القائمة الرئيسية

الصفحات



 إن رحل المغني فستبقى الأغاني

كما يقال إن الأفكار تأخذ شكل الإناء الذي تقع فيه ، رحل في الطريق الذي إختاره لنفسه ، رفض الإختباء  في الأماكن المحصنة ، فهالته وإرثه العقائدي ، لا تسمحان ولا تناسبان التخفي والمطاردة ، فهو سليل ثورة عقائدية حطت رحالها عام تسعة وسبعين من القرن الماضي ، على أرض أمبرطورية فارس الضاربة في عمق التاريخ ، فالولي الفقيه ليس مصطلح عابر فيه شيء من الهيبة الغيبية ، أو زعيم محور له أتباع ، أو مرجع تقليدي ديني ، كما يعتقد دونالد ترامب وبنيامين نتياهو ، فالقرار السياسي بإعتيال علي خامنئي ، ستمتد إرتداداته في الشرق الأوسط لسنوات كثيرة قادمة ، سيتناوله المحلليين السياسيين ، كأكبر الأخطاء الإستراتيجية التي إرتكبت في هذا الفصل من الصراع .

في التاريخ لحظات يظن بعض الساسة أن العالم سيتغير شكله بضربة واحدة ، فقد تخيلوا أن ضرب الرأس تعني سقوط الجسد ، وأن إغتيال الرجل يعني نهاية الفكرة ، لكن التاريخ ، في قسوته وحكمته معا ، قد أثبتا مرارا أن الأفكار أعند من الأجساد ، وأن الأنظمة التي تنجح بتحويل نفسها الى سردية سياسية أو دينية أو قومية ، لا تموت بموت قادتها ، وهكذا يمكن فهم العبارة القديمة " إن رحل المغني فستبقى الأغاني" .

فالمغني هو الفرد ، أما الأغاني فهي الأفكار ، والمغني يمكن ؟ أن يسقط بصوت رصاصة أو صاروخ وما هو دون ذلك ، أما الأغنية فإنها تعيش في ذاكرة الجماعة ، في مؤسساتها ، في خطابها ، وفي مصالح من يؤمنون بها أو يستفيدون منها ، ولهذا حين يتحدث البعض عن إغتيال قائد ما بوصفه حلا سحريا لإنهاء نظام كامل ، فإنهم في الحقيقة يتعاملون مع السياسة كما لو كانت مسرحية لها بطل واحد على خشبة المسرح ، بينما السياسة في الواقع شبكة معقدة من المؤسسات والولاءات والعقائد والمصالح ، فهل يمكن لإغتيال قائد مثل على خامنئي أن ينهي النظام الإيراني ؟ في الحالة الإيرانية يبرز هذا السؤال بوضوح ، والجواب الأقرب لمنطق التاريخ هو على الأرجح لا كبيرة .   

هو الممسك بيد ، بقرار طهران العسكري وبالأخرى سياستها الخارجية ، وهو عامل التوازن بين حرسها الثوري ، ووزارة خارجيتها ، وشتان بين هذا وذاك ، فما كان لمفاوضات أن تبدأ لتتخللها حربين بدونه ، فإن ذهب ومعه جزء كبير من هيبة السلطة ، والنفوذ الإقليمي ، وطويت صفحه وازنة من منطق الثورة ، فقد فتحت صفحة أعلى وزنا من منطق الإنتقام العقائدي ، في نظام بني ليتجاوز الأشخاص فور توفر البدائل الكثيرة ، والتي لن تكون بالضرورة على مقاس من إتخذ القرار بالتصفية الجسدية ، لتبقى الأوركسترا تعمل ، فالعازفين كثر والنوتة ما زالت محفوظة ، والجمهور لا زال راغبا في مزيد من الإستماع .

رحل المغني ، ليترك شعورا هائلا بالفقدان ، وشعورا هائلا بالرغبة بالإنتقام ، فإنفلتت من عقالها كل المحرمات ، فبدأت تعبئء الردود كل الفراغات في حسابات الجغرافيا والسياسة والتاريخ ، في إنعكاسة غير متوقعة لما أراده أصحاب الفعل ، فإمتلئت الشوارع بالغاضبين للفعل ، وليس بمناهضي النظام ، لأن نزول المناهضين في مثل هذه اللحظة التاريخية يعني أول ما يعنيه ، هو الإصطدام بالحاضنه الشعبية للنظام ، قبل أجهزة أمنه وعسكره .

