القائمة الرئيسية

الصفحات





                             الشعبوية : السلاح الغير مرئي في التهام الممكن وغير الممكن

حين تتجاوز الطموحات التي تتغذى على الخطابات الشعبوية ، سقف الممكن ، فإنها لا تكتفي بتحطيم حدود الواقع ، بل تأتي على الممكن وغير الممكن معا ، يتحول الحلم الى مطرقة ، والشعار الى معول ، ويصبح المستقبل مادة خام للتجريب ، لا مشروعا يبنى بروية ومسؤولية .

في السياسة ، كما الفيزياء ، لكل طاقة حد ممكن ، إن لم تحترم تحولت الى إنفجار ، والشعبوية بطبيعتها ، لا تعترف بالحدود ، فهي تسيل لعاب الجماهير بوعود تتجاوز قدراتها ، وتقنعها بإن الإرادة وحدها قادرة على كسر حدود قوانين الجغرافيا والتاريخ وموازين القوى ، لكنها تتناسى ، أو تتعمد تجاهل ، أن الإرادة حين تنفصل عن العقل ، تصبح طريقا مختصرا الى الكارثة .

في الحالة الفلسطينية ، لم تكن الشعبوية خطابا عابرا ، بل تحولت الى منهج حكم ومنطق صراع ، راكمت وعودا لا تتناسب مع الإمكانيات ، ورفعت سقوفا لم تكن محمولة على أعمدة واقعية ، حتى إنهار السقف على من تحته ، قيل أن الزمن يعمل لصالحنا ، وأن العالم سيتغير فجأة حين نقرر ذلك ، وأن القوة وحدها كفيلة بفرض المعادلات ، لكن الزمن لم ينتظرنا ، والعالم لم يتبدل من حولنا ، والقوة حين أسيء إستخدامها ، إنقلبت كارثة على الجميع .

غزة اليوم ليست مجرد مدن مدمرة ، إنها صورة مكثفة لما قد يحدث ، حين يدار الصراع بمنطق الخطابة ، لا بمنطق الدولة ، وبعقل التعبئة لا بعقل السياسة ، تحولت الى مساحة إختبار ، لكل ما هو مرتفع صوتا ومنخفض حسابيا ، لكل ما هو حاد العبارة ومفرغ من البدائل .

الشعبوية لا تخطئ في توصيف الألم ، لكنها تجرم حين تبيع الوهم كحل ، تجيد الحديث عن الكرامة ، لكنها لا تملك الخطة لحمايتها ، تكثر من إستدعاء التاريخ ، لكنها تعجز عن قراءة الحاضر ، وحين تفشل لا تعترف بالفشل ، بل تطلب مزيدا من التضحية ... وهم من البسطاء دائما .

ما آلت اليه الأوضاع الفلسطينية ، ليس نتاج قوة العدو وحده ، بل نتيجة تراكم أخطاء داخلية ، في مقدمتها تحويل السياسة الى مسرح ، والجمهور الى وقود ، والقرار الى رهينة للشعار الأعلى صوتا ، فالسياسة لا تعرف متى تتوقف ، لا تعرف كيف تنتصر ، والمقاومة التي لا تحسن تقدير الممكن ، تهدر ما تبقى من غير الممكن أيضا .

لقد تجاوز الخطاب الشعبوي الفلسطيني ، في لحظات مفصلية ، سقف الممكن ، لا ليضغط عليه ، بل ليقفز فوقه ، ومن يقفز فوق الواقع ، لا يسقط خارجه ، بل يسقط عليه بكل ثقله ، وهكذا وجد الفلسطيني نفسه محاصرا بين عدو لا يرحم ، وقيادات لا تحاسب نفسها ، وخطابات لا تعترف بإن السياسة فن إدارة الخسائر قبل صناعة الإنتصارات .

المأساة الأعمق ، أن الشعبوية حين تفشل ، تترك خلفها فراغا قاتلا ، فراغ ثقة ، وفراغ قيادة ، وفراغ معنى ، وفي هذا الفراغ ، يصبح المجتمع أكثر هشاشة ، وأكثر قابلية للتفتت ، وأقل قدرة على الصمود الطويل ، فما نحتاجه اليوم ليس مزيدا من الخطابات المرتفعة ، بل إنخفاضا شجاعا نحو الحقيقة ، ليس إنكارا للطموح ، بل ضبطه ، ليس قتلا للحلم ، بل إنقاذه من الإنتحار السياسي .

فالقضية الفلسطينية أكبر من أن تختزل في شعار ، وأعمق من أن تدار بمنطق اللحظة ، وأخطر من تترك لطموحات لا ترى أبعد من جمهورها المباشر .

