المتوج بلا عرش ، ما بين السقوط المدوي والموت الرحيم ، فيرفض هذا وذاك ، ليخاطر بالبقاء بلا  مخالب وبلا أنياب ، ودولة منزوعة الدسم ، لم تعد في العوالم الجديدة ، سوى بيئة طاردة لمقومات الحياة ، فأي بقاء تبنى عليه المراهنات ، فسكان الدولة المهيمنة التي تصول على الأرض وفي الأجواء ، أكتشفوا في غفلة من الزمن ، بإن للقوة مهما بلغت بأقصى مدياتها ، ما هو ممكن وما هو من غير الممكن أيضا ، بل يكاد أن يكون مستحيلا ، فخيار الهروب الى الأمام ، وصناعة الجدران ، لن توقف التشققات العمودية والأفقية الكامنة أصلا ، في فكرتي الوجود وسبل البقاء ، ولن يسعفها كل الإستدعاءات لقوالب اللغة والتاريخ ، فلا قوة إسبارطة وحروبها ، ولا مركبات جدعون وحجارة داوود ، وإن تغيرت ثياب القتل ما بين رصاص مصبوب وسيوف حديدية .

جولة في الفرص والتهديدات

ما بين فرصة وفرصة وتهديد وتهديد ، يستدعي دونالد ترامب بنيامين نتياهو على عجل الى فلوريدا ، بعيدا عن الرقابة السياسية وكاميرات الصحافة العالمية ، في خلوتهما هناك سيقال ما لم يقال في البيت الأبيض ، سيتولى بنيامين نتياهو شرح ما هو ذاهب اليه ، وليس من بينها بكل تأكيد إقفال باب أي من الجبهات ، فالبقاء السياسي في عام إنتخابي ، يقتضي بكل تأكيد هذا المنطق في التفكير ، فإذا كان من المتعذر معاودة الة الحرب في غزة سيرتها الأولى بطريقتها القديمة ، فلا بد من مراكمة كما  من الأسباب ، الكفيلة بإضاءة اللون الأخضر أمريكيا لها لأعادة الدوران ، وعلى رأسها من العيار الثقيل ، نزع السلاح من بين يدي حماس ، فهو بيت القصيد في المعادلة برمتها ، وهو العنوان الوحيد القادر لصناعة صورة النصر المشتهاة ، بآلية دولية أو بدونها ، فكل الترجيحات تشير الى أن منطق نتياهو يقتضي خيارا وحيدا ، وهو أن تقوم إسرائيل بهذه المهمة ، جازما بإن أحدا لن يستطيع القيام بمثل هذه  المهمة ، سواه وبالقوة العسكرية الإسرائيلية ، وهي مقاربة تبدو نموذجية في ظل المواقف المعلنة من حماس مسبقا ، فما بين إنتقال من مرحلة أولى الى ثانية فثمة إستعصاءات تزداد يوما إثر آخر ، لتبقى المراوحة في المكان هي سيدة الفعل ، الحاضرة في ذهن بنيامين نتياهو وحكومة أقاصي اليمين الذي يعتليها .

أما على جبهات الشمال مع لبنان وسوريا ، فلن تبتعد كثيرا عن مقاربة غزة ، فنزع سلاح حزب الله بصورة ترسم صورة إنتصار هو الحل الوحيد المتاح ، لعدم معاودة الحرب سيرتها الأولى ، فإن أعطيت فرصة للقاء المباشر وعلى غير المعتاد للوفد اللبناني مع الإسرائيليين ، فسيكون هو المدخل القادم لإبقاء الجبهة على صفيح ساخن ، فليس من المؤمول إسرائيليا على الأقل ، هو التوصل الى إتفاق أمني مع اللبنانيين ، فهو يعرف بإن الدولة اللبنانية لن تكون في وارد فتح جبهة نزاع مع حزب الله بكل تأكيد ، الأمر الذي لن يكون مقبولا في عرف بنيامين نتياهو ، أما الحالة السورية فليست بحال أفضل ، فالعودة الى إتفاقية الهدنة لعام 1974 ، لم تعد صالحة لإعتبارها أساسا للأمن والهدوء ، فوفق بنيامين نتياهو فالتمدد بإتجاه العمق السوري هو الخيار الأمثل ، وخلق بيئة عازلة بين الحدود السورية القديمة والجديدة ، في محاولة لإستخدام ضعف النظام الجديد الحاكم في سوريا  هي البيئة المثالية الجديدة ، والتي تتيح للجيش الأسرائيلي حرية الحركة فيها وقتما شاء وكيفما شاء ، الأمر الذي يتناقض مع مصالح واشنطن ، في خلق بيئة صالحة للتعامل مع سوريا الجديدة ونظامها الجديد .

