لم يكن دونالد ترامب حادثة عابرة في التاريخ الأمريكي ، ولا سقطة ديمقراطية
يمكن تصحيحها في صناديق الإقتراع ، بل لحظة صدق قاسية ، إنكشفت الولايات المتحدة
على حقيقتها دون أقنعة ، كما لو أن مرآة سقطت فجأة من يد التاريخ ، فظهرت الصورة
بلا رتوش ، بلا لغة ناعمة ، وبلا تلك العبارات التي إعتاد العالم سماعها ، عن الحرية
والديمقراطية وحقوق الإنسان ، ترامب لم يأت من خارج النص الأمريكي ، بل خرج من
عمقه ، هو ليس إستثناء ، بل تكثيف ، ليس إنحرافا ، بل إختصار صادم لمسار طويل من
القوة حين تتحرر من الحرج ، والمصلحة حين تتخلى عن الأخلاق ، والسياسة حين تفقد
قدرتها على التجمل .
لطالما قدمت الولايات المتحدة نفسها بوصفها "الفكرة" ، لا الدولة
فقط ، فكرة الحرية التي تعلو على الجغرافيا ، وفكرة العدالة التي تتجاوز المصالح ،
لكن هذه الفكرة ، عبر عقود ، كانت تحتاج دائما الى لغة تلطف حدتها ، والى
ديبلوماسية تخفي تناقضاتها ، والى رؤساء يتقنون فن القول المزدوج : يقولون ما يجب
أن يقال، ويفعلون ما يجب أن يفعل في الخفاء .... ثم جاء ترامب فأسقط هذا التوازن
الهش ، لم يعد هناك داع للتجميل ، قال ما كان يقال همسا ، وفعله جهارا ، حول
السياسة من فن الممكن الى سوق مفتوحة ، تباع فيها القيم كما تباع الأسهم ، وتشترى
فيها الولاءات كما تشترى العقارات ، في عهده ، لم تعد أمريكا تحتاج الى أقنعة ،
لأنها قررت أن تعيش بل وجه ثان .
في الشرق الأوسط ، لم يكن ترامب مجرد رئيس أخر يمر على المنطقة ، بل كان
زلزالا أعاد ترتيب المعاني ، إعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ، لا كخطوة سياسية فقط ،
بل كإعلان صريح أن القانون الدولي يمكن تجاوزه إذا تعارض مع المصلحة ، قدم صفقة
القرن لا كحل للصراع ، بل كترجمة حرفية لمنطق السوق ، من يملك القوة يملك الحق ،
ومن لا يملكها عليه أن يقبل ما يعرض عليه ، هنا ظهر قبح النسخة الترامبية بأوضج
صورها ، لم يعد هناك حديث عن توازن ، ولا عن وساطة ، ولا حتى عن عدالة شكلية ، صار
كل شيء مباشرا ، جارحا ، لا يحتمل التأويل ، وليس قابلا ليكون سردية حمالة للعديد
من الأوجه والتفسيرات .
لكن الخطأ في قراءة ترامب بإعتباره هو إعتباره مجرد شخص فظ ، أو رئيس بلا
لياقة ، فالحقيقة أعمق من ذلك بكثير ، ترامب كشف ما كانت أمريكا تحاول إخفاءه ،
إنها في جوهرها ، قوة تحكمها المصالح قبل المبادئ ، وأن خطابها الأخلاقي ، لم يكن
دائما سوى غطاء ضروريا لإدارة عالم معقد ، ما فعله ترامب ، هو أنه أزال هذا الغطاء
، ترك العالم يواجه الحقيقة كما هي ، دون وسيط لغوي ، دون ديبلوماسية دون تلطيف .
في غزة ، وفي كل ساحة صراع ، بدا أثر هذه الفجاجة واضحا ، لم يعد هنك مساحة
للغموض ، الدعم لإسرائيل صار مباشرا ، لا يحتاج الى تبرير طويل ، الإنحياز أصبح
موقفا معلنا ، لا سياسة مغلفة : وهنا ، ربما تكمن المفارقة الأكبر ، أن ترامب ،
رغم قسوته ، كان أكثر صدقا من غيره ، لم يدع الحياد ، ولم يتحدث عن سلام لا يؤمن
به ، ولم يخف حقيقة موازين القوى : لقد قال للعالم ، بطريقة وقحة هذه هي القواعد
.... ومن لا يعجبه فليبحث عن قوة تحميه .
لكن هذا " الصدق" لم يكن فضيلة ، بل كان خطرا ، لأن العالم ، حين
تدار شؤونه بهذه الطريقة ، يفقد توازنه ، القوة حين تتحرر من أي إلتزام أخلاقي ،
لا تكتفي بإعادة ترتيب السياسة ، بل تعيد تشكيل الوعي نفسه ، تصبح العدالة كلمة
فارغة ، ويصبح القانون مجرد خيار ، ويصبح الإنسان تفصيلا صغيرا في معادلة أكبر .
ترامب ، بهذا المعنى ، لم يكن مجرد رئيس أمريكي ، بل كا إختبارا ، إختبارا
لقدرة العالم على التعامل مع قوة لا تخجل من نفسها ، ولا تحاول أن تبدو أفضل مما
هي عليه ، إختبارا لمعنى السياسة حين تفقد حياءها ، ومعنى الحقيقة حين تقال بلا
قناع ، وفي هذا الإختبار ، لم يكن العالم مستعدا ، لأن الجميع كان قد إعتاد الكذبة
الجميلة ، لا الحقيقة القاسية .
ربما لهذا السبب ، سيبقى ترامب ظاهرة تتجاوز زمنه ، ليس لأنه غير أمريكا ،
بل لأنه كشفها ، أخرجها من لغتها الديبلوماسية الى لغتها الأصلية : لغة القوة ،
ومن خطابها الأخلاقي الى منطقها العاري :
منطق المصلحة : وفي عالم كهذا ، لا يعود السؤال هل ترامب جيد أم سيء ؟ : بل يصبح
السؤال الحقيقي هل كنا نعيش وهما ..... أم أننا الآن نرى الحقيقة لأول مرة ؟
في النهاية ، سيرحل ترامب ، وقد تعود أمريكا الى لغتها الناعمة ، الى
خطابها التقليدي ، الى ديبلوماسيتها المعهودة : لكن ما كشف لن يخفى بسهولة ،
فالمرآة التي إنكسرت مرة ، لا تعود كما كانت ... وسيظل العالم يتذكر تلك اللحظة
التي تحدثت بها الولايات المتحدة بصوتها الحقيقي ، صوت لا يشبه الخطب ، ولا يشبه
الكتب ، بل يشبه القوة حين تقول ، أنا هنا .... كما أنا .
تعليقات
إرسال تعليق