القائمة الرئيسية

الصفحات

 


حليب كامل الدسم

بينما كان العالم يحبس أنفاسه ، أجواء تغلق ، شركات تمتنع عن الهبوط والإقلاع في مطارات بعينها بالشرق الأوسط ، دول تنصح رعاياها بالمغادرة على عجل ، حاملات طائرات تتحرك للشرق الأوسط ، منظومات الدفاع الجوي تتنقل من مكان الى آخر ، مترقبين كلمة قد تشعل الشرق الأوسط أو تطفئه ، جلس ترامب خلف منصة الخطاب كما لو كان مقدما لأحد برامج التك شو التلفزيونية ، لا كرئيس دولة ، محاطا بجوقة مما إعتاد العالم على رؤيتهم ، ومما لم يعتادهم أيضا ،  العيون شاخصة ، المحللين السياسيين على أهبة الإستعداد ، تعد الخرائط في إستديوهات القنوات الشهيرة ، لضربة باتت قاب قوسين أو أدنى لإيران ، وفي اللحظة التي كان يفترض أن ينطق بالكلمة الثقيلة ، الكلمة التي تسقط أو تنقذ ، مد يده بهدوء مسرحي الى قارورة حليب كامل الدسم ، لم يكن مشهدا عفويا ، لم يكن زلة بروتوكول ، بل استعراضا مقصودا ، جزءا من مسرحية يعرف ترامب كيف يدير إيقاعها ، قارورة الحليب لم تكن مشروبا ، بل رمزا لرجل يتقن تشتيت الإنتباه أكثر مما يجيد الديبلوماسية ، ويجيد اللعب على أعصاب العالم كما لو كان لوحة مفاتيح .

صورة ستجوب العالم أسرع من أي بيان رسمي ، فلماذا إختار الحليب وسط كل هذا الترقب ، لبياضه كعنوان لفتح صفحة جديدة ، أم صلاحيته للشرب باردا أم ساخنا في ذات الوقت ، أم لسهولة الهضم لمن يناسبه وعسره لمن هو غير ذلك ، أم لفوائده وأضراره تبعا لحالة من يتناوله ، أم لحفظه لخواصه إن عرف كيف يتم حفظه ، وسرعة فساده أن لم يتم التعامل معه بعناية ، أم رمزا لكل هذه المتناقضات سويا ، فلا حرب أعلنت ولا أوقفت ، جملة عائمة في وسط عرض مسرحي ، حول قيام إيران بوقف عملية الإعدامات ، جملة بلا مصادر مؤكدة ، بلا آليات تحقق ، بلا إلتزامات علنية كوعوده الإنتخابية ، كان العالم ينتظر إنفجارا ، فيجد نفسه في نقاش تفاصيل ثانوية ، وكأن الأزمة قد نزع فتيلها ،حينما قرر ترامب شرب الحليب أمام الكاميرات .

هذه هي أرقى الفنون التي يجيدها ترامب ، عبقرية التضليل الحديثة ، أن لا تكذب كذبة فجة ، بل إغراق الحقيقة في بحر من التفاصيل التافهة ، أن لا تنفي بل تشتت ، أن لا تحسم بل تربك ، فهو لا يخاطب العالم كقائد ، بل كقائد أوحد ، ينتظرون ما يقوله في الوقت الذي يريد ، قادر على منحهم مشهدا بدلا من الموقف ، صورا بدلا من السياسات ، قارورة حليب فاخرة ، بدلا من قرار الحرب ، وهكذا يحول أخطر القضايا العالمية ، الى لقطة قابلة للتداول ، قابلة للسخرية ، قابلة للنسيان .

لم تكن ايران هي الهدف الوحيد في المسرحية ، بل الحقيقة نفسها ، التي يجب أن تقال في لحظات التوتر القصوى ، جرى تخفيفها ، تخديرها ، تقديمها بجرعات صغيرة ، كمن يقدم الحليب لطفل قلق قبل النوم ، لكن وخلف المشهد الساخر ، الاف الجثث تتكدس في المشارح ، له منها النصيب الأكبر ، بعد أن صب الزيت على نار تردي أوضاع معيشية ، فحولها الى سياسية بإمتياز ، بوعود عن المدد القادم في الطريق للمنتفضين ، وإذا به فارغ من أية مضامين ، وإطالة لمعصرة العقوبات ، التي لم تأتي أكلها بعد ، وتحضيرا لمسرح عمليات لم يكتمل أيضا ، وقد تكون الجبهة الداخلية في إسرائيل أحد أهم العوامل التي أجلتها ، بطلب بعد ورود معلومات إستخبارية عن دمار واسع سيقع ، وفق قرار إتخذ في ايران بتركيز الجهد العسكري لينصب في مكان واحد ، أم هي صفقة مريحة تم عقدها ، بظهور عراقجي على فوكس نيوز ليؤكد على عدم وجود أعدامات في ايران .

ما هي الا ساعات وتغيب إيران عن المشهد كما فنزويلا وكما أوكرانيا من قبلها  ، لتعود غرينلاد الى صدارته بصورة مشهدية عن الضعف ، أطلقها عن الإستعدات الدانيماركية بعربات تزلج تجرها الكلاب ، ليس هذا فحسب فسرعان ما يغيب كل ذلك ، بإطلاق اللجنة الوطنية لإدارة غزة ، يطلق جدلا فلسطينيا وعربيا على نطاق واسع ، يتبعها بإطلاق مجلس السلام العالمي برئاسته ، فمندوبا ساميا لإدارة غزة ، فجنرالا أمريكيا لقيادة قوة الإستقرار الدولية ، له من فظائع العراق نصيب ، كلها موجودة على الورق وفي تخيلات ترامب لوحده ، سرعان ما سيغيبهما أيضا لأيام ولأسابيع قادمة أيضا .

ترامب يعرف بإن السياسة اليوم لا تدار في الغرف المغلقة فقط ، بل على الشاشات ، وأن من يملك الصورة ، يملك الرواية ، ومن يملك الرواية ، يستطيع تأجيل المحاسبة ، هكذا يصبح الحليب أداة سياسية ، أداة لتبييض اللحظة ، لتخفيف حدتها ، لتقديمها كحدث قابل للإستهلاك بدل أن تكون صدمة أخلاقية .

في السابق كان القادة يخفون نواياهم خلف كلمات ديبلوماسية معقدة ، أما ترامب فيخفيها خلف سخرية فجة ، بكلمات نابية وحركات بإصبعه الأوسط لأحد من هتفوا ضده في أحد مصانع فورد بميشغان ، هو لا يريدك أن تفهم ، هو يريد أن ينقلك الى تحليل الشكل لتنسى المضمون .

حليب كامل الدسم ليس مجرد عنوان ساخر ، بل توصيف دقيق لسياسة تقدم على أنها مشبعة ، لكنها خالية من الغذاء الحقيقي ، سياسة تشعرك بالإمتلاء ، بينما تتركك بلا إجابات ، تعطيك إنطباع السيطرة ، بينما تترك العالم على حافة الإنفجار .

في زمن تقاس فيه المواقف بعدد المشاهدات ، يصبح الحليب أهم من الدم ، والصورة أهم من القرار ، والسخرية أهم من الحقيقة ، وهكذا فبينما كان العالم ينتظر كلمة قد تغير مصير المنطقة ، أكتفى دونالد ترامب بإن يغير موضوع النقاش ، شرب حليبا كامل الدسم ، لينام العالم عطشا للحقيقة ، بإنتظار الجرعة القادمة من الحليب كامل الدسم .

  

تعليقات