القائمة الرئيسية

الصفحات

 


" لَستَ شخصاً خاصاً متميزاً "

في عالمٍ يزدحم بالمرايا ، لم يعد الإنسان يبحث عن صورته ، بل عن صورةٍ أكبر من صورته . لم يعد يكتفي بأن يكون فرداً بين ملايين البشر ، بل يريد أن يكون الاستثناء بينهم جميعاً . يريد أن يكون الأكثر فهماً ، والأكثر وعياً ، والأكثر امتلاكاً للحقيقة . وكأن المأساة الكبرى في العصر الحديث لم تعد الجهل ، بل الاعتقاد بأننا أقل عرضة للجهل من الآخرين.

يقول مارك مانسون في كتابه "فن اللامبالاة" : " لست شخصاً خاصاً متميزاً ". تبدو العبارة للوهلة الأولى قاسية ، بل مستفزة أحياناً . لكن قسوتها تشبه قسوة الطبيب الذي يضع إصبعه على موضع الألم الحقيقي . فالمشكلة ليست في أن الإنسان يطمح إلى الأفضل ، بل في اعتقاده أنه مستثنى من القواعد التي تحكم الجميع.

ومن هنا تبدأ الحكاية.

فالإنسان الذي يعتقد أنه فوق الآخرين ، لا يختلف كثيراً عن الإنسان الذي يعتقد أن العالم كله يتآمر ضده . كلاهما يضع نفسه في مركز الكون . كلاهما يمنح ذاته أهمية تتجاوز حجمها الطبيعي . أحدهما يرى نفسه بطلاً خارقاً ، والآخر يرى نفسه ضحية استثنائية . لكن النتيجة واحدة : انفصال تدريجي عن الواقع.

وفي زمن الشبكات الاجتماعية ، تحولت هذه النزعة إلى صناعة كاملة . الجميع يريد أن يكون مختلفاً . الجميع يبحث عن الوصفة السرية ، والطريق المختصر ، والحقيقة التي لم يكتشفها سواه . أصبح الاعتقاد بامتلاك معرفة لا يعرفها الآخرون شكلاً جديداً من أشكال التفوق النفسي.

ومن هنا يمكن فهم الشعبية التي تحيط بالعديد من النظريات والأنظمة الفكرية والصحية والغذائية . فليس الأمر متعلقاً بالعلم وحده ، بل بحاجة الإنسان إلى الشعور بأنه اكتشف ما لم يكتشفه الآخرون.

في هذا السياق يظهر ما يعرف بـ"نظام الطيبات" للدكتور ضياء الدين العوضي "رحمه الله" . وكغيره من الأنظمة التي تحظى بجمهور واسع ، وبخاصة بعد وفاته في ظروف شابها الكثير من اللغط ، فهو يحتوي على عناصر تستند إلى ملاحظات وتجارب ومعلومات يجد فيها كثير من الناس فائدة عملية في تنظيم نمط حياتهم وعلاقتهم بالغذاء . غير أن المشكلة لا تبدأ عند الفائدة ، بل عند الانتقال من الفائدة إلى اليقين المطلق ، ومن التجربة إلى العقيدة.

فالعلم بطبيعته كائن متواضع . لا يقول إنه وصل إلى النهاية . لا يدّعي امتلاك الحقيقة الكاملة . كل نظرية علمية تحمل في داخلها احتمال الخطأ . وكل اكتشاف علمي يبقى مفتوحاً على المراجعة والتصحيح.

أما حين تتحول أي فكرة إلى تفسير شامل لكل شيء ، فإنها تقترب من منطقة أخرى تختلف عن العلم . منطقة يصبح فيها المؤمن بالفكرة أكثر يقيناً من الفكرة نفسها.

وهنا تظهر المفارقة.

فالبحث عن الصحة قد يتحول إلى مرض.
والبحث عن اليقين قد يتحول إلى وهم.
والبحث عن الحقيقة قد يقود أحياناً إلى الهروب منها.

ليس لأن الفكرة خاطئة بالضرورة ، بل لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى تحويل الأدوات إلى عقائد ، والوسائل إلى غايات ، والتجارب إلى نصوص مقدسة.

الحقيقة التي يحاول مانسون تذكيرنا بها بسيطة للغاية : نحن لسنا استثناءً من قوانين الحياة . نحن معرضون للخطأ كما غيرنا . معرضون للخداع كما غيرنا . ومعرضون للانبهار بالأفكار التي تمنحنا شعوراً بالتفوق كما غيرنا.

لست شخصاً خاصاً متميزاً.

ليست إهانة.

إنها دعوة للتحرر.

تحرر من الحاجة المستمرة لإثبات أنك الأذكى.
وتحرر من وهم أنك وجدت الحقيقة التي غابت عن مليارات البشر.
وتحرر من الاعتقاد أن خلاصك يكمن في نظام واحد أو كتاب واحد أو شخص واحد.

فالعالم أكثر تعقيداً من ذلك.

والإنسان أكثر هشاشة مما يظن.

والحقيقة أكبر من أن يحتكرها أحد.

ربما لهذا السبب كانت أعظم العقول في التاريخ أكثر تواضعاً كلما ازدادت معرفة . فكلما اقترب الإنسان من الحقيقة ، أدرك حجم ما يجهله . وكلما اتسعت رؤيته ، تضاءلت ثقته المطلقة بأفكاره الخاصة.

في النهاية، ليست الحكمة أن نبحث عن فكرة تجعلنا مختلفين عن الآخرين ، بل أن نبحث عن الحقيقة حتى لو جعلتنا نشبههم.

لست شخصاً خاصاً متميزاً.

لكنك إنسان.

وهذا وحده أكثر من كافٍ.

تعليقات