شهوة النفوذ والقوة
في مقال للكاتب الأمريكي المعروف ستيف سيبولد قبل
عدة أيام ، يقول فيه " رجاءا لا
تأتوا الى الولايات المتحدة ، لم نعد البلد نفسه الذي كنا عليه قبل أربعة أشهر ،
لم يعد المكان آمنا ، يمكنهم سحبكم من الشوارع ، يمكنهم إحتجازكم وقد يفعلون بكم
مالا يعلمه الا الله ، إنهم يفعلون ذلك بمواطنينا ، رجاءا لا تدعموا المنتجات
الأمريكية ، لا تقضوا عطلاتكم بها ، ونيابة عن جميع الأمريكيين العقلاء في هذا
البلد ، الذين يقاتلون ترامب بكل قوة ، نحن آسفون ، نقوم بكل ما نستطيع للتخلص من
هذا الرجل ، لقد سلمه شعب جاهل كل المفاتيح ، بصراحة أعتقد أن أمريكا وصلت الى
طريق مسدود ، أنا أعتذر لكل الدول التي نتعامل معها والتي يعاملها ترامب بإحتقار ،
أنه طاغية ويريد أن يكون ديكتاتورا بسرعة كبيرة ، لا تثقوا بوعوده فلا قيمة لها ،
أنا أعرف هذا الرجل منذ أكثر من ثلاثين عاما ، وكلمته لا تساوي شيئا " ـــ "إنتهى
الإقتباس"
هل كان العالم بحاجة الى حاكم للبيت الأبيض من هذا
القبيل ؟ ، أو أن هكذا مزبطة بحاجة الى هكذا ختم ، بلطجة وشريعة غاب ، سمها ما شئت
، لا حدود فيها لجنون القوة ، فجاجة وخرف
سياسي ، لم يعد العالم يتغير ببطء كما إعتاد المؤرخون أن يرووا ، بل يتصدع دفعة
واحدة ، كمرآة سقطت من الأعلى ، نحن نعيش عصر التغيرات الكبرى ، حيث لم تعد
القوانين تعاد صياغتها ، بل تكسر علنا ، ولم يعد مطلب النفوذ يدار من خلف ستار ،
بل يمارس بقبضة عارية ، لا قفازات وبلا مساحيق ، يقودها رجل لا يرى في السياسة سوى
صفقة ، ولا يرى في العالم سوى عقار قابل لإعادة البيع ، منطق لا يعترف بالأعراف
ولا بالقوانين .
لم يأت الحكم بوصفه رجل دولة ، بل منطقا جديدا في تعريف
القوة والتحالفات بقدر ما تحققه من أرباح ، لا وجود للقانون الدولي ، بل صفقة سيئة
وصفقة جيدة وما بينهما يترك العالم معلقا على حافة الهاوية ، في هذا العصر تحولت
السياسة الى إستعراض ، والتهديد الى أداة تفاوض ، والإبتزاز الى حق سيادي ، لم تعد
الدول الصغيرة شركاء بل رهائن مؤقتين ، لم تعد القضايا العادلة سوى أوراق ضغط
قابلة للحرق متى إنتهت فائدتها ، ، هكذا تدار البلطجة ، فرض الإرادة لا بقوة
التفوق الأخلاقي ، بل بإسم القدرة على التخريب السياسي .
لقد قالت حقبة ولايته الأولى كل شيء ، الا أن تداعيات
كورونا لم تتح له أن يكمل المشوار حتى منتهاه ، فكان الشرق الأوسط مختبرا نموذجيا
لمنهجه في الحكم ، إعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، شرعن الإستيطان ، منح الجولان
بجرة قلم لإسرائيل ، أما في ولايته الثانية فحدث ولا حرج ، فقد بات الدم تكلفة
جانبية في ميزان المصالح ، لم يكن كل ذلك إنحيازا أعمى لإسرائيل بقدر ما كان
إستهانة بفكرة الحق نفسها ، فالإستحواذ بلا وجه حق لم يعد جريمة ، بل أصبح سياسة
معلنة ، تبرر بخطاب القوة وتسوق كواقعية سياسية .
لكن الأخطر من ترامب نفسه ، هو ما كشفه ترامب عن حقيقة
بإن النظم الدولي أضعف مما إدعى ، وأن الأخلاق السياسية والديبلوماسية ، كانت في
كثير من الأحيان ، واجهة أنيقة لقانون الغاب ، في عصر التغيرات الكبرى ، لم يعد
السؤال من يملك الحق ؟ بل من يملك القوة ليفرض روايته ، ولم تعد الهاوية نهاية
الطريق ، بل ورقة ضغط إضافية في يد من يقود ، هكذا يقف العالم اليوم على الحافة ،
لا لأن ترامب رجل أحمق فحسب ، لأنه عبر بوقاحة عن حقيقة طالما تم محاولة إخفائها ،
أن القوة حين تتحرر من القيم ، لا تقود الى النظام .....بل الى الإنهيار .
إن تطورات المشهد الفنزويلي ، ولا سيما أحداث الفوضى
السياسية وإعتقال رأس السلطة هناك ، أحيت النزعة الترامبية في التعاطي مع العالم
بوصفه حديقة مفتوحة للقوة والنفوذ ، فترامب الذي يرى السياسة إمتدادا لغريزة
الصفقة لا لمنطق القانون الدولي ، وجد في فنزويلا نموذجا مثاليا ، دولة منهكة ،
نظام مأزوم داخليا ، موارد ضخمة تنتظر من يسطو عليها أولا ، وصولا لتنصيب نفسه
رئيسا عن بعد لهذه الدولة ، وأركان إدارته قائمين بأعمال وزاراتها ، قد فتح شهيته على
إعادة نموذج العقوبات القصوى والتهديد المباشر ، ليس فقط بأمريكا اللاتينية (الحديقة
الخلفية للولايات المتحدة) ، بل رسالة الى خصوم آخرين مفادها بإن زمن الرماديات قد
بات شيئا من الماضي .
بروفا فنزويلا ستكون شهية متجددة ، لكيفية إعادة تدوير
القانون الدولي الذي هشمه منذ ولايته الأولى ، ليضحي تفصيلا ثانويا لا يستحق
الوقوف أمامه ، أمام منطق الإنقلابات والإعتقالات السياسية والتهديد والضغوطات
القصوى ، ليس هذا فحسب ، بل إسالة لعاب الآخرين بترك مساحات لإستعادة أحلام كانت
مستعصية عليهم حتى الآن ، للتحييد المؤقت ، بإنتظار الورطة الدائمة بأزمات لا
إنفكاك منها ، وبهذا النموذج الذي يعيد الإستعمار القديم في أكثر صوره تجليا ،
يعيد رسم خرائط النفوذ والقوة في أبشع الصور .
قائمة الشهوة الترامبية مزدحمة ، فمن فنزويلا الى
كولمبيا فكوبا فالمكسيك ، فغرينلاند الى ايران فكندا ، ولم تسقط ريفيرا غزة خارج
الشهوة بعد ، والحبل على الجرار ، وصولا الى إختناقه المؤكد بأزمات داخلية وخارجية
، بتضارب مصالح مع جيوش من المتضررين في الداخل الأمريكي كما خارجه ، وحتى ذلك
الحين ، فمن لا يقرأ التاريخ جيدا ، فمصيره لن يكون بأفضل حال من كل الديكتاتورين
الذين عرفهم التاريخ ، والذين إختنقوا
بفائض شهوة النفوذ والقوة .
تعليقات
إرسال تعليق