القائمة الرئيسية

الصفحات

 


سبع سمان يأكلن سبع عجاف

في السياسة لا تقاس العلاقات بعدد الإبتسامات أمام الكاميرات ، بل بعدد القرارات التي تصاغ في الغرف المغلقة ، ومنذ اللحظة الأولى التي دخل فيها ترامب البيت الأبيض في ولايته الأولى ، بدا أن ثمة تقاطعا يتجاوز المصالح التقليدية  بين واشنطن وتل أبيب ، الى ما يشبه الشراكة في إعادة تعريف الواقع نفسه ، تعريف القضية الفلسطينية ، تعريف القدس ، تعريف السلام والتطبيع ، تعريف الخطر الإيراني ، تعريف التمثيل الفلسطيني ، تعريف الرعاية والشرعية الدولية

سبع زيارات عبر فيها نتنياهو الأطلسي ، يسابق فيها الزمن ، موليا وجهه البيت الأبيض ، في ولاية دونالد ترامب الأولى .... وكأن الرقم مقصود برمزيته في كل زيارة ، فثمة ورقة تسحب من ملف قديم ، لتضيف سطرا جديدا الى خريطة الشرق الأوسط ، الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل لم يكن قرارا معزولا ، بل كان إعلانا بإن الرواية الإسرائيلية وجدت أخيرا من يتبناها بلا تحفظ ، نقل السفارة لم يكن إجراءا ديبلوماسيا فحسب ، بل إشارة واضحة بإن ميزان القوى هو اللغة الوحيدة المعترف بها ، أما ما سمي بصفقة القرن فكان التعبير الأكثر صراحة عن تحالف يرى في إعادة هندسة المنطقة ، مشروعا قابلا للتنفيذ إذا ما توفرت الإرادة السياسية .... والحليف المناسب

لم يكن نتنياهو في تلك الزيارات مجرد ضيف على رئيس أقوى دولة في العالم ، بل شريكا في رسم جدول الأعمال ، ايران كانت حاضرة دائما ، ليس فقط كخصم مشترك ، بل كعنوان جامع لتحالف أوسع ، الإنسحاب من الإتفاق النووي ، تشديد العقوبات ، توسيع نطاق التطبيع الإقليمي ، كلها محطات حملت بصمة هذا التخادم السياسي الذي جمع بين رؤية يمينية إسرائيلية تبحث عن التفوق الإقليمي ، ورؤية يمينية محافظة أمريكية ترى في التحالف الصلب مع تل أبيب مدخلا لإعادة ترتيب أولوليات الشرق الأوسط .

اللافت أن هذه الزيارات السبع بملفاتها السبع لم تكن إستجابة لأحداث طارئة ، بل بدت جزءا من إيقاع منتظم ، كأنها فصول في مسلسل متصل ، كل فصل يرسخ حقيقة أن العلاقة بين الرجلين لم تكن علاقة ظرفية ، بل تطابقا في التصورات ، حول القوة ، حول الردع ، حول معنى السلام ، السلام في هذا السياق لم يعد تسوية متوازنة ، بقدر ما أصبح أعادة لتعريف شروط اللعبة ، بحيث يطلب من الضعيف أن يكيف مطالبه مع واقع وسقوف صيغت سلفا .

أما المنطقة ، فقد وجدت نفسها أمام معادلة واضحة : تحالف أمريكي – إسرائيلي متماسك ، يملك الجرأة على إتخاذ قررات كبرى ، ويستند الى قناعة بإن اللحظة مواتية لإحداث تحولات عميقة ، جاء التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية منسجما مع سياقه العام ، يسير كظله ، مستفيدا من المناخ السياسي الذي وفرته تلك الزيارات وما حملته من رسائل .

إنتهت ولاية دونالد ترامب الأولى ، وخسارته الرئاسة لولاية ثانية ، على وقع جائحة أصابت الإقتصاد العالمي في مقتل ، وفوضى حكم وفضائح سياسية غير مسبوقة ، لم تأتي بمحصلتها النهائية متوافقة مع توقيتات بنيامين نتياهو بملفاته الغير مكتملة ، محاولا التعايش ما أمكن مع عودة السياسات التقليدية للولايات المتحدة الى مركز القرار ، ليغيب عن مسرح الحكم في إنتخابات أطاحت به ، ليعود مجددا بعد أقل من عامين ، ليجد نفسه بعد عام تقريبا في خضم حرب طاحنة ، وجبهات سبع مفتوحه على مصراعيها ، كادت أن تعصف بكل ما أعتقد أنه قد بات من الحقائق الراسخة .

