القائمة الرئيسية

الصفحات

 

خطوة واحدة تكفي ......

ليست الحروب الكبرى بحاجة دائما إلى إعلانٍ رسمي ، ولا إلى خطاباتٍ نارية تُلقى من فوق المنابر، ولا حتى إلى جيوشٍ تملأ الشاشات قبل أن تتحرك.
أحيانا… تكفي خطوة واحدة فقط.
خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها في عمق الجغرافيا تشبه إلقاء حجرٍ في بئرٍ مليئة بالبارود.
وفي الشرق الأوسط اليوم ، لا يوجد حجر أخطر من هرمز، ولا بئر أعمق من الخليج بضفتيه، ولا منطقة تفصل بين الحرب والسلام بخيطٍ أرفع من ذلك الممر البحري الضيق الذي تمر منه شرايين العالم النفطية كما شرايين الشبكة العنكبوتية كأنها تمر فوق حافة سكين.

هناك، عند مضيق هرمز، يبدو العالم هذه الأيام وكأنه يحبس أنفاسه.
السفن تتحرك ببطءٍ يشبه الحذر،
القواعد العسكرية تستيقظ على راداراتٍ لا تنام ،
والتصريحات السياسية تُكتب بلغةٍ مزدوجة ؛ نصفها تهديد، ونصفها محاولة لتأجيل التهديد.
لكن خلف كل ذلك، ثمة حقيقة واحدة تتسلل بهدوء:
الحصار والحصار المضاد يقتربان من لحظة الاصطدام ،
والمنطقة تقف على بعد خطوة واحدة فقط من حربٍ جديدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

في الحروب الحديثة، لم تعد الجيوش تتحرك أولا… بل تتحرك الرسائل.
وما يجري في هرمز ليس مجرد استعراض قوة ، بل تبادل رسائل مكتوبة بالنفط وشبكات الإتصالات الدولية ، ممهورة بالخوف العالمي من إنقطتعهما

إيران تعرف جيدا أن العالم يستطيع تحمل صواريخ متساقطة في الشرق الأوسط ، أكثر مما يستطيع تحمل ارتفاع أسعار الطاقة لأيام قليلة.
ولهذا، فهي لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل كي تربك العالم؛ يكفي أن تلوّح بذلك، أن تجعل شركات التأمين ترتجف، وأن تدفع الأسواق إلى الجنون، وأن تزرع في العقل الغربي سؤالا مرعبا:
ماذا لو اشتعل الخليج كله دفعة واحدة؟

أما الولايات المتحدة، فهي تدرك أن هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو اختبار لهيبتها العالمية.
فالدولة التي بنت نظام العالم بعد الحرب العالمية الثانية على فكرة حرية التجارة والممرات البحرية ، لا تستطيع أن تبدو عاجزة أمام دولة إقليمية تتحدى أساطيلها من وراء الشواطئ والصواريخ والطائرات المسيّرة.
ومن هنا، يصبح الحصار المضاد ضرورة سياسية أكثر منه ضرورة عسكرية؛
إثباتا بأن واشنطن لا تزال قادرة على رسم حدود القوة في العالم.

لكن الشرق الأوسط ليس مكانا تحكمه الحسابات وحدها.
إنه مكان تحكمه الجروح القديمة والتي لا زالت تنزف أيضا.
وإيران التي خرجت من حرب الاثني عشر يوما ومن بعدها حرب الأربعين يوما ، فهي لا زالت تنفض الغبار عن منشآتها النووية ورموزها وقادتها العسكريين ، لا تبدو مستعدة للقبول بصورة المهزوم.
فالدول العقائدية لا تخشى الخسائر بقدر ما تخشى صورة الانكسار ، لأن صورتها في الداخل جزء من بقائها.
ولهذا ، فإن كل ضغط أمريكي أو إسرائيلي إضافي يدفع طهران أكثر نحو حافة التشدد ، حتى وإن بدا الرد انتحاريا في الحسابات التقليدية.

إسرائيل بدورها لا تنظر إلى ما يجري باعتباره أزمة عابرة.
منذ السابع من أكتوبر، لم تعد تل أبيب ترى في الانتظار فضيلة ، ولا في الاحتواء سياسة آمنة.
لقد تغير وعيها الأمني بالكامل.
وأصبحت العقيدة الجديدة تقول إن أي تهديد مؤجل هو كارثة مؤجلة ، وإن ترك إيران تعيد بناء قدراتها يعني منحها فرصة أخرى لصناعة طوفان أكبر، يمتد من غزة إلى لبنان ، ومن سوريا إلى الخليج.

