القائمة الرئيسية

الصفحات

 



على من تُلقي مزاميرك يا داود؟

"ليست المأساة أن تصمت القيثارة ، بل أن يرتفع ضجيج المدافع حتى لا يعود أحد يسمعها ."

كان داود ، كما تخبرنا الحكايات ، كلما ضاقت الأرض بأهلها حمل قيثارته ، لا ليُخدر الألم ، بل ليذكر الناس بأن الإنسان خُلق ليسمع النشيد قبل أن يسمع قرع الطبول . وكان يؤمن أن الكلمة تستطيع أن تؤجل السيف ، وأن اللحن قد يسبق المصالحة بخطوة ، وأن القلب الذي تهزه المزامير يصعب أن يقوده الغضب إلى الهاوية.

أما اليوم ، فلو عاد داود إلى هذه الأرض ، فلعله لن يبحث عن قيثارته أولًا ، بل عن أذنٍ ما تزال قادرة على الإصغاء.

على من تُلقي مزاميرك يا داود ؟

على الجنرالات الذين يقيسون الزمن بعدد الطلعات الجوية ؟

أم على السياسيين الذين يكتبون بياناتهم بالحبر بينما تُكتب نتائجها بالدم ؟

أم على تجار السلاح الذين يزداد ازدهارهم كلما اتسعت المقابر ؟

أم على شعوبٍ أنهكتها الحروب حتى لم تعد تميز بين نشيد الحياة وصفارات الإنذار ؟

في السياسة ، لا تبدأ الحروب يوم تنطلق الصواريخ ، بل يوم يصبح الخوف لغةً مشتركة ، ويغدو الشك أكثر حضورًا من الثقة ، وتتحول القوة من وسيلةٍ لردع الحرب إلى غايةٍ في ذاتها.

وفي الشرق الأوسط ، تبدو المنطقة وكأنها تسير فوق حبلٍ مشدود فوق بحرٍ من النار . الجميع يراقب الشرارة التالية ، بينما يغفل كثيرون عن أن الحطب تراكم منذ سنوات طويلة.

إن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لا يمكن النظر إليه بوصفه مواجهة ثنائية فحسب . فكل موجة تصعيد تتجاوز حدود البلدين لتنعكس على الخليج، والعراق ، وسوريا ، ولبنان ، والبحر الأحمر ، وربما على طرق التجارة العالمية بأسرها . لذلك ، فإن السؤال الحقيقي ليس : من سيطلق الرصاصة التالية ؟ بل : إلى أي مدى يمكن أن يمتد صدى تلك الرصاصة ؟

فالشرق الأوسط لم يعد مجموعة نزاعات منفصلة ، بل أصبح شبكة مترابطة ؛ إذا اهتز خيط منها ، ارتجفت الخيوط كلها.

ولعل أخطر ما في اللحظة الراهنة أن كثيرًا من الأنظار تتجه إلى مواقع إطلاق الصواريخ ، بينما تُرسم في الخلفية خرائط النفوذ والممرات البحرية والتحالفات الإقليمية.

فالحروب الكبرى لا تُقاس بعدد الغارات وحدها ، بل بما تتركه من تغييرات في موازين القوة ، وفي طرق التجارة ، وفي خرائط المصالح.

ولهذا ، فإن الحديث عن احتمال امتداد التوتر إلى باب المندب لا يتعلق بمضيق مائي فحسب ، بل بشريان يمر عبره جزء كبير من حركة التجارة العالمية . وإذا تحولت تلك المياه إلى ساحة مواجهة ، فلن تكون السفن وحدها هي التي تدفع الثمن ، بل قد تمتد الآثار إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وأسعار السلع في أنحاء العالم.

إن المضائق ليست مجرد خطوط على الخرائط ، بل هي أعصاب الاقتصاد الدولي ، وإذا أصابها التوتر ، شعر العالم كله بالألم.

أما إسرائيل وإيران ، فهما تخوضان منذ سنوات صراعًا متعدد المستويات ؛ عسكريًا، وأمنيًا ، وسياسيًا ، وإعلاميًا . وقد أدى هذا الصراع إلى دوامات متكررة من التصعيد والردع ، لكل طرف فيها حساباته وأولوياته.

