منصة أعلامية بمحتوى سياسي مقروء وبصياغه أدبية تخالف الحدس المألوف لمعالجة الطبيعة الجافة لهذا النوع من المحتوى وسيصار الى ترجمة المحتوى المنشور للغة الإنجليزية بلغة الذكاء الصناعي في محاولة لقراءة آخر مستجدات الواقع السياسي الراهن وانعكاساته الأمنية والإجتماعية والإقتصادية على القضية الفلسطينية.
في الشرق الأوسط لا تدار
الأزمات ببرامج مدروسة ، ولا برؤية إستراتيجية ، بل بتجارب مرتجلة تجري على أجساد
أنهكتها الحروب ، وكأن المنطقة ، بكل تعقيداتها التاريخية والسياسية ، تحولت في
عهد دونالد ترامب الثانية الى مختبر بدائي ، يتعلم مبتدئو السياسة أصول المهنة ،
على بشر لا يملكون حق الإعتراض أو الرفض .
يتعلمون البيطرة في حمير النور ليست عبارة شعبية ساخرة فحسب ، بل توصيف دقيق لطبيعة إدارة تتعامل مع أكثر
قضايا العالم حساسية بعقلية الصفقات العقارية ، حيث تختزل الشعوب في أرقام ،
والتاريخ في خرائط قابلة للمحو والعدالة في ميزان الربح والخسارة .
الإدارة
الأمريكية الجديدة القديمة ، لا تمتلك معرفة حقيقية بالشرق الأوسط ، ولا بفهم
تركيبته الإجتماعية أو النفسية ، أو الرمزية ، كل ما تملكه هو وهم السيطرة ، وثقة
زائدة بإن القوة تكفي لترويض الفوضى ، لتصبح القضية الفلسطينية عبئا ثقيلا لا ظلما
تاريخيا ، وعقبة أمام السلام السريع لا جوهر الصراع نفسه .
ترامب
لا يرى فلسطين الا بيتلسكوب إسرائيل ، ولا يسمع غزة الا كضجيج جانبي في مشروع كبير
عنوانه الإستقرار بالقوة ، أما إدارته فهي مزيج من رجال أعمال ومستشاريين عقائديين
وجنرالات سابقين ، يتعاملون مع المنطقة كما لو أنها شركة خاسرة تحتاج لإعادة هيكلة
، لا شعوب تبحث عن الإستقرار والكرامة.
في
هذا المناخ ، تجرب الوصفات الفاشلة ذاتها ، تطبيع بلا سلام ، ردع بلا عدالة ،
وتهديد بلا أفق ، تدار الأزمات كما تدار النزاعات العقارية ، ضغط وإبتزاز ، ثم فرض
أمر واقع ، لكن الشرق الأوسط ليس قطعة مهجورة ، والقضية الفلسطينية ليست بندا
قابلا للشطب في عقد سياسي ، ليس لنقصا في المعلومات مرده الجهل ، بل رفض واع للفهم
، وإدارة الصراع بدل حله ، وهكذا تتحول غزة الى ساحة إختبار والضفة الى ملف مؤجل ،
والقدس الى شعار إنتخابي ، المشكلة أن من يدفع ثمن هذا التعلم ، ليسوا صناع القرار
في واشنطن ، بل شعوب المنطقة ، التي تترك لتنزف بينما يتفاخر المتعلمون الجدد
بنجاح تجاربهم .
في
نهاية المطاف ، لا يمكن علاج مرض معقد بأدوات بدائية ، ولا إدارة منطقة مثقلة
بالتاريخ بعقلية سمسار ، فالقضية الفلسطينية ليست حملا زائدا في مشروع الشرق
الأوسط بل قلبه النابض وكل من يتجاهل هذه الحقيقة ، سيكتشف متأخرا أنه لم يتعلم شيئا
في السياسة ، بل أساء التجربة على جسد حي .
يتحايلون
على التعريفات والتسميات ، بما يتوافق مع فكر حكومة الأساطير في إسرائيل ، مجلس
للسلام بدلا لمجلس الأمن ، لجنة وطنية لإدارة غزة ، بدلا للسلطة الوطنية
الفلسطينية ، معبر رفح 2 بدل لمعبر رفح الأساس ، هيئات مستشارين
وتفرعات لا حصر لها ، بديلا لمنظمات الأمم المتحدة ، لا لشيء الا لتكريس حقيقة لم
تعد بحاجة للتأكيد ، هو نزع صفة الشرعية عن القضية الفلسطينية ، والصفة القانونية
عمن يمثلهم ، فالمرجعية هي دونالد ترامب
والهيئات التي شكلها ، وأن إحتاجوا لتكريسها ، فالمنظمات الدولية ستستخدم فقط
لإعطاءها مزيدا من الشرعية عند الحاجة .
