الوحش على الجبل
لم يكن الجبل يوماً مجرد صخرةٍ عالية تتحدى الرياح ، ولا كانت
القلاع مجرد حجارةٍ مرصوصة فوق قمم شاهقة . فبعض الأماكن تتحول مع الزمن إلى أفكار
، وبعض الأفكار تتحول إلى لعنة تلاحق أصحابها جيلاً بعد جيل . هكذا كانت قلعة
الشقيف دائماً ، معلقة بين الأرض والسماء ، بين التاريخ والجغرافيا ، بين
الذاكرة والحرب . ومن يقف على أسوارها لا يرى الجنوب اللبناني فحسب ، بل يرى قرناً
كاملاً من الصراع، وكأنه يطل من شرفة الزمن على حكاية لا تريد أن تنتهي.
قبل أربعة وأربعين عاماً ، صعد الجنود الإسرائيليون إلى الشقيف
أول مرة . كان العام 1982، وكانت المنطقة
كلها تدخل زمناً جديداً من الدم والنار. يومها قيل إن الهدف هو الأمن ، وإن
السيطرة على المرتفعات تصنع الطمأنينة ، وإن البنادق التي تحتل القمم تستطيع أن
تفرض على الجغرافيا قواعد جديدة . ومنذ ذلك الحين ، تغيرت أسماء الحكومات والقادة
والأحزاب والرايات ، لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً : الاعتقاد بأن السيطرة على
المكان تعني السيطرة على المستقبل.
واليوم، يعود الجيش الإسرائيلي إلى الشقيف ، وكأن الزمن دار
دورة كاملة ليعود إلى النقطة نفسها . يعود إلى الجبل ذاته ، وإلى اللغة ذاتها ،
وإلى الحسابات ذاتها تقريباً . وكأن أربعة وأربعين عاماً من الحروب والاجتياحات والانسحابات
والاتفاقيات لم تكن سوى فاصلة قصيرة في نص طويل لم يكتمل بعد.
إنها ليست قصة قلعة فقط ، بل قصة عقل سياسي وعسكري لم يتغير
كثيراً . فحين يعود الجيش إلى موقعٍ غادره قبل عقود ، لا يعود إلى الحجر فحسب ، بل
يعود إلى الفكرة التي قادته إليه أول مرة . فكرة أن الأمن يمكن أن يُبنى بالقوة
وحدها ، وأن الجغرافيا يمكن أن تُخضع التاريخ ، وأن البنادق تستطيع أن تحسم ما
عجزت السياسة عن حسمه.
لكن الجانب الآخر من الحكاية لا يبدو مختلفاً كثيراً.
ففي الطرف المقابل ، وعلى امتداد العقود الأربعة الماضية ، لم
تتغير طريقة التفكير جذرياً أيضاً . تبدلت الرايات والشعارات والأسماء ، لكن جوهر
المقاربة بقي حاضراً : انتظار الحسم الذي لا يأتي ، والرهان على أن الزمن سيحقق ما
عجزت عنه الوقائع . وبينما كان الإسرائيلي يراهن على القوة العسكرية ، كان خصومه
يراهنون على قدرة الصمود وحدها. وبين الرهانين ، كانت المنطقة كلها تدور في دائرة
مغلقة، تتغير فيها التفاصيل بينما يبقى المشهد العام على حاله.
تبدو الشقيف اليوم وكأنها مرآة ضخمة تعكس عجز الجميع عن مغادرة
الماضي.
فالإسرائيلي الذي عاد إليها يعتقد أن المرتفعات تمنحه أمناً
إضافياً ، بينما يقول التاريخ إن المرتفعات نفسها لم تمنع الحروب ، ولم تمنع
الصواريخ ، ولم تمنع الخوف الذي ظل يسكن البيوت الإسرائيلية جيلاً بعد جيل .
واللبناني أو الفلسطيني أو العربي الذي ينظر إلى القلعة من بعيد ، يرى فيها رمزاً
للاحتلال والهيمنة ، لكنه لا يتوقف كثيراً أمام سؤال آخر: لماذا تتكرر المشاهد
ذاتها منذ عقود دون أن تتغير النتائج؟
ربما لأن الصراع في هذه المنطقة لم يعد مجرد صراع على الأرض ،
بل أصبح صراعاً على الرواية.
كل طرف يعيش داخل روايته الخاصة . الإسرائيلي يرى نفسه محاصراً
وسط بحر من الأعداء . والعربي يرى نفسه ضحية مشروع استيطاني لا يتوقف عن التوسع .
وبين الروايتين تضيع الحقيقة وسط طبقات كثيفة من الخوف والذاكرة والدم.
ولهذا تبدو عودة الشقيف أكثر من مجرد خطوة عسكرية . إنها إعلان
غير مباشر بأن الجميع لا يزالون أسرى الماضي.
