فَلنُشَيّعَ الإستغراب ونَنْعي
الدهشة
مات شعور الإستغراب ، فصار كل شيء عادي ، كل شيء متوقع ،
فلم يعد مجديا أن نبدي مزيدا من الإستغراب والدهشة ، ولا أن نتقمص دور الضحية في
كل ما يجري ، ففلسطين التي نقلت لها جلسات الجمعية العامه من نيويورك الى جنيف عام
1974 ، ليتمكن ياسر عرفات من القاء كلمته على منبرها ، بعد أن إمتنعت واشنطن عن
إصدار تأشيرة دخول له ، ليخاطب العالم بالبندقية وغصن الزيتون ، بات شيئا من
الماضي الذي يجب أن نترحم عليه ، يوم كانت منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا
للشعب الفلسطيني ، ورقما صعبا في معادلة السلام والحرب ، قبل ظهور هذه السلالات من
البدائل المصنعة .
فلما الإستغراب
والإندهاش ، حين نرى أسم فلسطين يستدعى على مائدة مجلس سلام ترامب كحاشية لا كمتن
، حين يختزل تمثيل شعب كامل بصورة باهتة داخل ما يسمى بمجلس السلام في إجتماعه
الأخير ، الذي بدا أقرب الى جلسة توزيع أدوار منه الى صناعة السلام ، كأن إبداء
الدهشة والإستغراب سيمنحنا دور الملاك الحارس الأخير لما تبقى من كرامة وطنية ،
وكأننا لا نعرف عن الأمر شيئا ، فاللوحة السريالية للمشهد برمته ، كنا أول من كتب
سطرها الأول ، حين هربنا من جحيم حرب ، عرفنا كيف نبدأها ، ولم نستطع حسمها ولا
أيقافها ، فتلقفنا دونالد ترامب بجشعه ونرجسيته المميتة ، وتماهيه وطاقم إدارته مع
اليمين الحاكم في إسرائيل .
في ذلك الإجتماع ، لم تكن فقط مشكلة كلمات معلنة ، بل في
اللغة الصامتة التي أحاطت بها المقاعد الفارغة من الوزن ، ولغة التصفيق الذي لا
يغير ميزانا ، ولغة الإبتسامات التي تخفي إعترافا مضمرا ، بإن موقعنا بات هامشيا
في سردية تكتب من دوننا ، كان التمثيل الفلسطيني هناك صورة لا ظل لها ، وصوتا بلا
صدى ، ووجودا يستدعى كي يقال أن الجميع قد حضر ، بينما القرار يمضي بعيدا في طريق
آخر .
في ذلك الإجتماع ، لم يكن هناك ما يستحق الدهشة
والمفاجئة ، فهي من المفترض أنها شبعت موتا قبل سنوات ، ماتت يوم قسم الوطن ،
وسادت لغة التكفير والتخوين ، ولم يعد للدم لونا ليرسم خطوطا فاصلة للمحرمات ،
وصار الإتفاق بحاجة الى معجزة ، ومنذ ذلك الحين بدأ الإنحدار في التمثيل ، لا
بوصفه حادثا بروتوكوليا ، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التشظي .
الفصائل ، كتاب
الرأي ، الفعاليات السياسية ، غاضبون للصورة الخارجة من واشنطن ، من البيان ، من
ترتيب المقاعد ، من طريقة الخطاب ، من التسمية ذاتها ، يلقون بالإتهامات حول من
قصر ، من تواطأ ، من تسرع ، من لم يحسن التفاوض : لكن السؤال الأكثر إيلاما ، يظل
معلقا في الهواء ، ألسنا نحن من مهد الطريق لهذا المشهد ؟ ألسنا نحن من قدم أوراق
إعتماد مجزأة ، وقرارا وطنيا متشظيا ، على طبق من فضة ؟
ليس من باب جلد الذات القول إن ما وصلنا اليه ثمرة ما
فعلناه بأيدينا ، فالتاريخ لا يصنع قفزاته في الفراغ ، هو سلسلة مترابطة من قرارات
خاطئة متتالية ، صنعت خيبات كبرى ، حين إنقسم القرار السياسي ، إنقسمت الصورة ،
وحين تضاربت المرجعيات ، ضاعت المرجعية ، وحين تتصرف الفصائل كأنها الدولة ، تآكلت
فكرة الدولة ، فمن إتخذ قرار الحرب منفردا بالأمس ، أوصلنا الى ما نحن فيه اليوم .
في هذا الفراغ ، وجد دونالد ترامب بوحي من بنيامين
نتياهو ، مساحته الأوسع ، ترامب الذي يرى المنطقة بلغة الصفقة لا بلغة الحق ، أدرك
مبكرا أن الإنقسام ليس عارضا ، بل فرصة ، قرأ التشققات كما تقرأ الخرائط ، وبنى
سياساته على قاعدة بسيطة ، إذا كان البيت منقسما ، فالتفاوض مع كل غرفة على حدة
أسهل من التفاوض مع البيت مجتمعا ، وهكذا تحول الإنقسام من مشكلة داخلية الى أداة
ضغط خارجية ، ومن أزمة وطنية ، الى رافعة لا ترى بفلسطين سوى بند ، قابل لإعادة
الصياغة والتدوير .
