منطقة اللايقين : نهايات
غير تقليدية لأحداث غير متوقعة
شهر قد مضى على حرب الأصوليات الدينية ، المستترة خلف
كلاشيهات جيوسياسية ، المحتدمة على مسطحات
أهم خطوط إمدادات الطاقة العالمية ، حرص دونالد ترامب أن يبعد آثارها بكل ما
إستطاع ، عن شاشات مؤشرات إرتفاع أسعار النفط ، وإنخفاض مؤشرات البورصة العالمية ،
الا أن نظام الولي الفقيه نجح في إبقاء
العيون عليها بكل إقتدار ، ليمسي مضيق هرمز مسبقا على نووي وصاروخي ووكلاء ايران
في الإقليم ، فخزان وقود سيارة المواطن الأمريكي ، وإنتخابات نصفية تدق الأبواب ،
ودول وجدت نفسها في مرمى النيران ، وأضرار واسعة النطاق لسلاسل إمدادات الطاقة ،
طالت إقتصادات دول عديدة وآسيوية على وجه الخصوص ، قوات أمريكية من شتى التخصصات
تتدفق الى المنطقة ، وحاملة طائرات جديدة تبحر بالتزامن الى المنطقة ، وتبادل
رسائل تعجيزية عبر الوسطاء أشبه ما تكون
لوثائق الإستسلام ، توسع بنك الأهداف الإسرائيلية ليطال بنى تحتية حساسة في إيران
، تفعيل ايران لورقة ضغط جديدة ، عبر تحريك ورقة الحوثيين لينخرطوا في الصراع ،
ليمسي البحر الأحمر وباب المندب عاملا محتملا جديدا في الصراع ، كلها عوامل مجتمعة باتت
حاضرة على طاولة صانع القرار ، في كل من واشنطن وتل أبيب وطهران .
ينبري دونالد ترمب بالإدلاء يوميا بعشرات التصريحات ،
يحيي الآمال ويعيد دفنها في التو والحال ، يقول كلاما بات لا يصدقه أحد ، يلهث
خلفه المحلليين والسياسيين ، لا يدرون من أين يبتدأون ولا أين ينتهون ، يتحدث بالأوهام
وكأنها حقائق ، حتى وصل ذروة هذيانه بإعلانه أنه رفض طلبا إيرانيا لتعيينه مرشدا
أعلى لإيران ، يتبادل الأدوار مع بنيامين نتياهو بالتحفظ على خطوات يقدم عليهما
أحدها ، وكأن الأمور تجري خارج غرفة المطبخ السياسي والعسكري المشترك على مدار
الساعة ، يلقي بالسباب والمديح على كل من يطاله لسانه ، يرد على أسئلة الصحافة
التي لا تروق له ، بالنبش بماضيهم الشخصي لإسكاتهم ، متناسيا بإن المواقف سداد
ودين ، غافلا على أن حبر أوامره التنفيذيه وحروبه التجارية على العالم ، لم يجفان
بعد ، بات مادة للسخرية والتندر في وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي الأمريكية
قبل غيرها ، دخل حربا لا يعرف كيف سيخرج منها ، ولا يجد غير التصعيد ورفع كلفها
وسيلة لذلك ، يجهد بنيامين نتياهو على مدها بكل السبل لإستدامتها ، حتى تحقيق أقصى
أمنياته بإلحاق أعمق الأضرار بإيران ، بعد فشل حلم إسقاط النظام .
خسائر فادحة مني بها أطراف الصراع الأساس ، وهم ذاهبين
إضطرارا الى دفع المزيد ، فالخيارات أمامهم من السيء الى الأسوء ، فتوقف الحرب بلا
تحقيق إنجازات ملموسة على الأرض تساوي الهزيمه ، فتوقف الحرب لأمريكا دونالد ترامب
بنفس الوقائع التي إبتدأت بها تعني الهزيمه ، واسرائيل بنيامين نتياهو تعني لها
أيضا هزيمة أشد وقعا ، وبنفس المستوى بالنسبة للإيرانيين تعني الشيء ذاته ، بعد كل
الخسائر الفادحة التي منيت بها ، لتستعد الى حرب جديدة بعد شهور لم تلتئم جراح
سابقتها بعد ، وفي حالة من هذا القبيل ،
فالمضي قدما بها رغم إرتفاع تكلفتها هو الخيار الأقل سوءا ، أما التكتلات الدولية
الأساس في المعسكرين الداعمين مضمونا وحتى بالشكل لأطراف الصراع ، فقد يكونان
راغبين بإستمرارها ، فروسيا المنخرطة بحرب
لأربع سنوات إستنزفت مقدراتها ، لا شك بحاجة الى مزيد من إستنزاف أمريكا دونالد ترامب
، لتعميق إحتياجه لروسيا والمحافظة على مصالحه الجيوسياسية مع النظام في إيران ،
وبنفس القدر ولأسباب تختلف قليلا بالنسبة للصين ، أما الأوروبيين فتعميق أزمة
دونالد ترامب فهي تعني بالنسبة لهم ، درسا إستراتيجيا لأمريكا عن حاجتها الدائمة الى جناح آخر (الناتو) لتحلق به ، أما
خروج إيران منتصرة فهو الخيار الأكثر سوءا ، أما الخليجيين وهم الأشد تضررا فهم
باتوا بحاجة الى إستمرار الحرب ، أكثر من توقفها ، فسيطرة إيران على مضيق هرمز
يساوي إنتحار جماعي للمصالح الخليجية ، لا يقل سوءا عن هيمنة إسرائيل في منطقة
الشرق الأوسط ، قس على ذلك بالنسبة للمصريين والأتراك ، حيث إيران قوية وإسرائيل
مهيمنة تحمل نفس النتائج الكارثية ، أما بالنسبة لما تبقى من محور المقاومة ،
فسقوط النظام في إيران هو الموت البطيء ، أما الفلسطينيون فهم يعلمون بإنهم الوجبة
القادمة لبنيامين نتياهو بعد إيران .