وفي مثل هذه الصراعات ، قد يجد كل طرف في تصعيد الطرف الآخر ما يعزز روايته الداخلية أو يبرر خياراته السياسية والأمنية ، حتى وإن ظل كل منهما يسعى إلى أهداف تختلف عن أهداف خصمه.

وهنا تكمن إحدى مفارقات السياسة ؛ إذ قد يتحرك الخصوم في مسارات متوازية من حيث النتائج ، رغم اختلاف الدوافع والغايات . فالتصعيد يولد تصعيدًا ، والخوف يولد خوفًا ، وتصبح المنطقة بأسرها أسيرة دائرة يصعب كسرها.

وليس باب المندب مجرد اسم في كتب الجغرافيا.

إنه عنق البحر.

وحين يضيق العنق ، يختنق الجسد كله.

هناك ، لا تمر السفن وحدها ، بل تمر أحلام الشعوب ، وغذاء المدن ، وطاقة المصانع ، ومصالح الدول . ولذلك فإن أي اضطراب واسع في تلك المنطقة يتجاوز كونه حدثًا عسكريًا ليصبح قضية عالمية تمس الاقتصاد والأمن والاستقرار.

وهكذا ، فإن النار إذا اقتربت من المضائق ، لا تسأل عن جنسية السفن ، ولا عن لغة البحارة ، ولا عن أعلام الدول . إنها تلتهم ما يعترض طريقها.

والمفارقة أن العالم يبدو اليوم أكثر قدرة على إنتاج الأسلحة من إنتاج الثقة.

لقد أصبحت التكنولوجيا تصنع صاروخًا يعبر آلاف الكيلومترات في دقائق ، لكنها لم تنجح بعد في صناعة جسر يعبر فوق هاوية الكراهية.

ازدادت دقة أنظمة التوجيه ، بينما تراجعت دقة البوصلة الأخلاقية.

وأصبح الإنسان قادرًا على رؤية أهدافه من الفضاء ، لكنه كثيرًا ما يعجز عن رؤية الإنسان الذي يقف في الطرف الآخر.

التاريخ يعلمنا أن الحروب تبدأ غالبًا بخطابات قصيرة ، لكنها تنتهي بكتب طويلة يكتبها المؤرخون ، بعد أن يكون الضحايا قد غادروا صفحات الحياة.

وحين يعود المؤرخون إلى هذه السنوات ، فلن يسألوا فقط عن عدد الصواريخ أو الغارات ، بل سيسألون أيضًا : متى ضاعت الفرصة الأخيرة للحوار ؟ ومتى أصبح التصعيد هو اللغة الوحيدة التي يتقنها الجميع؟

يا داود...

قد لا يسمعك الجنرال وهو يراجع خرائط العمليات.

وقد لا يسمعك السياسي وهو يحصي مكاسب اللحظة.

وقد لا يسمعك تاجر السلاح وهو يعد أرباحه.

لكن ربما يسمعك طفل يختبئ في قبو تحت القصف ، لا يعرف لماذا اندلعت الحرب ، ولا متى ستنتهي.

وربما يسمعك بحار يعبر باب المندب ، يدرك أن البحر الذي كان طريقًا للتجارة يمكن أن يتحول في لحظة إلى ساحة مواجهة.

وربما تسمعك أم تنتظر ابنها على حدود تتغير أسرع مما تتغير الفصول.

من أجل هؤلاء، لا ينبغي أن تتوقف المزامير.

فالأمم لا تنهار يوم تعجز عن إنتاج المزيد من السلاح ، بل حين تفقد القدرة على الإصغاء إلى الحكمة قبل أن تتكلم البنادق.

وحين يعلو هدير المدافع على صوت القيثارة ، لا يخسر الشعر وحده ، بل يخسر الإنسان آخر فرصة لأن يتذكر أنه وُلد ليبني الحضارات ، لا ليُحصي أطلالها.

ولهذا يبقى السؤال معلقًا فوق سماء الشرق ، لا يبحث عن جواب بقدر ما يبحث عن ضمير:

على من تُلقي مزاميرك يا داود؟

فلعل المأساة ليست في أن داود توقف عن العزف ، بل في أن العالم اختار أن يجعل ضجيج الحرب أعلى من كل مزامير السلام.

تعليقات