القائمة الرئيسية

الصفحات

 

أسمع جعجعةً... ولا أرى طحناً

"كثرة الضجيج لا تعني أن الطاحونة تعمل."

لم يكن المثل العربي القديم " أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً"  مجرد سخرية من طاحونة تدور بلا دقيق ، بل كان وصفاً مبكراً لحالة سياسية تتكرر كلما تقدم إلى المسرح رجال يخلطون بين رفع الصوت وصناعة الإنجاز ، وبين استعراض القوة وإدارة الدولة . فالجعجعة لا تطعم جائعاً ، ولا توقف حرباً ، ولا تبني سلاماً . إنها مجرد ضجيج يملأ الآذان ، بينما تبقى السنابل على حالها ، لم تمسها الرحى ، ولم تتحول إلى خبز.

ولعل العالم لم يشهد ، منذ عقود ، نموذجاً يجسد هذا المثل أكثر من دونالد ترامب . فقد دخل البيت الأبيض ، أول مرة ثم ثانية ، وهو يعد الأمريكيين والعالم بأنه الرجل الذي سيوقف الحروب ، ويعيد الجنود إلى ديارهم ، ويطوي صفحات النزاعات المفتوحة ، ويستبدل لغة البنادق بلغة الصفقات . كان يتحدث بثقة رجل يعتقد أن السياسة ليست أكثر من صفقة عقارية ، وأن التاريخ يمكن توقيعه على ورقة كما توقع عقود شراء الفنادق والأبراج.

لكن السياسة ليست شركة استثمار ، وليست مزاداً مفتوحاً ، وليست برنامجاً تلفزيونياً يخرج منه الفائز بابتسامة والكاميرات تلاحقه . إنها علم معقد ، تتشابك فيه الجغرافيا مع التاريخ ، والدين مع الهوية ، والمصالح مع الذاكرة ، والكراهية مع الخوف . ومن يظن أن هذه العقد يمكن فكها بالتهديد تارة ، وبالإغراء تارة أخرى ، يشبه من يحاول إطفاء حريق غابة بمسدس ماء.

لقد وعد ترامب بإنهاء الحرب في أوكرانيا سريعاً ، فإذا بالحرب تتمدد وتزداد تعقيداً . ووعد بإخماد حرائق الشرق الأوسط ، فإذا بالنيران تنتقل من غزة إلى جنوب لبنان ، ومن البحر الأحمر إلى الخليج ، حتى بات مضيق هرمز نفسه يقف على حافة الانفجار ، بينما يلوح باب المندب في الأفق كمرشح جديد للدخول إلى دوامة الصراع.

هكذا يبدو المشهد : كل أزمة يُعلن أنها الأخيرة ، فإذا بها تصبح مقدمة لأزمة أكبر . وكل تهديد يُقال إنه سيصنع الردع ، فإذا به يصنع ردود فعل جديدة . وكأن العالم لا يغادر حفرة إلا ليقع في أخرى أعمق منها.

لقد تعامل ترامب مع السياسة بمنطق البلطجة أكثر مما تعامل معها بمنطق الدولة . ففي عالمه، من يرفع صوته أكثر يربح ، ومن يهدد أكثر ينتزع التنازلات ، ومن يملك العصا الأطول يفرض قواعد اللعبة . لكن التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط لأنها فقدت قوتها فقط ، بل لأنها أساءت فهم حدود تلك القوة.

فالردع قد يمنع طلقة ، لكنه لا يقتل فكرة . والعقوبات قد تخنق اقتصاداً ، لكنها لا تضمن تغيير إرادة أمة . والقاذفات تستطيع تدمير المدن ، لكنها لا تستطيع بناء نظام إقليمي مستقر.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى . فكلما أعلن ترامب أن الولايات المتحدة استعادت هيبتها ، اتسعت رقعة الأزمات . وكلما تحدث عن السلام ، ارتفعت أسعار النفط ، وتحركت حاملات الطائرات ، وازدادت ميزانيات التسلح ، وكأن العالم كله أصبح يعيش على إيقاع إنذار دائم ، لا يعرف متى يتحول إلى حرب شاملة.

