فتح … ذاكرة أمة
وكينونة متجددة
ليست حركة فتح مجرد تنظيمٍ سياسي تولد من رحم النكبة ،
ولا مجرد اسمٍ ارتبط بتاريخ طويل من الكفاح ، بل هي — في جوهرها وسر ديمومتها —
حالةٌ من التجدّد الدائم ، كينونةٌ لا تستقر على شكلٍ واحد ، لأنها وُلدت أصلاً
لتكون مشروعاً مفتوحاً على كافة الاحتمالات ، لا مغلقاً على أفق واحد.
وحين تقترب لحظة انعقاد المؤتمر الثامن ، لا يكون السؤال: ماذا
ستفعل فتح؟ : بل
لتستكمل
ثورة المستحيل: أيّ فتح ستنبعث
من جديد؟
في تاريخ الحركات الكبرى ، لا تأتي المؤتمرات كمحطاتٍ تنظيمية
فحسب ، بل كاختبارات وجود.
لحظةٌ تقف فيها الحركة أمام مرآتها ، لا لترى ملامحها
كما كانت ، بل كما أصبحت… وربما كما ينبغي أن تكون.
وفتح ،
التي حملت ذات يومٍ بندقية الثورة وفعل السياسة معاً ، تجد نفسها اليوم أمام
مفترقٍ أكثر تعقيداً:
كيف تحافظ على روحها الأولى ، دون أن تتحول إلى ذاكرة ؟
وكيف تتغير، دون أن تفقد ذاتها ؟
لقد كانت فتح ، في بداياتها ، فكرةً قبل أن تكون مؤسسة ،
وصوتاً يصدح قبل أن تكون سلطة ،
وحلماً أكبر من حدود الجغرافيا.
لكن الزمن ، ذاك المعلم الصارم — وكما يفعل كعادته
دائماً — يفرض أسئلته القاسية.
فالانتقال من الثورة إلى السلطة ، لم يكن مجرد انتقالٍ
في الأدوات ، بل في المعنى ذاته.
ومن هنا ، بدأت التحديات الثقيلة التي يحملها المؤتمر
الثامن على كتفيه.
ليس المطلوب اليوم إعادة إنتاج الشعارات ،
بل إعادة تعريفها.
وليس المطلوب استعادة الماضي ،
بل فهمه بما يكفي لتجاوزه.
إن القضايا المطروحة على طاولة المؤتمر ليست تقنية ولا تنظيمية
فقط ،
بل وجودية بامتياز:
- ما هو شكل
المشروع الوطني الذي نحتاجه اليوم؟
- أين تتموضع فتح من
المقاومة والسياسة؟
- كيف تُعاد صياغة
العلاقة بين السلطة والحركة؟
- وكيف يمكن
استعادة ثقة شعبٍ أنهكته الانقسامات والحروب؟
هذه الأسئلة ليست جديدة، لكنها اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت
مضى ،
لأن الإجابات لم تعد تحتمل التأجيل.
في ظل حرب غزة ، وما كشفته من هشاشة النظام الإقليمي والدولي،
وما تبعها من متغيرات
تجد فتح نفسها أمام امتحانٍ مضاعف:
أن تعيد قراءة الواقع لا كما يُراد لها أن تراه ، بل كما
هو فعلاً.
فغزة لم تكن مجرد جبهة حرب ، بل كانت مرآةً لكل
التناقضات الفلسطينية:
بين مشروعين، بين رؤيتين، بين زمنين لم يلتقيا بعد.
وهنا، يصبح المؤتمر الثامن فرصة — وربما الفرصة الأخيرة —
لإعادة بناء الجسر الذي تهشم منذ سنوات ،
ليس فقط بين غزة والضفة ،
بل بين فتح ونفسها أولاً.
إن الكينونة المتجددة لا تُبنى بالقرارات فقط ،
بل بالجرأة على الاعتراف.
الاعتراف بأن الطريق لم يكن دائماً مستقيماً ،
وأن الأخطاء كانت جزءاً من المسار ،
وأن الإصلاح ليس ترفاً ، بل شرط بقاء.
فتح اليوم لا تحتاج إلى أن تكون أقوى تنظيمياً فقط ،
بل أعمق فكرياً ،
وأكثر صدقاً مع شعبها ،
وأكثر قدرة على تحويل التاريخ من تهديد إلى فرصة.
ثمة من يرى في المؤتمر محطة عادية ،
وثمة من يراه ساحة صراع داخلي ،
لكن القراءة الأعمق تقول إنه لحظة إعادة تعريف
للكينونة نفسها.
فالحركات التي لا تتجدد ، تتحول إلى آثار،
والثورات التي لا تعيد التفكير، تتحول إلى شعارات.
وفتح ، التي كانت يوماً عنواناً للبداية المستحيلة ،
مدعوة اليوم لتكون عنواناً للبداية الشاقة مرة أخرى.
ربما لا يكون الطريق معبدا بالورود ،
وربما لا تخرج كل الأسئلة بإجاباتٍ واضحة ،
لكن الأهم أن تُطرح الأسئلة بلا خوف.
فالحركات الحية ليست تلك التي تملك الإجابات ،
بل تلك التي تملك شجاعة السؤال.
في النهاية ،
فتح ليست مجرد تاريخٍ يُروى ،
بل مستقبلٌ يُصاغ.
والمؤتمر الثامن ليس مجرد اجتماع ،
بل لحظة عبور بين ما كان… وما يمكن أن يكون.
فهل تنجح فتح في أن تجدد نفسها من جديد
أم تكتفي بأن تبقى كما هي ، في عالمٍ لم يعد كما كان؟
هذا هو السؤال…
وهنا تبدأ الحكاية بطرح أسرارها .
تعليقات
إرسال تعليق