القائمة الرئيسية

الصفحات

 



بلطجي بربطة عنق

مشاهد هوليودية لفيلم طويل ، ما بين قصر الرئاسة في كاراكاس ، وسجن جادة منهاتن في نيويورك ، يبثها على الهواء مباشرة بلطجي بربطة عنق ، إستعراض للقوة لكل من يخرج عن عصا الهيمنة والتوسع ، يقول للعالم بأسره ، إن ما سيقوله ، سيكون هو القانون ، وأن لا قانون سيحمي الضعفاء ، سأدير السياسة بالأصفاد لا وفق النظام ، ففي مراهنات نوادي القمار وحلبات المصارعة ، لا رهان فيها الا على الأقوياء والأثرياء ، أنه وليد فلسفة إضرب أولا ، فسر لاحقا ، من يعترض يتهم ، ومن يرفض يعاقب ، ومن يصمد يكسر ، في قاموسه لا توجد دول ذات سيادة وحدود ، بل مناطق نفوذ ومصالح ، ولا توجد شعوب ، بل أوراق ضغط ، ولا توجد قوانين دولية ، بل عوائق مؤقتة يمكن تجاوزها بتغريدة على منصة أقامها خصيصا لهذه الغاية  .

إن إعتقال رئيس دولة منتخب ، ليس تفصيلا أو حدثا عابرا ، أنه نهاية عصر وبداية عصر جديد ، تدار فيه السياسة الدولية ، كما تدار العصابات ، حيث تختطف كل المعاني ، وتصفد العدالة ، وتركل القوانين كسبة بلا قيمة ، لكن الأخطر من الحدث ذاته ، هو التصفيق الصامت ، صمت العالم أو تواطؤه جعل من هذه الواقعة سابقة ، فاليوم فنزويلا وغدا غيرها ، فحين تكسر السقوف مرة ، يصبح كسرها أقل من يأتي أحد على ذكرها ، فهو لم يعتقل رئيسا فحسب ، بل إعتقل فكرة أن العالم تحكمه قواعد ، أعتقل وهم العدالة الدولية ، وأعتقل آخر بقايا الإحترام المتبادل بين الدول ، واعتقل حرية الشعوب بتحديد خياراتها ومصالحها .

وبعد كل ما حدث ، لا بد من الإعتراف بالحقيقة المرة ، فهذا البلطجي لم يهبط على العالم من السماء ، فهو نتاج عالم سمح للقوة بالتغول ، وسمح للخطاب الشعبوي بأن يكون بديلا للغة المنطق ، وسمح للإعلام أن يبرر الإهانة إن كانت قد صدرت عن حليف ، فهي ليست قضية فنزويلية فقط ، إنها قضية عالم يتم تشكيله ليكون بقبضة رجل أوحد ، عالم يختزل في رجل يعتقد أن وصوله لمنصب رئيس ، قد منحه تفويض مطلق لفعل أي شيء ، وأن التاريخ يكتب بالأصفاد لا بالأفكار ، وقد لا يكون السؤال الأهم ، هو كيف يتجرا على فعل كل ذلك ؟ ولا لماذا لم يجد من يردعه ؟ بل من أوصل هذا البلطجي ليكون رئيسا من الأصل ؟ وإجابته هي برسم الشعب الأمريكي ، الذي إنحاز لخزان وقود مركبته ، كبديل لحرية البشر والعدالة والمساواة ، والذين سيدفعون أغلى الأثمان عند محاولة إستعادتها ، بعد أن يطاح بها على يد هذا البلطجي الذي يحكمهم .

بلا مواربة لقد أسهم العالم بصمته وإبتلاع إهانته ، على مضيه قدما فيما هو ذاهب اليه ، فقد إبتدأ بحلفائه قبل خصومه ، سبعة وعشرون دولة أوربيه جعلها مسخا ، واحضر كبارهم لجلسات أتاوات منقولة على الهواء مباشرة ، وسبعة وخمسون دوله عربية ومسلمه جعل منهم إنموذجا للإبتزاز والسطو على مقدرات شعوبهم ، أما الأقوياء من ألأصدقاء والخصوم ، الذين وقفوا له ندا ، فقد هادنهم الى حين ، وحتى في الداخل الأمريكي ، فالحرب التي شنها على زهران ممداني قبل الإنتخابات ، تكاد تكون غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي ، ليستقبله في البيت الأبيض صاغرا ، للإرادة الشعبية التي أوصلته الى منصب عمدة نيويورك ، هذه هي المعادلة الوحيدة ، التي يفهمها البلطجية على مر التاريخ .

فائض القوة التي تمتلكه الولايات المتحدة ، بات بين يدي مهووس بلطجي ، يشكلها لصناعة صورة مهينة لشعب ورئيسه الذي تحداه ، قصد بإخراجها على هذا النحو المهين ، في رسالة للعالم بأسره ، ليس فقط للحديقة الخلفية للولايات المتحدة ، بل لأصدقاءه قبل خصومه ، قد يستفيد بعض الشعبويين من هذه السياسات في المدى المنظور ، تارة بدعوى محاربة الإتجار بالمخدرات هنا ، وبدعوى محاربة المهاجرين هناك ، الا أن الحقيقة التي لم يستطع إخفاءها ، فهي المال السائب فوق الأرض ، والمعادن الثمينة في باطنها ، وهذه هي المقاربة الدقيقة لما فعله لمادورو ، فبحر النفط الذي تعوم عليه هذه البلاد ، لن يكون مسموحا للصين الإستثمار به ، بل هو من حق شيفرون ومثيلاتها ، فهي التي تقرر لمن ومتى وبأي ثمن تبيعه ، وليس أصحاب الأرض ومالكيه .

على العالم أن يكون قلقا أكثر من ذي قبل ، ومن أعتقد أنه دفع الأتاوة وقضي الأمر فهو واهم ، ومن إعتقد أنه قام بعمل صفقة للتسويات الضريبية فهو أكثر من واهم ، فلا حدود لنهم البلطجية وأن كانوا بربطات عنق .  

 

  

 

تعليقات