فبعد أربعة وأربعين عاماً، لا تزال إسرائيل تتحدث بلغة الجزر
العازلة والتفوق العسكري والمرتفعات الإستراتيجية . وبعد أربعة وأربعين عاماً، لا
يزال خصومها يتحدثون بلغة التحرير الشامل أو المقاومة الدائمة ، وكأن الزمن لم
يفرض أسئلته الجديدة على أحد.
وفي هذه الأثناء، تتغير المنطقة كلها.
تسقط أنظمة وتولد أخرى . تتبدل التحالفات الإقليمية والدولية .
تتغير خرائط النفوذ . تنشأ أجيال لم تعش حروب الثمانينيات ولا تعرف عنها إلا ما
ترويه الكتب والذاكرة الجماعية . لكن الشقيف تقف هناك شاهدة على حقيقة مؤلمة : أن
العقول في كثير من الأحيان أبطأ من التاريخ.
فالمدافع تتطور، والطائرات تصبح أكثر ذكاءً ، والصواريخ أكثر
دقة ، لكن الإنسان نفسه يبقى أسير أفكاره القديمة . ولهذا تعود الحروب بأسماء
جديدة وأدوات جديدة ، بينما تبقى أسبابها الجوهرية كما هي.
إن الوحش الحقيقي على الجبل ليس الجيش الذي عاد إلى القلعة ،
ولا المدفع الذي نُصب فوق المرتفعات ، ولا حتى الطائرة التي تحلق في السماء.
الوحش الحقيقي هو ذلك الاعتقاد الراسخ لدى جميع الأطراف بأن ما
فشل بالأمس يمكن أن ينجح غداً إذا كررناه بالطريقة نفسها.
وحشٌ يتغذى على الذاكرة والخوف والانتقام.
وحشٌ لا يعيش في القلاع فقط، بل في العقول أيضاً.
لقد جرب الإسرائيليون القوة لعقود طويلة ، لكن القوة لم تمنحهم
السلام الذي حلموا به . وجرب العرب والفلسطينيون واللبنانيون أشكالاً مختلفة من
الصمود والمواجهة ، لكنهم لم يحققوا أيضاً النتيجة التي أرادوها بالكامل . ومع ذلك
، يستمر الجميع في العودة إلى الأدوات نفسها ، وكأن التاريخ لا يملك ما يقوله لهم.
ولهذا تبدو قلعة الشقيف اليوم كأنها مسرح قديم أعيد فتح أبوابه
بعد عقود من الإغلاق . الممثلون تغيروا ، والأزياء تغيرت ، وبعض المشاهد تغيرت ،
لكن النص بقي تقريباً كما هو.
الجندي الذي يقف فوق أسوارها اليوم يختلف عن جندي عام 1982 ،
لكنه مسكوناً بالمخاوف ذاتها . والمقاتل الذي ينظر إليها من الجهة الأخرى ليس هو
نفسه الذي كان هناك قبل أربعة عقود ، لكنه يحمل الأحلام ذاتها تقريباً . أما الجبل
، فلا يبدو مهتماً بكل ذلك. يقف بصمته الحجري العتيق ، يراقب البشر وهم يعيدون
أخطاءهم جيلاً بعد جيل.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن المنطقة بأسرها أصبحت تشبه قلعة
الشقيف.
مرتفعة فوق أكوام من الذكريات ، ومحاصرة بأشباح الماضي ،
وعاجزة عن النزول إلى الوادي حيث يعيش الناس العاديون الذين يريدون شيئاً بسيطاً
للغاية : حياة لا تُقاس بعدد الحروب التي نجوا منها.
خلاصة القول
إن عودة الجيش الإسرائيلي إلى قلعة الشقيف بعد أربعة وأربعين
عاماً ليست حدثاً عسكرياً فقط ، بل استعارة سياسية وثقافية لحالة أوسع يعيشها
الشرق الأوسط بأسره . فالمشكلة لم تكن يوماً في القلعة ، ولا في الجبل ، ولا في
الحدود وحدها ، بل في العقول التي ما زالت ترى المستقبل من نافذة الماضي.
ولهذا يبدو الوحش الذي عاد إلى الجبل أقدم من الجنود وأكبر من
المدافع وأخطر من الصواريخ . إنه وحش التكرار ؛ وحش الاعتقاد بأن الطريق الذي قاد
إلى المأزق يستطيع أن يقود إلى الخلاص.
ومن فوق أسوار الشقيف، حيث تتعانق الغيوم مع آثار الحروب القديمة
، يمكن سماع السؤال ذاته الذي يطرحه التاريخ منذ عقود طويلة:
كم مرة يجب أن تتكرر الحكاية نفسها، حتى يدرك الجميع أن شيئاً
ما يجب أن يتغير؟
تعليقات
إرسال تعليق