إنهم يطاردون أوراقا متطايرة
"بدلاً من أن تضيع وقتك في جمع
الأوراق المتطايرة... أغلق النافذة."
— فرانسيس بيكون
لم يكن الحكيم
الإنجليزي فرانسيس بيكون
يتحدث عن السياسة حين قال إن أفضل طريقة لجمع الأوراق المتطايرة ليست مطاردتها
واحدة تلو الأخرى ، بل إغلاق النافذة التي يدخل منها الهواء . لكنه ، من حيث لم
يقصد ، ترك للعالم استعارة تصلح لكل الأزمنة، ولعل الشرق الأوسط هو أكثر الأمكنة
التي تثبت صحتها كل صباح.
فهنا ، لا ينشغل
العالم بإغلاق النوافذ ، بل بمطاردة الأوراق.
كلما اندلعت حرب
، اجتمع الساسة . وكلما توقفت حرب ، انعقد مؤتمر . وكلما ظهر تنظيم جديد ، أُنشئت
قوة جديدة . وكلما سقط نظام ، جرى البحث عن نظام آخر. أما النافذة ... فلا تزال
مفتوحة على مصراعيها منذ عقود.
تتطاير الأوراق
من غزة إلى جنوب لبنان ، ومن البحر الأحمر إلى مضيق هرمز ، ومن دمشق إلى بغداد ،
حتى يخيل للناظر أن العاصفة هي المشكلة ، بينما الحقيقة أن الريح لا تدخل إلا لأن
أحداً ترك النافذة مفتوحة.
في الشرق الأوسط
اعتاد الجميع معالجة الأعراض أكثر من معالجة المرض.
إذا اشتعلت غزة ،
أرسلوا المساعدات.
إذا اشتعل جنوب
لبنان ، أرسلوا الوسطاء.
إذا ارتفع
التوتر في هرمز ، أرسلوا الأساطيل.
إذا تمددت
الميليشيات ، أرسلوا العقوبات.
أما السؤال الذي
لا يريد أحد الجواب عنه فهو: لماذا تعود الأوراق إلى التطاير في كل مرة؟
ليست كل أوراق
المنطقة فلسطينية ، وليس كل نزاعاتها تبدأ من فلسطين ، فهناك تنافسات إقليمية ومذهبية
واقتصادية وجيوسياسية عميقة . لكن القضية الفلسطينية بقيت ، على امتداد عقود ،
إحدى أكثر القضايا قدرة على إعادة إشعال التوترات وإعادة تشكيل التحالفات ومنح
الفاعلين المختلفين مبررات سياسية وشعبية لتحركاتهم.
ولهذا ، فإن
تجاهلها لا يعني اختفاءها ، بل يعني بقاء نافذة مفتوحة يدخل منها هواء جديد مع كل
أزمة....
لقد حاولت
الإدارات الأمريكية المتعاقبة إدارة الأزمات أكثر مما حاولت إنهاء أسبابها.
وتعاملت إسرائيل
، في مراحل كثيرة، مع إدارة الصراع باعتبارها بديلاً عن حله.
وتعاملت أطراف
عربية وإقليمية مع القضية الفلسطينية باعتبارها أحياناً ورقة تفاوض أو عنصر شرعية
سياسية.
وفي المقابل ،
لم ينجح الفلسطينيون أنفسهم دائماً في بناء موقف وطني موحد ، وهو ما زاد تعقيد
المشهد وأضعف قدرتهم على التأثير في مساره.
وهكذا بقيت
النافذة مفتوحة...
فتدخل منها كل
مرة رياح جديدة.
مرة اسمها
الانتفاضة.
ومرة اسمها
الصواريخ.
ومرة اسمها
التطبيع.
ومرة اسمها
الردع.
ومرة اسمها محور
المقاومة.
ومرة اسمها
إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
لكن الأوراق هي
ذاتها...
تتبدل ألوانها
فقط.
وربما لهذا
السبب ، لم تعد المنطقة تعرف الفرق بين الهدنة والسلام ، ولا بين وقف إطلاق النار
وإنهاء الحرب ، ولا بين إدارة الأزمة وحلها.
فالهدوء الذي لا
يقوم على تسوية عادلة يشبه أوراقاً أعيد ترتيبها فوق الطاولة ، بينما النافذة لا
تزال مفتوحة.
خلاصة
القول
لم تكن حكمة
بيكون درساً في ترتيب المكاتب ، بل في ترتيب الأفكار.
فالسياسي الحكيم
لا يقضي حياته يطارد النتائج ، بل يبحث عن الأسباب.
ولا ينشغل
بإعادة جمع الأوراق بعد كل عاصفة ، بل يسأل: من الذي ترك النافذة مفتوحة؟
سيبقى الشرق
الأوسط معرضاً لدورات متكررة من التصعيد ما دامت أسبابه الجوهرية بلا معالجة .
ويرى كثيرون أن الوصول إلى سلام مستدام يقتضي معالجة القضية الفلسطينية ضمن إطار
أوسع يشمل أيضاً الهواجس الأمنية لجميع الأطراف، وترتيبات إقليمية مستقرة ،
واحترام القانون الدولي ، وبناء مؤسسات قادرة على منع عودة العنف.
فالأوراق لا
تتوقف عن التطاير لأن الريح شريرة...
بل لأن أحداً ،
منذ زمن طويل ، لم يقرر أن يغلق النافذة.
تعليقات
إرسال تعليق