القائمة الرئيسية

الصفحات

 


أما وبعد ....

إنتهت ملهاة المفاوضات ، لتندلع حرب القضاء على التهديدات الوجودية ، كما يحلو لبنيامين نتياهو تسميتها ، فقد أتت على الصفوف القيادية الأولى في نظام الولي الفقيه في دقائقها الأولى ، كان من أبرزهم رأس النظام ، صاحب الكلمة الفصل في الحرب والسلم ، على خامنئي ، لترد ايران ليس على إسرائيل فحسب ، بل على كل ما طالته صواريخها ، لكل مصالح واشنطن وتحلفاتها ، أغلبهم من العرب ، وحتى العمانيين ، من كانوا بالأمس جسرا  للوساطة ، والخيار الأكثر موثوقية لطهران ، فينخرط حزب الله في الحرب بعدة صواريخ رمزية ، سببها بالرد على إغتيال علي خامنئي ، وردا على الهجمات المتتالية للإسرائيليين على لبنان ، قدمت من خلالها لبنيامين نتنياهو أسمى ما يتمناه .

هي ليست بحرب حدود ، ولا معركة صواريخ وطائرات مسيرة ، إنها صراع إرادات ، إختبار للسرديات ، ومواجهة بين رؤيتين للشرق الأوسط ، رؤية ترى بالردع قوة أخلاقية ، وأخرى ترى بالمقاومة إرثا تاريخيا ، وبين الرؤيتين ، يقف الشرق الأوسط كجسد أنهكته الحروب ، لكنه لم يفقد قدرته على إدهاش العالم ، بميزات حباه الله بها ، على إعادة رسم الخرائط والتحالفات ، ليس بقدرته على التحمل فحسب ، بل بلغة المال والإقتصاد أيضا .

أما وبعد ....

فقد تنوعت السردية الموجبة لكل هذا الدمار والموت ، فما بين برنامج نووي أشبع بحثا ، الى برنامج صاروخي كان عصيا على إدراجه على مائدة النقاش  ، الى خطوط الإمداد والتحالفات الدولية ، وحتى دور الوكلاء ، كل ذلك كان يقول أن النار تتقدم خطوة بخطوة ، وعندما إكتملت الحسابات الإنتخابية لدى بنيامين نتياهو ، بالرغبة لتسجيل إنجاز لم يتمكن من سبقوه من فعله  لدونالد ترامب ، باتت المعادلة قابلة للإشتعال ، ليصار الى تسويقها في واشنطن كردع ومنع إنتشار ، أما في تل أبيب فيتم تسويقها كمسألة بقاء ، ولكنها في طهران فهي مسألة سيادة وكرامة وطنية لتاريخ من حضارة ضاربة في القدم ، وحين تتباين التعريفات للخط الأحمر ، فعلى السماء والأرض أن يشتعلا لإعادة تعريفه قصرا من قبل أحد المنتصرين ، أو إعادة تعريفه بصيغة لا رابح كليا ولا خاسر كليا .

أما وبعد .....

فإن الحرب التي إشتعلت للتو ، فلن تبقى محصورة في مسرح واحد ، فالجغرافيا هنا ليست ساحة ، بل شبكة من المصالح ، من المتوسط الى الخليج ، ومن جنوب لبنان الى سواحل اليمن ، تتداخل المسارات كما تتداخل الأسلاك في لوحة كهرباء معقدة ، أي ضربة كبيرة قد تستدعي ردودا غير متوقعة ، وأي حساب خاطئ قد يفتح ابوابا لم تكن في الحسبان على عدة سيناريوهات :ـ

أولاها  ... حرب محدودة عالية الكثافة تتبادل فيها الأطراف ضربات بين الدقيقة وغيرها ، على أهداف عسكرية ونووية وبنى تحتية حساسة ، مع عدم تجاوز عتبة الإنفجار الشامل ، يحافظ على الرسالة ، دون إطلاق العنان للفوضى الشاملة ، لكنه يحمل خطرا دائما ، أن يتحول المحدود الى متدحرج ، إذا سقطت ضربة في المكان الخطأ أوالزمان الخطأ أيضا .

 ثانيهما ..... إتساع للحرب عبر الوكلاء حيث تتحول الساحات المحيطة الى مسارح ضغط ، هجمات صاروخية متفرقة ، هجمات بحرية ، ضربات سيبرانية ، هنا ستدار الحرب بأصابع كثيرة ، لا تظهر جميع بصماتها في الصورة ، فيطول أمد النزاع ويجعل كل يوم إختبار للأعصاب ، وهو الأكثر ترجيحا إن أرادت جميع الأطراف أن تحافظ على إمكانية التراجع

ثالثهما ..... إنفجار قصير المدى ،وصولا لشل قدرات الخصم في أيام معدودات ، ضربات مكثفة ، تعطيل شبكات ، إغلاق مسارات بحرية ، ورغم كلفته السياسية والإقتصادية ، وإمكانية جره لأطراف أخرى الى قلب المعركة ، ولو بغير رغبة ، فإنه يبقى حاضرا في حسابات من يتخذ القرارات .

