القائمة الرئيسية

الصفحات

 



صراع الديكة في حظيرة ترامب

لم يكن الفجر في يوم من الأيام موعداً لولادة الشمس وحدها، بل كان أيضاً موعداً لصياح الديكة ، تعلن كل واحدة منها أنها سيدة الحظيرة ، وأن صوتها هو الذي أيقظ العالم ، بينما الحقيقة أن النهار كان سيأتي سواء صاحت أم صمتت . هكذا تبدأ الحكايات الكبرى دائماً ؛ بكائنات صغيرة تؤمن أن الكون يدور حول غرائزها ، بينما يقف صاحب الحظيرة بعيداً ، يحسب الأرباح والخسائر ، ويظن أنه قادر على ضبط الجميع بعصاه ، قبل أن يكتشف أن الغرائز إذا استيقظت ، لم تعد تسمع لصوت صاحبها.

هكذا يبدو الشرق الأوسط اليوم.

حظيرة واسعة ، تتزاحم فيها الديكة ، يتطاير الريش ، ويسيل الدم ، ويعلو الصياح حتى يكاد يحجب صوت العقل . وفي منتصف المشهد يقف دونالد ترامب ، التاجر الذي جاء إلى السياسة بعقلية رجل الصفقات ، لا بعقلية صانع الإمبراطوريات . يرى العالم كما يرى رجال الأعمال الأسواق ؛ كل أزمة فرصة ، وكل حرب ورقة تفاوض ، وكل انتصار مشروع استثماري جديد ، وكل هدنة عقد يمكن إعادة التفاوض عليه . لم يكن يؤمن يوماً بأن التاريخ تحركه العقائد بقدر ما تحركه المصالح ، ولا بأن الشعوب تموت من أجل الأفكار بقدر ما تعيش من أجل الصفقات.

لكن مشكلة ترامب الكبرى أنه يتعامل مع لاعبين لا يؤمنون بما يؤمن به.

فإسرائيل ، في نسختها السياسية التي يمثلها بنيامين نتنياهو ، لا تنظر إلى إيران باعتبارها منافساً إقليمياً يمكن التوصل معه إلى توازن ردع دائم ، ولا خصماً يمكن إدارة الخلاف معه عبر تفاهمات طويلة الأمد . إنها ترى في الجمهورية الإسلامية مشروعاً وجودياً يناقض الفكرة التي قامت عليها الدولة العبرية كما يراها اليمين الإسرائيلي . ولذلك ، فإن أي اتفاق لا ينتهي بتجريد إيران من قدرتها على تهديد إسرائيل ، سيظل ، في نظرهم ، هدنة مؤقتة تؤجل الجولة التالية ولا تلغيها.

وفي الضفة الأخرى، لا يبدو المشهد مختلفاً كثيراً.

فالنظام الإيراني لا يرى نفسه مجرد دولة تدافع عن حدودها ومصالحها القومية ، بل يعتبر نفسه حاملاً لمشروع يتجاوز الجغرافيا الإيرانية إلى فضاء أوسع من النفوذ والهوية والتحالفات . لذلك فإن أي تراجع جوهري لا يعني، في حساباته ، خسارة معركة سياسية فحسب ، بل انهياراً لفكرة بنى عليها شرعيته طوال عقود.

وهنا يبدأ سوء الفهم الأكبر.

ترامب يظن أنه يستطيع أن يجلس الديكين إلى طاولة واحدة ، ويقنع كل واحد منهما بأنه خرج منتصراً . فهو ابن المدرسة التي تؤمن بأن كل نزاع قابل للتسوية إذا عرف كل طرف مقدار ما سيربح ومقدار ما سيخسر . أما الديكان ، فلا يجلسان إلى الطاولة أصلاً وهما يفكران بلغة الأرباح والخسائر ؛ إنهما يفكران بلغة الغلبة والبقاء.

ولهذا، فإن الرجل الذي اعتاد أن يفاخر بأنه صانع الصفقات ، يجد نفسه أمام صراع لا يعترف بمنطق السوق.

إنه صراع يشبه مصارعة ديكين في حظيرة ضيقة.

قد يستطيع صاحب الحظيرة أن يفتح الباب أو يغلقه ، أن يطعم هذا أو يحرم ذاك ، أن يراهن على الفائز أو يعاقب الخاسر ، لكنه لا يستطيع أن يغيّر طبيعة الديك نفسه . فالغريزة التي تدفعه إلى القتال أقوى من كل الحسابات الاقتصادية.