جين يختزل التمثيل الفلسطيني في مجلس سلام دونالد ترامب
، الى تمثيل شخصي وشكلي ، فذلك ليس فقط لأن العالم تغير ، بل لأننا لم نواكب
التغيير ببيت موحد ، فالديبلوماسية ، هي كالحرب ، تحتاج الى مركز قرار واضح ، والى
سردية واحدة تتقدم بثبات ، أما حين تتعدد السرديات داخل البيت الواحد ، فإن الخارج
لا يرى الا التناقض ، ولا يسمع سوى طحنا بلا دقيق .
الإحتقان الفصائلي مفهوم ، فالشعور بالإهانة السياسية حقيقي
، والشعور بالتهميش مبرر ، ولكن تحويل الغضب الى إتهام متبادل دون مراجعة عميقة ،
هو إستمرار للمسار ذاته الذي قادنا الى هنا ، فليس من الحكمة أن نثور على النتيجة
ونبقي على الأسباب ، بعد أن قدمنا طوعا أو إضطرارا ، عناصر ضعفنا جاهزة لكل من
يهمه الأمر ، قدمنا إنقسامنا ، خلافاتنا ، صراعاتنا على الشرعية ، فتباينت
خطاباتنا ، وتركناها تتحول الى مادة سياسية قابلة للإستثمار ، وحين إجتمع مجلس
السلام ، لم يكن أمام الآخرين سوى التعامل مع واقع صنعناه بأيدينا ، واقع لا يتكلم
ولا يفاوض ولا يحاسب بإرادة موحدة .
إنحدار التمثيل ليس مجرد خطأ في الأداء ، بل أزمة في
البنية ، البنية التي تجعل القرار موزعا ، والمسؤولية مبعثرة ، والإنجاز منسوبا
لطرف ، والفشل يتقاسمه الجميع ، وفي مثل هذه البنية ، بات من السهل على الخارج أن
يحدد لنا سقوف حضورنا ، وأن يضعنا على الهامش حين يشاء ، ويستدعينا الى المتن
لمقتضيات الصورة لا أكثر .
مات شعور الإستغراب لإننا إعتدنا المشهد ، إعتدنا أن
نفاجأ ثم ننسى ، أن نغضب ثم نتراجع ، نكتب بيانات صاخبة ثم نعود الى مربع الصمت ،
وكل مرة يحدث فيها ذلك ، يتآكل ما تبقى من هيبة التمثيل ، وتتآكل ثقة الناس بقدرة
قياداتهم على صون موقعهم ، ولعل الأخطر من كل ذلك ، أن الجمهور الفلسطيني بات يرى
بوضوح ما لا تريد الفصائل الإعتراف به ، إن ما جرى في الإجتماع الأخير ليس سقطة
معزولة ، بل محطة في مسار طويل من التراجع ، وأن الإحتقان الحقيقي ليس فقط بين
الفصائل ، بل بينها وبين الشارع ، الذي يسأل الى متى سيبقى التمثيل رهينة للخلافات
؟ والى متى سيبقى القرار الوطني موزعا بين حسابات فصائلية ضيقة ؟
إن مراجعة الذات ليست ضعفا ، بل شرط لإستعادة الموقع ،
والإعتراف بإننا ساهمنا في صناعة الواقع لا يعني إعفاء الآخرين من مسؤولياتهم ، بل
يعني إستعادة قدرتنا على الفعل ، فالعالم لا يحترم الا من يحترم وحدته ، ولا
يتعامل بندية سوى مع من يملك قراره ، ربما آن الأوان أن نكسر الحلقة ، أن نخرج من
منطق الإتهام الى منطق التقييم ، كيف نعيد بناء تمثيل يستحق أسم فلسطين ؟ كيف نرمم
الثقة بين الفصائل ، وبينها وبين الناس ؟ كيف نمنع تكرار مشهد يختزل فيه شعب كامل
بكل تضحياته في صورة باهتة داخل قاعة إجتماعات ؟
مات شعور الإستغراب ، نعم ، لكن الشعور بالمسؤولية لم
يمت بعد ، ولا يزال ممكنا ، إن وجدت الإرادة ، أن يتحول كل هذا الغضب الى فرصة
لإعادة البناء ، لا لجولة جديدة من التراشق .
القضية أكبر من مجلس ، وأكبر من إجتماع ، وأكبر من صورة
، القضية هي موقع فلسطين في عالم لا يرحم الضعفاء ، ولا ينتظر المترددين ، وإذا
اردنا أن نعود الى المتن لا الهامش ، فعلينا أن نبدأ من حيث أخطأنا ، من البيت
أولا ، عندها فقط ، ربما يعود الينا شعور الإستغراب ، لا لإننا صرنا نفاجأ
بالتهميش ، بل لأننا لم نعد نقبل به .
تعليقات
إرسال تعليق