القائمة الرئيسية

الصفحات

 



حين يصبح التمني سياسة : مأزق التحليل في العالم العربي والإسلامي

ليست مشكلة الأمم في نقص الأحداث ، بل في طريقة قراءتها للأحداث ، فالتاريخ لا يبخل بالوقائع ، ولا السياسة تفتقر الى الإشارات ، لكن العقول هي التي تختار أحيانا أن ترى ما تحب ، لا ما هو قائم ، ومن هنا نشأت واحدة من أكثر الظواهر رسوخا ، تحليل الواقع بالأماني والرغبات ، لا بالوقائع والميزان البارد للمصالح في الحياة السياسية العربية والإسلامية .

في كثير من لحظات التاريخ الحاسمة ، لم تكن المشكلة في غياب المعلومات ، بل رفض ما تقوله المعلومات ، فبدلا من مواجهة الحقيقة ، يستبدل بها تفسير يريح النفس ويرضي الهوية ويسكن الألم ، وهكذا يتحول التحليل السياسي الى ما يشبه صناعة العزاء الجماعي ، خطاب يطمئن الجمهور بإن المستقبل يسير كما ينبغي ، حتى لو كان الواقع يقول العكس تماما .

هذه الظاهرة ليست جديدة ، لكنها في العالم العربي والإسلامي إكتسبت عمقا خاصا ، فالمجتمعات التي خرجت من قرون طويلة من الإنحطاط السياسي والعلمي ، ثم إصطدمت فجأة بعالم متفوق في التنظيم والمعرفة ، وجدت نفسها أمام معضلة كيف تفسر الفجوة بين الصورة التي تحملها عن ذاتها وبين الواقع الذي تعيشه ؟ فهي نفسية قبل أن تكون سياسية .

ولأن المواجهة مع هذه الفجوة تحتاج الى شجاعة نقدية قاسية ، لجأ العقل الجمعي غالبا الى الطريق الأسهل ، تفسير الهزيمة بإعتبارها مرحلة مؤقتة ، أو مؤامرة عابرة ، أو إختبارا الاهيا سينتهي قريبا بنصر مؤكد ، وبذلك يتحول المستقبل الى مساحة مفتوحة للأمل ، فيما يبقى الحاضر بلا تفسير عقلاني .

من هنا نشأت ثقافة سياسية كاملة تقوم على التمني ، ثقافة لا ترى في الواقع حدودا ، بل عقبات مؤقتة أمام ما يجب أن يحدث ، وفي هذه الثقافة ، لا تقاس القوة بحجمها الفعلي ، بل بحجم الرغبة في إمتلاكها ، ولا تقرأ موازين القوى كما هي ، بل كما ينبغي أن تكون .

فالخصم يقدم بإعتباره على وشك ، والنتيجة أن التحليل السياسي يتحول الى مزيج من الأمنيات والتوقعات المريحة بالإنهيار ، حتى لو كان في ذروة قوته ، والذات تصور بإعتبارها أقرب الى النصر مما تشير اليه الوقائع ، وبين هذين التصورين ، تضيع القدرة على رؤية الواقع كما هو .

لقد تكررت هذه الظاهرة في محطات عديدة من التاريخ الحديث ، في كل مرة تقع هزيمة أو أزمة كبرى ، يظهر خطاب واسع يعد بإن التحول الكبير بات قريبا ، وأن موازين القوى توشك أن تنقلب ، وأن العالم يتغير لصالحنا ، ومع مرور الوقت ، تتحول هذه التوقعات الى جزء من الوعي العام ، حتى ولم يتحقق منها شيء .

المشكلة أن هذا النوع من التفكير لا يكتفي بتفسير الأحداث ، بل يؤثر في صناعة القرار نفسه ، فحين تبنى السياسات على توقعات غير واقعية ، تصبح النتائج أكثر قسوة من التوقعات ، لأن السياسة ، على عكس الخطاب ، لا تتعامل مع النوايا بل مع موازين القوة الفعلية على الأرض .