ولهذا ، تبدو إسرائيل أكثر استعجالا من واشنطن نفسها في الدفع نحو مواجهة جديدة.
هي تدرك أن الوقت لا يعمل لصالحها ، وأن إيران، رغم العقوبات والضربات ، لا تزال قادرة على إعادة إنتاج أدواتها ونفوذها.
بل إن أخطر ما تخشاه إسرائيل ليس الصواريخ الإيرانية وحدها ، بل الصبر الإيراني الطويل؛
ذلك النفس الممتد الذي يجيد الانتظار والعمل في الظلال وإعادة ترميم الشبكات والتحالفات.

أما دونالد ترامب ، العائد إلى البيت الأبيض بعقلية التاجر المنتصر، فينظر إلى المنطقة بطريقة مختلفة تماما.
هو لا يحب الحروب الطويلة ، لكنه يحب الصفقات الكبرى التي تولد من حافة الحرب.
يريد شرق أوسط خاضعا لمعادلات القوة الأمريكية ، لكنه يريد أيضا رئيسا إيرانيا يأتي إلى الطاولة منهكا بما يكفي لتوقيع ما يريده.
ولهذا ، فإن ترامب يلعب لعبة شديدة الخطورة:
التصعيد دون الانفجار،
والضغط دون السقوط في المستنقع،
لكن الشرق الأوسط لا يعترف دائما بهذه الفروق الدقيقة.

فهناك دائما احتمال أن تخطئ يدٌ ما في الحساب ،
أو أن يتحرك صاروخ أكثر مما ينبغي،
أو أن تُغرق جماعة حليفة سفينة ،
أو أن تسقط طائرة في المكان الخطأ ،
وعندها… تصبح الخطوة الصغيرة بابا لحربٍ لا يعرف أحد كيف تنتهي.

المخيف في المشهد الحالي أن الجميع يتحدث عن الحرب وكأنها مستبعدة ، بينما يتصرف الجميع وكأنها قادمة.
إيران تعيد التموضع العسكري ،
الولايات المتحدة تعزز قواعدها البحرية،
إسرائيل ترفع جاهزيتها على أكثر من جبهة ،
والمنطقة كلها تعيش حالة ترقب تشبه السكون الذي يسبق العاصفة.

حتى اللغة السياسية تغيرت.
لم يعد الحديث يدور حول “منع الحرب”، بل حول “الاستعداد للحرب”.
وهذا التحول وحده كافٍ لفهم حجم التوتر الكامن تحت السطح.

لكن الكارثة الأكبر أن أي حرب جديدة لن تبقى محصورة في حدود إيران وإسرائيل.
فالشرق الأوسط اليوم أشبه بحقل ألغام مترابط:
غزة قابلة للاشتعال مجددا ،
لبنان يقف على حافة الانهيار الكامل ،
سوريا مفتوحة على كل التدخلات ،
العراق مليء بالفصائل المتحفزة ،
واليمن لا يحتاج إلا لإشارة كي يعود إلى البحر الأحمر والخليج بطائراته المسيّرة وصواريخه.

أي شرارة  ذات مغزى في هرمز قد تجعل المنطقة كلها تدخل زمن الحرائق الكبرى.

وربما لهذا يبدو مضيق هرمز أشبه بمرآة للعالم كله.
مكان صغير جغرافيا ، لكنه يحمل فوق مياهه تناقضات القرن الحادي والعشرين بأكملها:
النفط مقابل العقوبات ،
الهيمنة مقابل التمرد ،
القوة العسكرية مقابل حرب الاستنزاف ،
والخوف العالمي من انهيار النظام الدولي أمام فوضى الإقليم.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر رعبا:
أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائما بقرارٍ واضح ،
بل أحيانا بخطوة واحدة فقط.
خطوة يظن صاحبها أنها محدودة ،
ثم يكتشف الجميع بعد فوات الأوان أنها كانت بداية السقوط في الهاوية.

وفي هرمز اليوم
يبدو أن الجميع يقترب من تلك الخطوة.

تعليقات