القائمة الرئيسية

الصفحات

 


من الطين الى الوحل : كيف
تم جر دونالد ترامب من الحلم الى المستنقع؟

ما بين هندسة الشرق الأوسط وإعادة تشكيله الى وحوله ، لم يكن بنيامين نتياهو مجرد رئيس وزراء في دولة تبحث عن أمنها ، بل كان على إمتداد سني حكمه ، مهندسا بارعا في إعادة تعريف الخطر ، وصياغة الأولوليات ، وجر الحلفاء الى حيث يريد ، لا حيث يريدون ، لم يقدم نفسه كسياسي عادي ، بل كقارئ وحيد لنص الشرق الأوسط ، وكأن المنطقة لا ترى الا من خلال عينيه ، ولا تدار سوى بمنطقه .

هكذا بدأت الحكاية ، "شرق أوسط جديد" ، من فكرة لامعة براقة عنوانها شرق أوسط تعاد هندسته ، تكسر فيه موازين القوى القديمة ، وتبنى تحالفات على مقاس التهديدات ، لا على مقاس الجغرافيا ، لكن ما لم يقال يومها ، أن هذا الجديد لم يكن مشروع إستقرار ، بل مشروع إدارة فوضى .... فوضى محكمة ، تبقي الجميع في حالة قلق دائم ، وتبقى إسرائيل في موقع الحاجة الدائمة للدعم ، كشريك موثوق وحيد في الشرق الأوسط .

نتياهو لم يكن يقنع واشنطن بالحروب ، بل كان يقنعهم بإن الحروب هي البديل الوحيد لعدم الإنهيار ، لم يقل للأمريكيين : تعالوا الى النار ، بل قال لهم : النار قادمة اليكم ، وإن لم نطفئها هنا ، ستشتعل عندكم هناك ، بهذه البراعة لم يعد الشرق الأوسط في الوعي الأمريكي منطقة مصالح ، بل منطقة تهديدات وجودية متحركة ، ستأتي على مصالحها في المنطقة ، إن لم تتحرك وفق عقارب توقيتاته .

أتى دونالد ترامب الى الحكم ، الرجل الذي لا يحب التعقيدات ، ولا يثق الا بالصفقات ، وجد فيه نتياهو فرصة ذهبية ، رئيس يمكن إختصار العالم أمامه في معادلة بسيطة ، "نحن الخير وهم الفوضى" ، ومن هنا بدأت عملية الإنسحاب التدريجي من الهندسة الى الإنخراط ، ومن الإنخراط الى الإنحياز الكامل ، ومن الإنحياز الى التورط ، ومن التورط الى الشراكة .

صفقة القرن لم تكن مجرد خطة سياسية ، بل كانت إعلانا غير مكتوب ، أن واشنطن لم تعد وسيطا ، بل شريكا في الصراع ، والإعتراف بالقدس ، ونقل السفارة ، لم يكونا مجرد قرارات ، بل إشارات واضحة بإن السردية الواحدة ، باتت سياسة رسمية ، لكن المفارقة التي لم ينتبه لها صانع القرار الأمريكي ، " أن من يدخل الشرق الأوسط من باب الحل النهائي سرعان ما يجد نفسه سريعا في متاهة البدايات التي لا تنتهي " ، ومن هنا بدأت الأرض تتحول من الطين الى الوحل .

جاءت غزة لا كملف إنساني فقط ، بل كإختبار حقيقي ، هل تستطيع القوة أن تفرض نهاية ؟ أم أنها تفتح ابوبا جديدة للفوضى ؟ فنتياهو الذي أتقن لعبة التصعيد المحسوب ، لم يعد يكتفي بإدارة الأزمات ، بل بدأ بصناعتها كضرورة سياسية للبقاء ، كل جبهة مفتوحة ، كل توتر قابل للإشتعال ، كل تهديد مؤجل ، كان بمثابة خيط جديد يحكم رباط واشنطن بمزيد من الشراكة في الميدان ، ولو كان على شكل مجلس أبعد ما يكون عن صناعة السلام .

لبنان فسوريا فاليمن فالعراق ، وصولا لدرة التاج " إيران " ، حيث قدمها لدونالد ترامب في ولايته الأولى كتهديد وجودي مؤجل لا يموت ، يقتضي التعامل معه ولو بالحد الأدنى ، فما كان من دونالد ترامب سوى الإنسحاب من إتفاق قد أقامه سلفه براك أوباما ، ويتبعها بإغتال قائد فيلق القدس قاسم سليماني ، كلها خيوط أحكم بنيامين وثاق واشنطن بها بإحكام .

لم تعد الولايات المتحدة في عهدة دونالد ترامب الثانية ، تقود المشهد فحسب ، بل أصبحت شيئا فشيئا  : وهنا تكمن براعة بنيامين نتياهو ، فلم يجر الولايات المتحدة الى حربين مباشرتين فحسب ، بل جرها الى حالة لا تستطيع فيها الإنسحاب ، جعل وجودها ضرورة ، وغيابها مخاطرة ، حيث باتت خياراتها جميعا سيئة  ،إن بقيت ، غرقت ، وإن خرجت ، إنهارت صورتها في نظر من وعدهم بمظلة من الحماية الدائمة ، مقابل إستثمارات بتريليونات من الدولارات كان قد جمعها قبل شهور قليلة .

وهكذا تحول الشرق الأوسط الجديد ، من مشروع هندسي نظري الى مستنقع إستراتيجي حي ، فالفرق بين الطين والوحل ، أن الطين قابل لتشكيله ، أما الوحل ...فيبتلع من يحاول الوقوف عليه : واليوم تبدو واشنطن واقفه في منتصف هذا الوحل تحاول الحفاظ على توازنها ، بين دعم حليف لا يستطيع التوقف ، ومصالح عالمية لا تحتمل المزيد من الإستنزاف .

أما نتنياهو : فلا زال يلعب لعبته المفضلة ، توسيع دائرة الخطر ، ليجعل نفسه الحل الوحيد الممكن ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن ..... بعد مضي ثلاثة أسابيع على حرب ضارية ، وفشل ذريع للخطة الأولية الموضوعة للحرب ، بسقوط نظام الولي الفقيه في أسبوعها الأول ، بعد إستهداف بالجملة لرأس النظام وأركان حكمه ، لتتدفق الحشود الغاضبة الى الشوارع .... هل ما زال يمسك بالخيوط أم أن الخيوط بدأت تلتف حول الجميع ؟

في الشرق الأوسط نادرا ما تنتهي الحروب كما خطط لها ، ونادرا ما تبقى التحالفات كما بدأت ، وربما في لحظة ما ، ـــــ سيكتشف الجميع ـــــ في تل أبيب كما في واشنطن ، أن الطريق من " الهندسة " الى " الوحل " ، لم يكن إنزلاقا مفاجئا ، .... بل سبقه مسارا طويلا ، ساروا فيه وهم يظنون أنهم يسيطرون عليه ، ببساطة لأنهم أسقطوا من كل حساباتهم القاعدة الذهبية القائلة : كما أن علوم الهندسة النظرية المعمرة بحاجة الى أسس صلبة ومتينه ، فهندسة المجتمعات البشرية وإستدامة بقاءها ، بحاجة الى أسس صلبة ومتينة ، قوامها الحرية والعدالة والمساواة بين البشر ، والا فمستنقعات الوحل هي بديلها المنطقي .     

  

تعليقات