نحن مختلفون في كل شيء ......
الا أن نختلف
وكأن الإختلاف هو الحقيقة الوحيدة التي لم نكذب بشأنها
يوما ما ، إختلفنا حتى صرنا شظايا تتقاذفها الرياح ، شظايا للريح الإسرائيلية ، أو
أي ريح أخرى تعيد إصطفافاتنا كما تشاء ، نسينا أننا شعب شكلته الجراح والمآسي ، أكثر
مما شكلته المدارس والجامعات ، علمته الخسائر أكثر مما علمته الإنتصارات ، شعب
يختلف على التفاصيل فتضيع منه القضايا الكبرى ، بات الإختلاف موروثا يسلم من جيل
الى جيل ، وكأننا نخشى الإتفاق لأنه يشبه الإقتراب من المعجزة ، فقبل أن تنفجر غزة
بالحرب ، فقد إنفجرت بالأمر الواقع الذي حاولنا التعايش معها لثمانية عشر عاما ،
لم يكن في ذاك الصيف إنقلابا فقط ، بل لحظة قتل للحقيقة بإسم الحقيقة ، ومشهدية
تراجيدية للأخلاق وهي تلتهم نفسها ، ومن يومها بتنا نعيش في عوالم الحقائق البديلة
، عالم إستبدل فيه سلاح المقاومة ليكون سلاحا للحرب على الشرعية ، عالم استبدل فيه
العقد الإجتماعي بعقد الملكية الحصرية ، عالم يهرب من مواجهة ذاته ، لعالم يختبأ
خلف قناع البطولة والطهارة ، لم يكن العالم قاسيا معنا فحسب ، فقد كنا أشد قساوة
على أنفسنا ، فغزة التي ارادوا لها أن تكون مختبرا لشرعية السلاح ، باتت مختبرا
لشرعية الحصار ، ومن معركة الى معركة وصولا الى أم المعارك ، والتي لم تأت محض
صدفة ، بل قنبلة زمنية بدأ عدها التنازلي قبل ثمانية عشر عاما ، فخرج كل ما
أخفيناه تحت السجادة ، ليصفعنا بالحقيقة المرة ، لقد بتنا تفصيلا في حسابات الكبار
، فمن لم يستطع إستثمار وحدة قواه ، بات إستثمارا سهلا لمن يدير أختلافاته ،
وليكون عبرة لمن يعتبر ، فوق كل هذا الركام من البشر والحجر وعلى حد سواء .
في الخامس والعشرين من الشهر المنصرم ، وقبل نهاية عام
سينقضي ، أطلقت حركة حماس باللغتين العربية والإنجليزية وثيقتها السياسية الثانية
، والتي جاءت تحت عنوان روايتنا "
طوفان الأقصى ، عامان من الصمود وإرادة التحرير " ، خمسة وثلاثون صفحة بثمانية فصول ـ كانت كافية لتصنيفها كمنفيستوسياسي
، يصلح كنشرة تعبوية داخلية لقواعدها من المستوى الثالث وما هو دون ، إن دققت في قراءتها
بعناية فستجد فيها العجب العجاب من التناقضات ، بل والقفز فوق الحقائق على الأرض ،
وذلك لعدة أسباب من أبرزها ، أولاها وهو تشديد الوثيقه على الطبيعة
الإجرامية للعدو كثابت متأصل في تركيبته ، ولكن الوثيقة لم تجب القارئ ، هل كان
قادة الطوفان يعرفون مسبقا هذه الطبيعة أم تم إكتشافها لاحقا ، فإن كانوا يعرفون
فهي مصيبة ، وأن كانوا لا يعرفون فالمصيبة هي أكبر من ذلك بكثير ، ثانيهما
فأن الإتيان على إفشال العدو لإتفاق أوسلو كأحد الأسباب للطوفان فهي من سخريات
القدر ، فحين تكون كتنظيم قد ناصب أوسلو العداء من يومه الأول ، ولم يترك وسيلة لفعل
كل ما من شأنه إفشاله ، بل والتخادم مع حكومات اليمين في إسرائيل على إفشاله ،
لتضعه بعد ثلاثين عاما كسبب للطوفان ، فهو سخرية بعقول البسطاء ، ثالثهما وهو
تعداد عشرون منجزا للطوفان ، تندرج جميعها تحت سقوف نظرية نفسية ومعنوية غير
قابلة للقياس ، ويتم التعمية على كل الكوارث الماثله على الأرض والقابله
للقياس ، فهي تندرج تحت عنوان أقل ما يقال فيه هو تزييف الحقائق ، بل صناعة
أنتصارات لا محل لها بلغة الواقع ، فلنتصور أن يتم التغافل على أن أكثر من نصف غزة
قد أعيد إحتلالها ، وأن أعداد الأسرى المفرج عنهم بصفقات التبادل ، قد تم إعتقال
أضعافهم عدة مرات ، يعانون ظروفا من القسوة التي لم تعرفها السجون الإسرائيلية على
مدار تاريخها ، وأكثر من سبعون الاف ضحية وعشرة الاف مفقود ، ومئه وسبعون الف جريح
من بينهم أكثر من عشرة الاف على أقل تقدير ، باتوا في عداد أصحاب الإعاقات الدائمة ، الاف الأرامل والأيتام
الذي باتوا بحاجة لمن يرعاهم ، تدمير المدن والبنى التحتية والأصول الثابته للمجتمع
المدني والتي باتت أثرا بعد عين ، ونصف سكان غزة يسكنون خيام بالية ، لم يبقى أحدا على وجه الكوكب لم يرى معاناتهم
، لم تدفع حرا ولم تمنع غرقا ، لتكتفي بترحيلها الى إجرام العدو ، دون أدنى تحمل
للمسؤولية ، فهي ذروة أنعدام للمسؤولية الأخلاقية في أبشع صورها ، رابعهما
سؤال مفاده أين نقف كفلسطينيين اليوم من قضايانا الكبرى ، بعد عامان من طوفان
إنطلق لوضع حد للتعديات على القدس والأقصى ، الإستيطان ، الأسرى ؟ بل أين بات محور
المقاومة برمته الذي تبنى كل هذه الشعارات ؟ والحقيقة التي لا تقبل القفز من فوقها
، فقد باتت كل هذه العناوين في وضع هو الأسوء على مدار تاريخ القضية الفلسطينية .