حين يتجاوز الطموح سقف الممكن ، لا يصبح ثوريا ، بل يتحول الى قوة عمياء ، تأكل ما تبقى من القدرة على البقاء والإستمرار .

وما بين الركام يبقى السؤال الأثقل ، هل تعلمنا أخيرا أن السياسة ليس سباقا في رفع السقف ، بل فن العيش تحته دون أن ينهار فوق رؤؤسنا جميعا .

كيف يربي العدو خصومه

لا يعمل العدو مباشرة على كسر خصومه ، يعمل أحيانا بذكاء أكبر ، يتركهم يكبرون ، على نحو هو يتمناه ، في الصراع الطويل ، لا تهزم القضايا فقط بالدبابات والطائرات ، بل بتغذية الخطاب وإمداده بكل ما يلزم من أسباب النمو والإزدهار ، وهو تعزيز الشعبوية لدى الخصم ، لا بوصفها خطأ عفويا ، بل كخيار إستراتيجي ، بإعتبارها أحدى أخطر أدوات الهيمنه الحديثة .

الشعبوية ليست وليدة الفراغ ، هي إبنة شرعية للخوف ، وسيلة للإهانة ، وتوأم الهزيمة المحتومة ، لكن العدو يتقن فن تحويل هذه المشاعر الى خطاب صاخب ، يعد بالكثير ، ويشرح القليل ، وينتج تصفيقا أكثر ما ينتج وعيا .

في الحالة الفلسطينية ، لم يكن الخطاب الشعبوي دائما نتيجة للإحتلال فقط ، بل نتيجة للطريقة التي أدير بها الصراع ، فكلما بدأ الصوت الفلسطيني أكثر إنفعالا وأقل إنتظاما ، بدا للعالم أقل قابلية للفهم وأكثر قابلية للإستهلاك ، وهنا يكسب العدو معركة السردية الأهم . يعرف العدو أن الخطاب العقلاني يربك ، وأن الأسئلة الذكية أخطر من الشعارات العالية ، لذلك لا يسعى دائما لإسكات الخصم ، بل إظهاره في أسوء نسخة تبسط المأساة حتى تفقد عمقها ، وتحول الضحية الى خطيب ، والحق الى هتاف .

فحين يتصدر المشهد خطاب لا يرى في السياسة سوى خيانة ، ولا يرى في النقد سوى طعن ، ولا يرى في التعدد سوى ضعف ، تغلق الأبواب أمام التحالفات ، وتخنق المساحات الرمادية ، التي تصنع فيها الحلول ، في هذا المناخ تصبح القضية الفلسطينية رهينة خطابها ، لا عدوها فقط ، خطاب ينفس الغضب ، لكنه يربك العقل ، يمنح شعورا بالتماسك ، لكنه يعمق العزلة ، ويشبه كثيرا ما يريده العدو ، قضية عالية الصوت ، ضعيفة التأثير .

ليس كل من يصرخ أكثر ، يقاوم أكثر ، وليس كل من يختصر الصراع ، يخدمه ، فالشعبوية حين تتحول الى لغة سائدة ، تصنع جمهورا لا مشروعا ، وتنتج إنقساما داخليا يغني العدو عن كثير من الجهد .

ربما لا يستطيع الفلسطيني أن يختار عدوه ، لكنه يستطيع إختيار وسائله ، والفرق بين خطاب يحشد وخطاب يبني ، هو كالفرق بين خطاب يستنزف وقضية تبقى ، في أعقد الصراعات على وجه الأرض ، بين الحق الفلسطيني الساطع والمسألة اليهودية الأكثر حساسية للعالم ، فقد أوجز الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش ، تعقيدات إدارة هذا الصراع على أرض فيها حقول مليئة بالألغام ، ألغام التاريخ والدين والسردية ، ففي مقابلة مع صحفية يهودية يقول : " هل تعلمين لماذا نحن الفلسطينيين مشهورون ؟ لأنكم أنتم أعداءنا ، وأن الإهتمام بنا نابع من الإهتمام بالمسألة اليهودية ، نعم الإهتمام بك وليس بي أنا ، إذا نحن قليلو الحظ بإن تكون إسرائيل هي عدونا ، لأنها تحظى بمؤيدين لا حد لهم في العالم ، ونحن أيضا محظوظون بإن تكون إسرائيل هي عدونا ، لأن اليهود هم مركز إهتمام العالم ، لذلك ألحقتم بنا الهزيمة وأعطيتمونا الشهرة ، الحقتم بنا الهزيمة لكن منحتمونا الشهرة "

تعليقات