في
دافوس يستعرض كوشنير مهاراته بلغة الذكاء الصناعي في العرض ، كيف يتحول الركام الى
عرض إستثماري ، خرائط بلا دماء ، مدن بلا ذاكرة ، إقتصاد بلا بشر ، بل مساحة فارغة
على خريطة ، قابلة لإعادة التصميم وفق منطق السوق ، رؤية تقصي الإنسان ، وتختزل
الصراع في مشكلة إدارة ، وتتجاهل أن الإعمار بلا سيادة ليس الا شكلا آخر من أشكال
السيطرة ، وأن غزة لا تحتاج الى رؤية إقتصادية ، بل تفكيك أسباب خرابها ، وأن أي
تصور لمستقبلها يتجاوز الإحتلال ، والحصار ، والحقوق ، إنما هو إمتداد ناعم للعنف
ذاته ، بلغة أقل ضجيجا وأكثر برودة .
لم
يسقط دونالد ترامب على العالم من السماء ، إنما هو صنيعة نشاز وسط نظام عالمي نشاز
، والذي وصل الى طريق مسدود ، تم
تصميمه لإحتكار الفرص وهيمنة العملة الخضراء ، فتقرر معالجة هذه القوى الناشئة
والي تزاحم هذا النفوذ ، ودفعها خارج مناطق الإحتكار للجوار الأمريكي ، وكان من
البديهي أن يكون الصدام حتميا ، ليس بالنفوذ الصيني المتعاظم فحسب ، بل بمنطقة
اليورو كذلك ، مما سيدفع هذه القوة المستهدفة بديهيا لإنشاء تحالفات صد إضطرارية
خارج النسق المألوف .
لم تكن
فنزويلا الا ترجمة دقيقة لكل ما يجري ، وما الحديث عن جرين لاند وكندا الا تصديقا
لكل ما تقدم ، أما ايران والذي يتم التحشيد من حولها لإستنساخ التجربة الفنزويلية
، الا ترجمة على صراع خفي للنفوذ للمصالح ، وإن تم إعطاءه طابعا له صلة بزعزة
الإستقرار في منطقة الخليج وأمن دولة إسرائيل ، لكنه في محصلته النهائية ، يخدم
منطق إستخدام القوة الهائلة للولايات المتحدة ، في إعادة رسم وترسيخ مناطق
الإحتكار وهيمنة العملة الخضراء .
لقد وضع
بنيامين نتياهو واليمين الحاكم في اسرائيل ، كل البيض في سلة دونالد ترامب
والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة ، معتقدين بأنه وبعد أحداث السابع من أكتوبر
، باتت الفرصة مواتية لحسم أزمتهم الوجودية نهائيا ، في إطار مشروع المحافظين
الجدد ورؤيتهم لإخضاع العالم بأسره بالقوة ، وباتوا يتصرفون بنفس المنطق مع جوارهم
، فالتعطيل المتعمد الحاصل في الملف الفلسطيني واللبناني والسوري إسرائيليا ، لا
يمكن فهمه الا في إطار ترقب النتائج ، لما قد تسفر عنه سياسات دونالد ترامب في
الملفات الكبرى ، وأهمها بالنسبة لهم هو الملف الإيراني ، وإسقاط النظام القائم
هناك كأولوية .
الأسوء
لم يأت بعد لمنطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره ، فصدام المشاريع الكبرى التي
دشنها دونالد ترامب ، بات حكما طوق النجاة الوحيد لبنيامين نتياهو واليمين
الحاكم في إسرائيل ، والتي تشي كافة المؤشرات على إصطدامها بإستعصاءات ذاتية تتعلق
بالداخل الأمريكي ، وقدرتهم على المضي قدما بهذه المشاريع ، وموضوعية تتعلق
بتفككك التحالفات التقليدية للولايات المتحدة ، وقدرة المستهدفين من الصمود
أمام هذه التحالفات ، هي ما سيقرر مستقبل منطقة الشرق الأوسط والعالم بأسره ،
والتي سيكون الفلسطينيون والإسرائيليون تفصيلا صغيرا به ، حتى ينتهي دونالد ترامب
وجوقته ، من تعلم البيطرة في حمير النور .
تعليقات
إرسال تعليق