لم يتم الإكتقاء بذلك فحسب ، بل في يوم الإثنين الموافق
التاسع والعشرون من الشهر الماضي ، قامت بتصدير الناطق الجديد للذراع العسكري لهذه
الحركة ، لينعي خمسة من قيادات الذراع العسكري ، وليمرر رسائل ذات مغزى ، إستباقا
بساعات للقاء دونالد ترامب وبنيامين نتياهو ، أولاها بإن الذراع العسكري المطلوب
تفكيكه وفق خطة ترامب ، قد أعيد تشكيله من جديد أو بمعنى آخر ، بإن ما تضمنته
الخطة التي توقفت بموجبها الحرب هي مجرد أوهام ، وثانيا بإن إستخدام كلمة البنادق
التي يمتلكونها في ديباجة الحديث عن السلاح ، هي إشارة تؤكد على أن لا سلاح لديهم
يمكن نزعه ، أو بمعنى آخر بإن أحد إشتراطات بنيامين نتياهو عن نزع السلاح قبل
الدخول للمرحلة الثانية هي مرفوضة بمطلق الأحوال ، ولم يقف الأمر عند هذا الحد ،
فقد بدأوا بحملة تسريبات منظمة ، عن إنتخابات داخلية قاموا بإجراءها طالت مجلس
الشورى ، بل وتسريب أسم علي العامودي ليخلف يحيى السنوار في قيادة غزة .
لم يطل الرد طويلا ، فقد تمكن بنيامين نتياهو في زيارته
الأخيرة ، من ربط الدخول للمرحلة الثانية بسحب سلاح حماس ، ودفع دونالد ترامب
لتوعد حماس بعواقب وخيمة إن لم تقم بذلك ، بل توعدها بإنها ستكون بمواجهة ستة
وخمسون دولة لتدميرها ، أي أن قوة الإستقرار الدولي ستكون من مهمتها هو نزع سلاح
حماس بالقوة ، وهو يعرف مسبقا بإن أحدا لن يقم بذلك سوى إسرائيل ، فهل لكل هذه
التصريحات أي تفسير آخر ، سوى إن جولة جديدة من الحرب باتت تدق أبواب الغزيين
مجددا ، بقيادة رئيس وزراء الحرب (بنيامين نتياهو) الذي أثنى عليه دونالد ترامب
مطولا ، ليصفه بإنه لولا قيادته الشجاعة لما كان هناك إسرائيل .
خلاصة القول :ـ
لقد بات الفلسطينيين وقضيتهم أمام أخطر التحديات التي
عرفوها على مدار قرن من الزمن ، ما بين التصفية النهائية لقضيتهم ، بذريعة مواجهة
حماس وما تمثله ، التي أوصلت الفلسطينيين الى كل هذه الكوارث الموصوفة ، وما بين
محاولة لملمة ووقف كل هذه التداعيات الكارثية بأقل الخسائر الممكنة ، أو بمعنى آخر
فهل ننتظر حربا جديدة ، أم نعيد صياغة أنفسنا ، أم ننتظر حربا جديدة لنعرف كم
خسرنا من الدم والأرض ، ولكن وببالغ الأسف فكل المؤشرات لا تشي بغير حقيقة باتت
مؤكدة ، بأن هذا التنظيم قد أخذ مليونان من الفلسطينيين في قطاع غزة ، عنوة كدروع
بشرية ، للمضي قدما لإثبات سردية قام عليها منذ نشأته ، ثبت بالدليل القاطع بعدم
واقعيتها ولا قابليتها للحياة ، بل والإمعان بصناعة سرديات وهمية لتعزيزها ، وخلق
مبررات لا صلة لها بالواقع لأسباب تعثرها ، وهو ما يعيدنا الى أصل الحكاية
الفلسطينية ، باننا مختلفون في كل شيء ....... الا أن نختلف .
تعليقات
إرسال تعليق