لا تمطر السماء ذهبا ولا
فضة
يقول ثاني الخلفاء الراشدين
، الفاروق عمر بن الخطاب "رضي الله
عنه" ، " لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق ، فقد علمتم بإن السماء لا تمطر
ذهبا ولا فضة " ، ليست حكمة عابرة ، قد قيلت في واقعة للتفريق بين التوكل
والتواكل ، بل هي قانون حياة يصلح لكل زمان ومكان ، وفي كل مناحيها على حد سواء ،
هي خلاصة تفسر تاريخ طويل من الخيبات ، التي نتعلم منها ولكن متأخرين جدا ، إن
السماء لا تكافئ الأمنيات ، وأن الدعاء وحده حين ينفصل عن الفعل ، يتحول الى طقس
لتبرير العجز لا أكثر ، في السياسة كما في الحياة ، لا شيء يسقط من الأعلى جاهزا ،
الحرية لا تهبط مظللة من الغيوم ، والعدالة لا تأتي على هيئة معجزة ، والتغيير لا
يأتي من كثرة التضرع ، بل من قراءة الواقع كما هو لا كما نحب أن نراه ، لكننا في
الشرق إعتدنا قلب المعادلة لطلب النتائج دون أسبابها وننتظر الخلاصات دون أن نغير
شروط الهزيمة ، لطالما تعاملنا مع السياسة كأنها إمتحان أخلاقي ، لا معركة مصالح ،
نقسم الناس الى صالحين وطالحين ، الى ملائكة وشياطين ، ثم نندهش حين ينتصر الأقوى
لا أصدق ، نرفع الشعارات بوصفها بديلا للبرامج ، ونهتف كأن الهتاف يصنع موازين قوى
، ثم نسأل ببراءة ساذجة ، لماذا لم يتغير شيء ؟ لأنه وبإختصار وببساطة شديدة أيضا
....لأن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة .
إن التغيير السياسي ليس بدعاء جماعي ، بل فعل
تراكمي ، هو شبكة معقدة من الحسابات والتحالفات والتنازلات ، وإدارة دقيقة للخسائر
قبل الأرباح ، هو القدرة على الإعتراف بإن العالم لا يعمل وفق موازين العدالة
المجردة ، بل وفق توازنات القوة ، وأن من لا يمتلك أدوات الفعل ، سيفرض عليه دور
الضحية مهما كانت قضيته عادلة .
مشكلتنا الكبرى ليست في
غياب النوايا الحسنة ، بل في رفع مكانتها وتقديسها ، نظن أن نقاء القضية كاف
لجعلها منتصرة ، وأن صواب الموقف يعفي من بناء القوة ، نخلط بين الأخلاق كقيمة ،
والسياسة كأداة فنخسر الإثنتين معا ، نخسر السياسة لأننا لم نفهم قوانينها ، ونخسر
الأخلاق لأننا إستخدمناها كذريعة للفشل .
السياسة لا تحترم النوايا ،
بل تحترم الوقائع ، والوقائع لا تلغى بالشجب ، ولا تعدل بالخطب ، ولا تكسر بالدعاء
وحده ، تغير بالفعل المنظم ، بالقدرة على تحويل الغضب الى مشروع ، والوجع الى خطة
، والدم الى معنى لا يستثمر ضده ، من أسوء الأوهام التي رسخانها في وعينا الجمعي ،
أن الحق لا يحتاج الى قوة ، والتاريخ من أوله الى آخره يقول العكس تماما ، الحق لا
يحمي نفسه ، يتحول الى رواية تروى في تبرير الهزائم ، لا الى واقع يفرض بالمفاوضات
، والقوة لا تعني السلاح فقط ، بل تعني وحدة القرار ، وضوح الهدف ، مرونة التكتيك
، معرفة متى نقاتل ومتى نفاوض ، متى نصرخ ومتى نصمت أيضا .
التغيير لا يأتي من السماء
، يأتي من الأرض ، من تنظيم المجتمع ، من بناء مؤسسات حقيقية لا شعاراتية ، من
قيادة تفهم أن البطولة لا تعني الإنتحار ، وأن الصمود لا يعني إنكار ميزان القوى ،
وأن الكرامة لا تصان بالشعارات وحدها ، بل بحماية الإنسان قبل الرمز ، كل تجربة
تحرر ناجحة في العالم بلا إستثناء ، مرت بهذه الحقيقة القاسية ، لا أحد يساعدك
لأنك مظلوم ، يساعدك حين تصبح قادرا على أن تكون شريكا أو خصما لا يمكن تجاهله ،
أما إنتظار أن تتغير الموازين وحدها ، أو يستقيظ العالم فجأة على ضميره ، أو أن
التاريخ سينصفنا تلقائيا ، فذلك ليس تفاؤلا بل تأجيلا للهزيمة القادمة قولا واحدا .
لا تمطر السماء ذهبا ولا
فضة ، لكنها قد تمطر فرصا ، والفرق بين من يلتقط الفرصة ومن يضيعها ، ليس بالإيمان
بل بالإستعداد ، لأن السياسة في جوهرها ليست خيانة ولا طهارة بل مسؤولية ،
ومسؤولية التغيير تبدأ عندما نتوقف عن مخاطبة السماء وحدها ، ونبدأ بمحاكاة الواقع
، لا لنتكيف معه إستسلاما ، بل لنعرف كيف نكسره فعلا ، فالتاريخ لا يرحم من يكتفي
بالدعاء ، ولا يحفظ الا أسماء اللذين قرروا في لحظة ، أن ينزلوا الى الأرض ، ليبنوا
التغيير الذي يودون بأيديهم لتحقيق أمانيهم ، وكل ذلك وما سيليه ، لأن السماء لا
تمطر ذهبا ولا فضة .
تعليقات
إرسال تعليق