وهذا ما يغيب عن كثير من التحليلات التي تتوقع أن تنتهي المواجهة الإيرانية الإسرائيلية بمجرد اتفاق جديد ، أو بضمانات أمنية إضافية ، أو برزمة حوافز اقتصادية.

إنها لا تقرأ طبيعة الخصمين.

فكلاهما يحمل تصوراً للصراع يتجاوز السياسة إلى الهوية ، ويتجاوز المصالح إلى الوجود.

ولذلك ، فإن الحرب بينهما ليست مجرد خلاف على تخصيب اليورانيوم ، ولا على حدود النفوذ في سوريا ولبنان والعراق واليمن ، بل على صورة الشرق الأوسط نفسه : من يكتب قواعده، ومن يرسم خرائطه ، ومن يحدد موازين القوة فيه لعقود قادمة.

من هنا ، تبدو حسابات ترامب مختلفة تماماً.

هو يريد شرق أوسط أقل تكلفة على الولايات المتحدة ، وأكثر انفتاحاً على الاستثمار ، وأقل استنزافاً للموارد الأمريكية . يريد إغلاق الملفات لا تعميقها، ويفضل أن تتحول الحروب إلى عقود اقتصادية ، وأن تتحول البنادق إلى أنابيب طاقة وأسواق جديدة.

لكن التاريخ كثيراً ما يسخر من التجار الذين يعتقدون أن الأسواق تستطيع ترويض العقائد.

لقد حاولت إمبراطوريات أكبر من الولايات المتحدة أن تفعل ذلك ، فاكتشفت أن الأفكار لا تُشترى كما تُشترى الأسهم ، وأن الأيديولوجيات لا تُباع في البورصات.

وفي هذا تكمن خطورة المرحلة.

فإذا استمر كل طرف في تعريف الصراع باعتباره صراعاً صفرياً ، فإن أي هدنة لن تكون سوى استراحة قصيرة بين جولتين . وسيبقى الشرق الأوسط معلقاً بين مشروعين يعتقد كل منهما أن بقاء الآخر يعني نهايته هو.

وليس مستبعداً ، في مثل هذه البيئة ، أن يخرج الصراع تدريجياً من قدرة أي راعٍ خارجي على التحكم بإيقاعه.

فالتاريخ مليء بأمثلة حروب بدأت بقرار سياسي ، ثم انتهت وهي تقود السياسيين أنفسهم ، لا العكس.

وهنا قد يجد ترامب نفسه أمام مفارقة قاسية.

الرجل الذي أراد إدارة المنطقة بعقلية رجل الأعمال ، قد يكتشف أن المنطقة تدار بمنطق أقدم بكثير من الأسواق. منطق تختلط فيه الذاكرة بالعقيدة ، والجغرافيا بالتاريخ ، والرموز بالحسابات العسكرية.

وحين تبلغ الصراعات هذه المرحلة ، يصبح السؤال مختلفاً.

ليس : من يربح الصفقة؟

بل : من يبقى واقفاً بعد أن يتوقف الغبار؟

لقد اعتاد ترامب أن يعتقد أن كل شيء قابل للتفاوض ، لكن الشرق الأوسط يكرر عليه الدرس ذاته منذ عقود : ليست كل الحروب قابلة للبيع ، وليست كل الأزمات قابلة للشراء.

ولهذا ، فإن صراع الديكة قد يتحول إلى حريق يأتي على الحظيرة كلها.

وقد يكتشف صاحبها ، بعد فوات الأوان ، أن الديكة لم تكن تتقاتل من أجل حفنة قمح ، بل من أجل وهم السيادة المطلقة ؛ وأن من يطلق غرائز الصراع لا يملك دائماً القدرة على إعادتها إلى أقفاصها.

خلاصة القول

ليست المشكلة في أن دونالد ترامب يسيء تقدير عمق الصراع بين إيران وإسرائيل ، بل في أنه ينظر إليه بمنظار مختلف عن المنظار الذي ينظر به طرفا الصراع إلى نفسيهما . فهو يرى أزمة قابلة للإدارة ، بينما يرى كل منهما معركة تحدد مستقبله . وبين عقلية التاجر الذي يبحث عن صفقة رابحة ، وعقلية الخصمين اللذين يخوضان صراعاً وجودياً ، تتسع الهوة يوماً بعد يوم . وفي مثل هذه الصراعات ، لا يكون الخطر الحقيقي في اندلاع الحرب وحده ، بل في اللحظة التي تخرج فيها عن حسابات جميع اللاعبين ، فيكتشف الجميع أن الديكة لم تعد تتقاتل داخل حظيرة ترامب ، بل فوق أنقاضها.

تعليقات