فالتغيير يبدأ ، عندما تبدأ الأمم برؤية الواقع كما هو ، وكيف تستطيع تغييره ؟ ، في الفكر السياسي الحديث ، ثمة قاعدة بسيطة لكنها حاسمة بالإعتراف بحقيقة الوضع القائم ، لا بتجميله ولا تجاهله ، لكن في كثير من الحالات العربية والإسلامية ، يجري العكس تماما ، فينظر الى النقد الواقعي بإعتباره تشاؤما أو إنهزامية ، بينما يكافأ الخطاب المتفائل حتى لو كان منفصلا عن الواقع .

وهنا تكمن المفارقة الكبرى ، فالثقافة التي ترفع شعار القوة والكرامة ، قد تقع في فخ إنكار الحقيقة ، وهو ما يضعف قدرتها الفعلية على تحقيق الشعارات .

إن الفرق بين الأمل والوهم دقيق لكنه حاسم ، فالأمل قوة دافعة حين يستند الى قراءة دقيقة للواقع ، أما الوهم فيتحول الى عبء حين يحجب تلك القراءة ، والأمم الناجحة في التاريخ ليست تلك التي تمنت أكثر من غيرها ، بل تلك التي فهمت حدودها أولا ثم عملت على توسيعها تدريجيا .

لقد بنت دول عديدة نهضتها الحديثة إنطلاقا من إعتراف قاسي بالضعف ، اليابان بعد الحرب العالمية الثانية ، والمانيا بعد الهزيمة ، وكوريا الجنوبية بعد الفقر المدقع ، كلها أمثلة على مجتمعات قررت أن تواجه واقعها بلا تزييف ، لقد بدأت هذه الدول بنقاشات ما الذي يجب أن نغيره بأنفسنا لننجح ؟ وليس بنقاش متى سيتغير العالم لصالحنا ؟ أما في النقاشات العربية والإسلامية فيطرح السؤال معكوسا ، على إعتبار أننا قد جزمنا سلفا أن أمر أنفسنا فهو ليس مدعاة للتغيير ، والفرق بين السؤالين ليس لغويا فقط بل حضاريا ، السؤال الأول يضع المسؤولية داخل المجتمع ، بينما الثاني ينقلها الى الخارج ، وفي السياسة كما الحياة ، لا يحدث التغيير الحقيقي الا حين تتحمل المجتمعات مسؤولية خياراتها .

هذا لا يعني تجاهل الظلم أو الصراعات الدولية أو إختلال موازين القوى ، فهذه كلها حقائق قائمة ، لكن التعامل معها يبدأ بفهمها بدقة ، لا بإحاطتها بسرديات مريحة ، لأن العدو الحقيقي لأي مشروع نهضوي ليس القوة الخارجية وحدها ، بل القدرة الداخلية على خداع النفس .

ربما يكون أهم تحول يحتاجه العقل السياسي العربي والإسلامي ، هو الإنتقال من ثقافة التمني الى ثقافة الفعل ، أي من إنتظار اللحظة التي ينقلب فيها العالم فجأة فحسب ، الى العمل الطويل البطيء الذي يغير شروط الواقع خطوة بعد خطوة .

 التاريخ لا يتغير بالقفزات العاطفية ، بل بالتحولات التراكمية ، والدول التي تملك القدرة على التأثير في النظام الدولي لم تصل الى تلك المكانة لأنها حلمت بها ، بل لأنها بنت مؤسساتها وإقتصادها ومعرفتها على مدى عقود طويلة .

إن الأمل يظل ضرورة لأي مجتمع ، لأنه يمنح الطاقة للإستمرار ، لكن الأمل حين ينفصل عن الواقع ، يتحول الى ما يشبه المخدر الفكري ، يخفف الألم مؤقتا لكنه يمنع العلاج الحقيقي .

وفي النهاية ، قد يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يطرح اليوم ليس متى تتحقق أحلامنا ؟ بل سؤال أكثر صعوبة وصدقا ، هل نملك الشجاعة لنرى الواقع كما هو ، قبل أن نحلم بتغييره ؟

فالأمم التي تملك هذه الشجاعة فقط هي القادرة على تحويل الأماني الى خطط ، والرغبات الى سياسات ، والأحلام الى تاريخ ، أما الأمم التي تكتفي بتحليل العالم كما تتمنى أن يكون ، فإنها تخاطر بإن تبقى طويلا ....خارج العالم الذي تصنعه مثيلاتها من الأمم الأخرى .

تعليقات