في محاولة لفرض شروطه على إيران ، يرجح أن يذهب دونالد
ترامب في محاولة أخيرة ، لإنزال جوي وبحري على الجزر الإستراتيجية لإيران على
إمتداد سواحل الخليج ، ينظر لها العسكريين بالمخاطرة الكبرى ، ولكنها بالقطع تسيل
لعاب دونالد ترامب ، فهو إن تمكن من ذلك ، فستتحول من ورقة ضغط ، الى شراكة بالقوة للنفط والنفوذ طويل الأمد في
الخليج ، وإن فشلت فهي بداية النهاية للوجود الأمريكي في تلك المنطقة ، لكن ونظرا
للعقلية السائدة في إدارة الحرب منذ بدايتها ، فستكون آخر الأوراق وشيكة الحدوث ،
فلم تستقدم كل هذه القوات للمنطقة للمشاركة في مناورة عسكرية ، أو ورقة ضغط فحسب على النظام في طهران ، وحيث
بات من المؤكد بإن نظام الحكم في طهران ، يعلم يقينا بإن أي تسواق مع المطالب
الأمريكية هو المسمار الأخير في نعش نظام الحكم ، وعليه فسيقاتل بكل شراسة ، فليس
ما لديه ليخسره بعد كل ما مني بها من خسائر .
في التاريخ الحديث ، نادرا ما تنتهي الحروب الكبرى
بالطريقة التي إبتدأت بها ، تبدأ عادة ببيانات رسمية ، بخطابات عن الأمن والردع
والكرامة الوطنية ، لكنها حين تقترب من نهايتها تصبح شيئا مختلف تماما ، يبدأ
الحديث عن القدرة على الإستمرار بها ، والخوف من اللحظة التي يخرج بها الصراع عن
السيطرة ، فالنصر الواضح والهزيمة الواضحة باتت نادرة ، ففي حين تمتلك الولايات
المتحدة ومعها إسرائيل التفوق بوسائل القوة ، فإيران تمتلك عنصري الوقت والجغرافيا
، وهما بالنسبة لأمريكا وإسرائيل البعيدتان لآلاف الكيلومترات ، عوامل إنهاك
سريعتان المفعول والتأثير ، وبخاصة أن الحرب من أساسها لم تحظى بالحد الأدنى من
الشرعيات ، في الداخل الأمريكي لا على المستوى الشعبي ولا مؤسسات الدولة صاحبة
الصلاحية بهذا الشأن ، ولا في مستوى الشرعيات الدولية وحلفاء الولايات المتحدة ،
ولا من سكان المنطقة التي يدور الصراع على
أرضها ومياهها أيضا .
النهايات غير التقليدية لا تشبه الأفلام ، لا أحد يرفع
راية الإستسلام ، ولا يوقع الجنرالات وثيقة في عربة قطار كما حدث في الحربين
العالميتين ، يحدث شيء أكثر هدوءا ، تتوقف الضربات تدريجيا ، تبدأ القنوات السرية
في العمل ، وتتحول الحرب من حدث يومي الى ذكرى سياسية ، كل طرف يكتب روايته الخاصة
، إسرائيل تقول أنها أعادت الردع ، إيران تقول أنها صمدت ، الولايات المتحدة تقول
أنها أعادت التوازن الى المنطقة ، والحقيقة كما في كثير من الحروب ، تكون شيئا بين
هذه الروايات كلها ، لتتعلم البشرية درسا
قديما يتكرر في كل العصور ، القوة قادرة على بدء الحروب ، لكنها نادرا ما تكون
قادرة على إنهاءها وحدها ، النهاية الحقيقية للحروب تأتي عادة ، عندما يكتشف
الجميع بعد أن جربوا كل شيء ، بأن الخسارة أصبحت أكبر من أي مكسب محتمل ، في تلك
اللحظه ، تصبح النهاية الغير تقليدية ، بكل تناقضاتها وغموضها ، الطريق الوحيد
للخروج من العاصفة .
تعليقات
إرسال تعليق