القائمة الرئيسية

الصفحات



 إنها الحرب

ليست الحروب وليدة اللحظه ، ولا هي إنفجار عابر في فراغ سياسي ، الحروب الكبرى تشبه الزلازل ، تسبقها هزات خفية ، لتصدعات بطيئة في عمق الأرض ، ثم تأتي اللحظة التي لا يعود فيها الصمت ممكنا ، بين الولايات المتحدة وإيران ، تبدو الأرض منذ سنوات في حالة إرتجاج دائم ، وكأن التاريخ يعيد ترتيب نفسه إستعدادا لصدمة لا يريدها أحد علنا ، لكن كثيرين يتعاملون معها كإحتمال لا مفر منه .

ليست المشكلة في حادثة بعينها ، ولا في تصريح عابر ، ولا حتى في ضربة هنا أو هناك ، المسأله أعمق من ذلك ، أنه صراع على تعريف النظام الإقليمي نفسه ، واشنطن ترى الشرق الأوسط من زاوية أمنها الإقليمي ومصالحها الإستراتيجية ، وطهران تراه إمتدادا طبيعيا لنفوذها وأمنها الحيوي ، وحين تتصادم الرؤيتان في الجغرافيا ذاتها ، يصبح الإحتكاك قدرا مؤجلا لا أكثر .

منذ إنسحاب إدارة دونالد ترامب من الإتفاق النووي عام 2018 ، تبدل ميزان الضبط ، الإتفاق لم يكن حبا متبادلا ، بل هدنة عقلانية بين خصمين يعرفان حدود القوة ، وحين سقطت الهدنة ، عاد كل طرف الى منطقه الأصلي ، الضغط الأقصى من جهة ، وبناء القدرة القصوى على الرد من الجهة الأخرى ، ومنذ ذلك الحين ، لم يعد السؤال : هل يقع الصدام ؟ بل متى ، وكيف ، وبأي حجم .

المنطق الإستراتيجي يقول ، إن التعايش الطويل بين قوتين متنافستين في فضاء واحد ، يحتاج الى قواعد إشتباك واضحة ، لكن ما يحدث هو العكس تماما ، قواعد تذوب ، خطوط حمراء تختبر ، ورسائل بالنار ترسل عبر أطراف ثالثة ، لبنان ، سوريا ، فلسطين ، العراق ، اليمن ، وحتى البحر الأحمر ، كلها مسارح جانبية لصراع مركزي لم يعلن بعد ، وكل مسرح يضيق طبقة جديدة من التوتر ، حتى تصبح الحرب الشاملة ، إحتمالا عقلانيا في حسابات الردع ، لا مجرد تهديد إعلامي.

إيران التي إستثمرت خلال عقود في شبكة نفوذ ها الإقليمية  ، ترى أن التراجع الآن خسارة إستراتيجية يصعب تعويضها ، والولايات المتحدة ، التي تعتبر أمن حلفاءها في المنطقة جزءا من هيبتها الدولية ، لا تستطيع القبول بواقع تفرض فيه معادلات جديدة خارج إرادتها ، هنا تحديدا يكمن المأزق : كلا الطرفين يعتقد أن التراجع يساوي الضعف ، والضعف في عالم السياسات الدولية ، هو دعوة مفتوحة بلا نهاية لمسلسل من التنازلات .

عامل الزمن هناك في واشنطن مرتبط بدورات إنتخابية وحسابات داخلية ، والزمن في طهران مرتبط بتوازنات الداخل أيضا ، يضاف لها إرثا ثوريا يرى في الصمود قيمة بحد ذاتها ، حين تتقاطع الحسابات الداخلية مع التوتر الخارجي ، يصبح إتخاذ القرار أقل عقلانية وأكثر إندفاعا ، يكفي حادث واحد كبير ، ضربة خاطئة ، إغتيال نوعي ، إستهداف مباشر للمصالح الحيوية ، ليتحول الرد المحدود الى سلسلة ردود لا يمكن التحكم بمسارها .   

إقتصاديا قد تبدو الحرب مغامرة خاسرة للجميع ، لكن التاريخ يقول ، إن الدول لا تدخل الحروب فقط حين تكون رابحة إقتصاديا ، بل حين تشعر أن مكانتها بات مهدده وعلى المحك ، لا النفط ولا الأسواق ، هي الوقود للحروب الكبرى ، وإذا شعرت واشنطن بتآكل نفوذها ، أو شعرت طهران بإن مشرةعها الإقليمي يحاصر حد الإختناق ، فإن خيار المواجهة يصبح في نظر صناع القرار أقل كلفة من خيار الإنكفاء .

 ثمة ما يطلق عليه عنصر الردع المعكوس ، حين ينجح كل طرف في تجنب الحرب سنوت طويلة ، قد يظن أنه قادر على الإستمرار في لعبة حافة الهاوية بلا سقوط ، لكن هذه اللعبة بطبيعتها لا تتقن الى الأبد ، الإفراط في إختبار الخطوط الحمراء ، يحول الردع الى عادة ، والعادة تفقد أثرها مع مضي الوقت ، وحين يفقد الردع هيبته ، تستعيد الحرب منطقها الأول ، الحسم بدل الإنتظار .

لا يعني كل ذلك أن الحرب حتمية بمعنى القدر الأعمى ، لكنها حتمية بمعنى التراكم ، كل قرار صغير ، كل تصعيد محدود ، كل رسالة قاسية ، يضيف حجرا الى جدار يغلق مساحات التراجع ، ومع كل حجر جديد ، تقل الخيارات الدبلوماسية ، وتضيق نافذة التسويات ، حتى تصبح المواجهة الشاملة أقرب السيناريوهات الى  "المنطق" البارد للحسابات العسكرية .  

إنها الحرب .... لأنها نتيجة مسار طويل من إنعدام الثقة ، وتضارب المشاريع ، وتآكل الإتفاقيات ، إنها الحرب لأن التوازن الحالي هش ، ولأن الشرق الأوسط لم يعرف بعد نظاما إقليميا مستقرا يقبل الجميع بقواعده ، إنها الحرب لأن القوى الكبرى حين تتصارع على المكانة والنفوذ ، فلن تكتفي بالرسائل .

ومع ذلك ، تبقى المفارقة الكبرى : أن الجميع يعرف تكلفة الحرب ، والجميع يعلن أنه لا يريدها ، لكن الجميع يواصل السير بخطى حثيثة الى الطريق الموصل لها ، كأن المنطقة تسير فوق جسر تآكلت دعائمه ، وكل طرف يراهن أن الجسر سينهار من الجهة الأخرى أولا .

فإن إندلعت ، لن تكون مفاجأة كاملة ، ستكون تتويجا لمسار طويل من الإشارات التي لم تقرأ جيدا ، أو قرأت وتم تجاهلها ، وحينها لن سكون السؤال من بدأ ، بل لماذا لم يتوقف أحد في الوقت المناسب .

إنها الحرب… لأن منطق الأشياء كما تسير الآن لا يشير إلى هدنةٍ طويلة، بل إلى مواجهة تكاد تكون حتمية ، تنتظر شرارةً واحدة لتتحول من احتمالٍ ثقيل إلى واقعٍ يغيّر وجه المنطقة لعقود قادمة 

تعليقات