هنا تُصنع العوالم من حبرٍ سائب
، وتُعاد كتابة الحقيقة كأنها مجرد احتمال
في زمنٍ كانت فيه الحقيقة
تُقاس بوقعها على الأرض ، لا بعدد من يصفّق لها ، خرج دونالد ترامب إلى العالم لا
كسياسيٍ تقليدي ، بل كظاهرةٍ تُعيد تعريف العلاقة بين الواقع والوهم . لم يكن
بحاجة إلى جيوشٍ تقاتل باسمه ، ولا إلى كتبٍ تنظّر لأفكاره ، فقد صنع لنفسه مملكةً
كاملة على شاشةٍ مضيئة ، أطلق عليها اسمًا يحمل مفارقة العصر: “تروث سوشيال”… الحقيقة التي لا صلة لها بالحقيقة.
هناك ، في تلك المساحة
الرقمية ، لم تعد الوقائع بحاجة إلى دليل ، ولا الأكاذيب بحاجة إلى اعتذار . كل
شيء قابلٌ لأن يُعاد تشكيله ، أن يُقصّ ويُلصق ، أن يُروى بطريقةٍ تُرضي صاحب
الرواية لا صاحب المعاناة . وهكذا ، تحوّل الخطاب السياسي من محاولة لفهم العالم ،
إلى محاولة للسيطرة على صورته في أذهان الآخرين.
لكن الخطورة لم تكن في
المنصة ذاتها ، بل في ما تمثّله:
عالمٌ يُصنع على مقاس رغبة واحدة ،
حيث الحقيقة ليست ما حدث… بل ما يُقال إنه حدث.
في الشرق الأوسط ، حيث
الحروب ليست مجرد أخبار ، بل يوميات تُكتب بالدم ، وجد هذا النموذج بيئةً مثالية
للنمو. فالحقيقة هنا مثقلة بالتاريخ ، مشبعة بالألم ، ومفتوحة على كل أنواع
التأويل.
غزة ، لبنان ، سوريا ، اليمن وصولا لإيران … كلها تحوّلت في خطاب هذا العالم الجديد
إلى عناوين قابلة لإعادة
التفسير، لا كأزمات إنسانية استحدثت ، بل كمواد خام لخطاب سياسي
يبحث عن التأثير لا الفهم.
حين تُقصف مدينة ، لا يصبح
السؤال:
من قُتل؟
بل:
كيف يمكن رواية
ما حدث بطريقة تخدم السردية ؟
وحين يُهدم بيت ، لا يُسأل عن أهله ، بل عن موقعه في
خريطة المصالح.
وهنا ، يلتقي الواقع
المأساوي مع الخيال السياسي،
حيث يُعاد تعريف الضحية ،
ويُعاد ترتيب الأولويات ،
ويُختزل الألم في تغريدة.
لقد أعاد هذا النمط من
التفكير تشكيل العلاقة بين القوة والحقيقة.
لم تعد القوة بحاجة إلى تبرير نفسها بالحقيقة ، بل أصبحت
قادرة على إنتاج “حقيقتها ” الخاصة.
وهذا ما جعل الحروب في الشرق الأوسط تبدو أحيانًا كأنها مفاوضات تُدار بالنار، لا بالكلمات،
حيث تُكتب الشروط بالصواريخ ، وتُوقّع بالدم.
في لبنان أخيرا ، كما في
غزة سابقا ، على سبيل المثال، لا يكفي أن ترى الدمار لتفهم ما جرى هناك.
عليك أن تمرّ عبر طبقات من السرديات المتضاربة ،
حيث كل طرف يقدّم نفسه كصاحب الحق المطلق ،
وكل منصة تضخّ روايةً مختلفة ،
وكل جمهور يختار الحقيقة التي تناسبه.
وفي هذا الضجيج ، تضيع
الحقيقة الأصلية ،
تلك البسيطة ،
المؤلمة ، التي لا تحتاج إلى تفسير:
أن هناك بشرًا يُقتلون ،
وأن هناك مدنًا تُمحى ،
وأن الزمن نفسه أصبح عاجزًا عن مواكبة حجم الفقد.
“تروث سوشيال” ليست مجرد منصة ،
بل رمزٌ لعصرٍ فقد ثقته بالحقيقة ،
فاستبدلها بنسخٍ متعددة ،
كل نسخة تدّعي أنها الأصل.
وفي هذا العصر، لم يعد
الكذب يُخفى ،
بل يُعرض بثقة ،
يُقال بصوتٍ عالٍ ،
ويُعاد تكراره حتى يصبح مألوفًا ،
ثم يُصبح مقبولًا ،
ثم… يُصبح “حقيقة”.
وهكذا، يتحوّل الجنون إلى
نظام ،
والفوضى إلى منهج ،
والخطاب إلى سلاح.
في قلب هذا المشهد، تقف
شعوب الشرق الأوسط،
لا كمتفرّج، بل كضحية مزدوجة:
ضحية الحرب ،
وضحية الرواية.
تُقتل في الواقع ،
ثم تُعاد صياغة موتها في الإعلام ،
ثم تُستخدم قصتها في خطابٍ لا يشبهها.
وهنا،
يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
هل ما نراه هو الحقيقة ؟
أم مجرد نسخة منها ؟
وهل يمكن للعالم أن يستعيد توازنه ،
في زمنٍ أصبحت فيه الحقيقة خيارًا لا ضرورة ؟
ربما لا تكون الإجابة سهلة ،
لكن ما هو واضح أن هذا النموذج من التفكير
— حيث تُخلط الحقيقة بالأكاذيب ،
وتُقدَّم الرواية على الواقع —
فقد تغيّرت قواعد اللعبة.
لم تعد الحروب تُخاض فقط
على الأرض ،
بل في العقول ،
وفي الشاشات ،
وفي المساحات التي لا تُرى.
“تروث سوشيال”…
ليس مجرد اسم ،
بل مرآة لزمنٍ يكتب تاريخه بيدٍ ،
ويمحوه بالأخرى.
زمنٍ لا يعرف أين تنتهي
الحقيقة ،
وأين يبدأ الوهم ،
ولا يملك الشجاعة ليعترف بأنه…
لم يعد يفرّق بينهما.
وفي هذا الجنون الممتد ،
يبقى السؤال مفتوحًا:
هل سنستيقظ يومًا لنجد أن كل ما اعتقدناه حقيقة ،
لم يكن سوى قصةٍ أُحكمت روايتها ؟
أم أن العالم ، ببساطة ،
قد قرر أن يعيش داخل هذا الوهم…
إلى ما لا نهاية ؟
تعليقات
إرسال تعليق