أعاد النظام تماسكه مجددا ، وأمتص الضربة الأولى ، عبأ الفراغات ، ليظهر الرئيس الإيراني شارحا للعرب والمسلمين ، أن الضربات التي طالتهم لم يكونوا هم المقصودين بها ، بل المصالح الأمريكية ، كما أن الضربات الأولى كانت السبب المباشر لحالة الإرتباك التي شهدتها أيران ، ولم تنقصه الجرأة الأخلاقية ليقدم الإعتذار عنها .

سرعان ما نفض العسكر أيديهم من هذا الإعتذار ، بعد تصريحات لدونالد ترامب عن تفسيره للإعتذار بالضعف ، في رسالة خرجت واضحة من إيران ، أن القرار اليوم بات بأيدي حرس الثورة وليس ساستها ، فساستها متهمين بالذهاب لجولات مفاوضات كانت معروفة نتائجها سلفا ، وهكذا يجد دونالد ترامب وبنامين نتنياهو أنفسم ، بعد أسبوع على الحرب ، أمام معادلة صفرية بكل ما للكلمة من معنى ، فالحرب التي كان من المفروض أن تحسمها الضربات الأولى ، لتعم الفوضى وتمتلأ الشوارع بالمطالبين بسقوط النظام ، لم تحدث البتة ، وباتوا أمام خيارين ، إما الإستمرار بالحرب حتى رضوخ النظام بالمطلق لشروط دونالد ترامب "استسلام كامل" أو تفككه على وقع الضربات ، وإما وقف الحرب عند ما أنتهت اليها ، وعودة لما كان قبلها ، حصار ومفاوضات وإلى كل ما هناك .  

يدرك دونالد ترامب وبنيامين نتياهو ، بإن النظام الحاكم في أيران هو واسطة القلادة في الشرق الأوسط ، لمحور المجابهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ، ولن يصار الى تفكيك أي تأثير لهذا المحور ، مع بقاء النظام الحاكم في ايران على رأس الحكم ، كما أنهم باتوا يقينا بعد هذه الجولة من الصراع ، بإن الأمر لم يعد سهلا ، وبات بحاجة الى أسابيع طوال من موجات وموجات من القصف ، وتدمير أعمق للبنية التحتية ، لإحداث مزيد من الضغط على النظام ، ومن هنا باتت الصورة جلية واضحة ، بإن الصراع قد تمدد ، وبخاصة بعد دخول حزب الله الى هذه المواجهة كخيار إضطراري ، وليس بخاف أيضا بإن دول الخليج ، باتت في وضع لم يترك لها خيارات كثيرة أحلاهما مر ، قد يكون الإنخراط في المواجهة مباشرة هو أكثرها تعقيدا .

لا يخفى على أي من المتابعين ، حالة التخبط التي يعيشها دونالد ترامب ، فأهداف الحرب قابلة للتغيير وفق المستجدات ، ترتفع وتنخفض في عملية باتت قابلة للقياس ، بعكس بنيامين نتياهو والذي وضع رأس النظام كهدف وحيد لهذه الحرب ، وبما أن الحرب هي حربه في الأساس ، بعد أن تمكن من جر دونالد ترامب اليها ، فقد بات واضحا بإن هذه الحرب لن تنتهي الا بإنهاء النظام في ايران ، عكس ما قد يراه دونالد ترامب بإنهها من الممكن أن تنتهي مع أشخاص ، من ذات النظام يقبلون بعلاقات طبيعية مع أمريكا وحليفتها إسرائيل ، ويفككون طوعا كل الملفات المختلف عليها وفق الرؤية الأمريكيه ، الأمر الذي لا يرجح حدوثه في المدى المنظور .

قد يرحل المغني يوما ما ، كما يرحل كل البشر ، لكن السؤال الحقيقي ليس عن مصير الفرد أو من يخلفه ، بل مصير اللحن الذي غناه ، هل سيتغير ؟ هل سيتحول ؟ أم سيبقى كما هو ؟ في النهاية السياسة ليست حكاية أفراد بقدر ما هي حكاية أفكار ومؤسسات وقوى إجتماعية .... ولهذا حين يرحل المغني ، تبقى الأغاني ، لا لأن المغني كان خالدا ، بل لأن الأغنية أصبحت جزءا من ذاكرة الجمهور .... في عالم السياسة ، كما الموسيقى ، قد يتغير الصوت ، لكن اللحن الذي تعلمه الناس طويلا لا يختفي بالسهولة التي يظنون ، حتى لو أشتهيت أن تحضر من يقلده ، في الشكل لا في المضمون ، ففي بلاد من يقيمون البكائيات منذ الف واربعمائة عام ندما على خذلان ، ومن يصلون على حجارة من أرض كربلاء ، فسيرحل الف مغني وتبقى الأغنيات على حالها .

 


تعليقات