رابعهما .... العودة القسرية الى التفاوض ، تعاد فيها صياغة قواعد الإشتباك والضمانات ، لا تلغى فيه الدماء ولكنه يمنع تمددها ، ولكنه بحاجة الى وسيط قادر على جمع الخيوط ، والى قرار شجاع من العواصم الثلاث ، على قاعدة أن لا أحد يمكنه أن يربح حربا كبرى في هذا الإقليم ، ولكن السؤال يبقى دائما ، أين ستجد وسيطا من هذا القبيل ، في ظل حكم دونالد ترامب .

أما وبعد .....

فإن الإقتصاد هو الميدان الخفي ، فأي إضطراب في طرق الطاقة أو الممرات البحرية سيهز الأسواق ، ويحول المعركة من عسكرية الى معيشية ، فالنفط شديد الحساسبة للقذائف ، والمضائق لا تحتمل المغامرة ، وكل صاروخ سيرفع الأسعار بصورة صاروخية ، وكل ضربة ستعيد ترتيب سلاسل الإمداد ، وهنا يصبح العالم بأسره طرفا غير معلن في الحرب ، لأن كلفة الحرب ستتوزع على خرائط أبعد من خرائط القتال .

أما وبعد ......

كل قرار سيجيبب على ميزان الرأي العام والكونغرس ، في الولايات المتحدة فإن السياسة الداخلية تلعب دورا لا يقل خطورة ، في أن تفهم كمعركة هيمنة وقوة ، وفي ايران فهي دائما ملتصقة بالذاكرة التاريخية ، أما في إسرائيل فحسابات الداخل تتقاطع مع حسابات الخارج ، ليضحي التراجع أكثر صعوبة ، لأن كل طرف يخشى أن يبدو ضعيفا أمام جمهوره .

أم وبعد ......

في لبنان وغزة والعراق واليمن وحتى جنوب سوريا ، وإن كان ينظر اليهم الآن كهوامش ، فهم يبقون فصولا قد تفتح أو تغلق على وقع إرتفاع إيقاع النار ، فكل ساحة تحمل إحتمالاتها ومفاجآتها ، فهم وإن أنهكتهم الحرب ، يعرفون يقينا أن إعادة ترسيم الخرائط وتغيرها ، لا يغير من الألم شيئا ، ولكن فواتيره المستحقه ستكون باهظة الثمن .

أم وبعد .....

فإن السؤال الأكبر ليس من سيطلق الضربة الأخيرة ، بل من سيملك شجاعة إيقافها ، التاريخ ملئ بحروب بدأت بثقة عالية ، وأنتهت بخيبات كبرى ، الردع قد ينجح في منع الأسوء ، لكنه قد يفشل إذا تحول الى إختبار للكبرياء والكرامة ، فعندما يختلطان يصبحان بحاجة الى ما هو فوق العقلانية ، كي لا تتحول الى نار بلا حدود .

أم وبعد ....

يبقى السيناريو المرجح في ميزان البرغماتية ، هو مزيج من المحدود والمتدرج ، ضربات محسوبة ، رسائل متبادلة ، ووساطات خلف أبوب موصدة ، حرب تقول أكثر مما تفعل ، وتفعل ما يكفي لتقول ، لكنها تظل لعبة حافة الهاوية ، حيث خطوة واحدة قد تغير كل شيئ .

في النهاية ، تبقى الحقيقة بسيطة ومعقدة في آن ، لا أحد في هذا المثلث يريد حربا كبرى ، لكن الجميع يمضي نحوها ، فلا ثقة بنوايا الآخر ، لكن الجميع يحتاج الى الآخر ليحفظ خط الرجعة .

أما وبعد .....

المنطقة برمتها تقف على مفترق لا يشبه ما سبقه ، أما أن تعاد قواعد الإشتباك بقلم سياسي ، أو تكتب بقلم من نار ، والفرق بين القلمين ليس في الحبر ، بل في عدد الأسماء التي ستمحى من السجلات .

هكذا ستختتم الرسائل المفتوحة بين العواصم الثلاثة ، إما أن يحسنوا قراءة اللحظة ، أو ستقرأهم اللحظة كما تشاء .

 

تعليقات