ايران وتعقيدات الوضع الناشئ بعد حرب الإثنا عشر يوما ، والتهديد الذي ما كاد يتضائل ليعاود بالتشكل من جديد ، في ضوء حالة التسلح وإعادة بناء القدرات الإيرانية من جديد ، في إشارة لا تقبل التأويل بإستعداد إيراني لمواجهة محتملة من جديد ، وإنسداد أية نافذة لإعادة إحياء مفاوضات البرنامج النووي مجددا ، وإصرار إيراني على البقاء في حالة دعم مطلق لكل أذرعها في المنطقة .

اليمن لا زالت جبهة مفتوحة وقابلة لكل الإحتمالات ، فالحساب لا زال مفتوحا وحالة التربص قائمة ، بإنتظار أن تشتعل في وقت وفي أي حين ، من إندلاع أول شرارة في الجبهات الحليفة للحوثيين ، من غزة الى لبنان الى طهران ، فلن يعدموا الوسيلة في إيجاد السبيل الملائم للإنخراط في أي مستوى ، من مستويات الإسناد وحتى المشاركة الفعلية ، بأي جهد عسكري طلب منهم ذلك أو لم يطلبه أحد أيضا .

ليست الضفة الغربية إلا النموذج المواتي لحكومة أقاصي اليمين ، فهي الجبهة الأساس وعلى تماس بمشروع الحلم التوراتي ، فمن المرجح وعلى وقع التصعيد العسكري والإستيطاني الإسرائيلي ، بإن نكون على موعد مع إندلاع أعمال عنف على شكل عمليات فردية ، بطول الضفة الغربية وعرضها ، فهو البيئة المثالية لحكومة الأساطير وحملات مكوناتها الإنتخابية ، في عامها الأنتخابي القادم ، وإن إقتضى الأمر إستباق الزيارة ببعض الرتوش ، من قبيل إتخاذ إجراءات شكلية بحق سبعين مشاغبا توراتيا في جبال الضفة الغربية .

خلاصة القول :ـ

ليس طلب العفو مجرد خطوة في معركة قانونية ، بل علامة على لحظة ضعف تاريخيه ، لرجل لطالما ظهر بلا ضعف ، لقد أراد أن يخفي خوفه خلف لغة رسمية ، لكنه أزال الستار عنها ، حين غلفها بالفرص والتهديدات ، وكأنه يتوسل الصراع دون أن يقول بالتوقف عن التمدد ، فليست الجبهات الأساسية هي مخاوفه الوحيد ، فالجبهة الداخلية والتشققات الكبرى الحاصلة بها ، الى العداء المتنامي في ساحات العالم بأسره ، بفعل الموت والدمار والكوارث التي أحدثها ، الى التغيرات في مساحة التأييد في ساحة حليفه الأوثق ، الى التحالفات للقوى والأحزاب العربية في الإنتخابات القادمة كقوة ثالثة لا يستهان بها ، الى الممانعة العربية لإجراء أي إتفاقيات تطبيع مع حكومته الراهنه أو أي حكومة قادمة سيكون على رأسها ....يأتي هذا الطلب والذي إن ناله أو لم ينله ، فالرجل الذي إعتاد أن يصنع الأزمات ، ليهرب الى الأمام ، فوجد نفسه أخيرا أمام سلسلة أزمات لا مهرب منها ، في زمن لم يعد ملكه وجبهات تحاصره من كل الجهات ، لا فرص فيها بكل الأحوال .

تعليقات