أهلا بكم في النصف المميت
يقول الشاعر الفلسطيني الراحل محمود
درويش " عندما لا تستطيع أن تقترب ، ولا تبتعد ، ولا تستطيع أن تنسى ، ولا
تستطيع أن تتجاوز ، فأهلا بك في النصف المميت ، الذي لا حول لك فيه ولا قوة "
.
أظنه لم يكن يقصد الأشخاص والأمكنة وحدهما ، بل الأحلام
، الأخلاق ، والسردية كذلك ، ذلك الحيز الرمادي الذي يبدو عقلانيا ، لكنه في
الحقيقة دفن بطيء للحقيقة .
في هذا المنتصف يقف العالم اليوم ، لا هو في صف الجريمة
فنرتاح الى سطوع الشر ، ولا هو في صف الضحية فنحتمي بأدبيات الألم ، هو في المنتصف
حيث تتساوى القذيفة بالحجر ، والجلاد بالجرح ، والكذب بالحقيقة ، والسلام بالحرب.
محمود درويش كان سيبتسم بسخرية قاتلة لو رأى عالمنا
اليوم ، رغما عما بشر به ، فلم يتوقع في أسوء كوابيسه ما وصلنا اليه ، كان سيقول
أي منتصف هذا الي بشرت به ، أنه لا يشبه الحياد ، أنه عجز متنكر في ثياب العقل ،
أنها الشراكة الصامتة .
العالم لا يكذب لأن الكذب نافع ، بل لأنه لا يحتمل
الحقيقة ، فالحقيقة ثقيلة ، تتطلب موقفا ، والموقف يتطلب خسارة ، أما المنتصف فهو
الوهم المريح ، أن تقف بين الدم والشعار ، بين الجثث وحق الدفاع عن النفس .
غزة لا تموت لأنها ضعيفة فقط ، بل لأن العالم قرر أن
يراها في المنتصف ، لا هي بريئة بما يكفي لتستحق النجاة ، ولا هي مذنبة بما يكفي
لإعدامها ، وهنا تتحول الأخلاق الى أداة سلطة ، وهنا يصبح الميزان وسيلة لدفن
الحقيقة لا لقياسها.
أما إسرائيل ، فقد أتقنت لعبة المنتصف ، تقتل بيد ،
وتشتكي بأخرى ، تدمر ، ثم تطلب من العالم أن يفهم تهديداتها الوجودية ، والعالم
العالق في منتصفه المميت ، يهز رأسه موافقا ، كمن يوقع محضر إستماع لا شهادة وفاة
.
دونالد ترامب هو الحقيقة الوحيدة في المشهد ، وتجسيدها الأوضح
بلا رتوش ، هو نيتشوي الهوى بلا فلسفة ، يؤمن بإن الحقيقة ما تقوله القوة ، وأن
الأخلاق رفاهية الخاسرين ، قال ما يتجنبه الآخرون ، وفعل ما يخجلون من مجرد
الإعتراف به ، يتحدث عن السلام ويمضي الى الحرب ، يتحدث عن الجنة التي سيدخلها ولن يطؤها ، فاسد ويشهر بالفساد ،
لم يصنع العالم على صورته ، بل كشف صورته
الحقيقية .
في المنتصف الفلسطيني ، فلسنا أبرياء ، دخلنا الى الحيز
القاتل ، لا مقاومة مكتلمة ، ولا دولة مكتملة ، لا وحدة ولا مراجعة ، صرنا نخاطب
العالم بتناقضاتنا ، نطلب العدالة ونحن منقسمون ، ونطلب التعاطف ونحن مختلفون في
كل شيء الا أن نختلف ، ما لم نفككه بالأمس ، إرتد الينا حصارا يتلوها حرب ، وشهرة
أخلاقية ، وقضية مزعجة .
المنتصف ليس مكانا آمنا ، هو المكان الذي تموت فيه القيم
بلا جنازة ، حيث تتحول العدالة الى لغة ديبلوماسية ، والألم الى رقم ، والدم الى
سياق .
يقول محمود درويش على هذه الأرض ما يستحق الحياة ، فأضافوا
لها بصمت خبيث ، ما دام ذلك غير مربكا للتوازنات ، هنا في المنتصف المميت ، لا
ينتصر الأقوياء فقط ، بل ينتصر الصامتون والواقفون على مسافة واحدة من الضحية والجلاد
.
هنا في المنتصف المميت لا ينتصر الأقوياء فقط ، بل ينتصر
الصامتون ، والواقفون على مسافة واحدة من الجريمة والضحية ، والذين يعتقدون أن
الوقوف بلا موقف ، هو أرقى أشكال الحكمة .
هذا المنتصف ليس حيادا ، بل إنتحارا مؤجلا للمعنى ، إما
أن نختار الحقيقة بما تكلفه من خسارة ، أو نبقى في المنتصف حيث لا يقتل الجسد ، بل
تقتل القدرة على مجرد تسميته بإسمه .
أهلا بكم في المنتصف المميت ، المكان
الذي لا يدان فيه أحد ، ولا ينقذ به أحد ، ولن ينجو به أحد .
تعليقات
إرسال تعليق