يعود دونالد ترامب لسدة الحكم مجددا  في أعقاب إنتخابات 2024 ، في ظل مشهد مختلف تماما ، أعقب السابع من أكتوبر 2023 ، لم يكن معها بنيامين نتياهو أكثر حاجة لرئيس في الولايات المتحدة ، كحاجته لدونالد ترامب ، كمنقذ لبنيامين نتنياهو من كل الأزمات التي فتحت على مصراعيها ، قد يراها البعض قدرا قد حدث ، ولكن الحقيقة التي لا تقبل الشك ، بإن اللوبي اليميني المحافظ الضاغط بماله وماكينة دعايته في الولايات المتحدة ، قد تجند بكل إمكانياته لإعادة إنتخابه مجددا ، رغما عن كل الأزمات التي رافقت ولايته الأولى .

سبعة زيارات في العام الأول من ولاية دونالد ترامب الثانية ، ليست كسابقاتها في كامل ولايته الأولى ، وسبعة ملفات يسعى بنيامين نتياهو لإنجازها قبل أن تتلاشى ظاهرة دونالد ترامب من التاريخ الأمريكي ، تم إعادة تدوير زواياها القديمة ، وفق النتائج على الأرض للجبهات السبع ، فلم يعد من الممكن التعايش مع بقاء النظام الإيراني ، ولم يعد ممكنا التعايش حتى مع فتات صفقة القرن ، أما غزة والتي كانت نواة لمشروع شبه الدولة للفلسطينيين في ولايته الأولى ، والتي باتت أثرا بعد عين ، فقد أسالت لعاب دونالد ترامب وشركاءه في مجلس السلام ، الذي نصب نفسه رئيسا عليه ، حتى بعد خروجه من البيت الأبيض عام 2028 .   

لم تكن الزيارات السبع الأخيرة لبنيامين نتياهو للقاء دونالد ترامب الا حلقات متصلة لخدمة الأهداف المشار اليها ، سيصطدم كل واحد منها بمتاريس لا حصر لها ، وتضارب مصالح مع الولايات المتحدة إبتداءا ، ومع مجمل القوى النافذة في العالم ، قد يكون من أسهلها إسقاط دعاوي الفساد ، التي دفعت دونالد ترامب للهجوم على رئيس الدولة في إسرائيل ، بالقول عليه أن يخجل من نفسه ، لرفضه طلبا كان قد طلبه في زيارته الأخيره من على منبر الكنيست ، فإذا كان هذا هو الحال في قضية ثنائية بين دولتين ، قد وصلت الى هذه الحالة من الإستعصاء ، والتصرف خارج ابجديات اللياقة السياسة ، فكيف سيكون معه الحال في القضايا التي باتت متعلقه بلاعبين كثر ، يستطيع أي منهم وضع العصي في دواليب الوصول الى نتيجه حاسمة بأي منها .

هذا هو حال فكر البلطجة على مر التاريخ ، يعتقد أنه قادر على فعل ما يشاء ، لقد أقنعه بضرورة الحرب مع ايران ، وبالمناسبة ، فمن المرجح أن تكون زيارة بنيامين نتياهو الأخيرة ، قد خصصت بالكامل للإتفاق على سيناريو الحرب ، ولكن كيف سيكون شكل المنطقة بعد إنتهاءها ؟ قد يقنعه بالحاجة الى جولة جديدة من التصعيد في غزة لجمع سلاح حماس ، وقد يقنعه بضرورة إبقاء الجبهة مفتوحة في جنوب لبنان ، وكما هو الحال في جنوب سوريا ، حتى إتضاح مآلات الحرب على ايران ، لكن الحقيقة الغائبة عن كليهما ، بإن العالم قد تغير ، لم يعد يستوعب كل هذه البلطجة ، والعمل خارج القانون الدولي ، فلا التطبيع مع أرض الصومال ، ولا مجلس سلام يترأسه دونالد ترامب ، سيغير الحقائق على الأرض ، فما قالته وثائق إبستين ، بإننا أمام منظومة فساد سياسي في الولايات المتحدة ، عرف كيف يعتاش عليها بنيامين نتنياهو لسنوات ، لم يعد الجيل الشاب في الولايات المتحدة إبتداءا ، ولا على إمتداد العالم ، على إستعداد للإستمرار بها مطولا ، فالسبع السمان خارج القانون الدولي والشرعية الدولية ، سيأكلن السبع العجاف التي يراهن عليها بنيامين نتياهو لا محالة .

 

تعليقات