في الشرق الأوسط ، لا يكفي أن تمتلك القوة ؛ بل ينبغي أن تعرف كيف تستخدمها ، ومتى تمتنع عن استخدامها . فالمنطقة ليست رقعة شطرنج ، بل متاهة من الهويات والثارات والتحالفات والمصالح المتشابكة . وكل خطوة غير محسوبة قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

وها هو مضيق هرمز يقف شاهداً على ذلك . ليس مجرد ممر مائي تعبره ناقلات النفط ، بل شريان يتصل بالاقتصاد العالمي كله . وأي محاولة لخنقه ستستدعي ، بالضرورة، ردوداً تتجاوز حدود الخليج . وإذا اشتعل هرمز ، فلن يبقى باب المندب بعيداً عن النيران ، لأن البحرين يربطهما خيط واحد : معادلة الرد والرد المضاد.

إن من يعتقد أن بإمكانه إدارة هذه التوازنات بمنطق الصفقات وحده ، يغفل حقيقة أساسية : أن الحروب لا تبدأ دائماً بقرار ، بل كثيراً ما تبدأ بسوء تقدير . وما يبدو اليوم رسالة ضغط ، قد يصبح غداً شرارة مواجهة لا يستطيع أحد السيطرة عليها.

لقد اعتاد ترامب أن يتحدث عن "السلام من خلال القوة" ، لكن القوة حين تتحول إلى لغة وحيدة ، تفقد قدرتها على صناعة السلام . فالسياسة ليست أن تجعل خصمك يخاف منك ، بل أن تجعله يرى مصلحة في تجنب الحرب . أما إذا أصبح مقتنعاً بأن وجوده نفسه مهدد ، فإن الحسابات تتغير ، ويصبح المستحيل ممكناً.

وهذا ما يجعل المواجهة مع إيران مختلفة عن كثير من النزاعات الأخرى . فكل طرف ينظر إليها بمنظار وجودي ، لا بمنظار تكتيكي . ومن هنا ، فإن سياسة الضغط الأقصى لا تضمن بالضرورة تحقيق أقصى النتائج ، بل قد تدفع إلى أقصى درجات التصعيد.

وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً ، فهو أن الضجيج السياسي لا يغني عن الرؤية الاستراتيجية . لقد امتلأت السنوات الأخيرة بالخطب ، والتغريدات ، والوعود ، والتهديدات ، والمؤتمرات ، والقمم، والبيانات . لكن ماذا كانت النتيجة ؟ عالم أكثر انقساماً ، وأسواق أكثر اضطراباً ، وتحالفات أكثر هشاشة ، وجبهات أكثر عدداً.

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى من يرفع صوته ، بل إلى من يخفض حرارة الصراع . ولا يحتاج إلى مزيد من الشعارات ، بل إلى فهم عميق لجذور أزماته . فمن يكتفي بمطاردة الحرائق دون أن يبحث عن مصدر الشرارة ، سيظل ينتقل من حريق إلى آخر.

خلاصة القول:

يبقى المثل العربي القديم أكثر بلاغة من كثير من الكتب السياسية: " أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً."  فالسياسة ليست مسابقة في إطلاق الوعود ، ولا بطولة في استعراض القوة ، ولا قدرة على صناعة العناوين اليومية . إنها فن تحقيق النتائج ، لا فن صناعة الضجيج.

أما العالم اليوم، فيبدو وكأنه يقف أمام طاحونة تدور بأقصى سرعتها ، يعلو صوتها حتى يكاد يصم الآذان ، لكن أحداً لا يرى الدقيق . بل يرى ، في المقابل ، مزيداً من الأزمات ، ومزيداً من الجبهات المفتوحة ، ومزيداً من الخوف من أن تتحول شرارة في هرمز إلى نار تمتد نحو باب المندب ، ومنها إلى ما هو أبعد.

فالجعجعة، مهما علت، لا تصنع خبزاً . والسياسة ، مهما اشتد صخبها ، لا تصنع سلاماً ما لم تستند إلى معرفة ، وإلى رؤية ، وإلى إدراك أن العالم لا يُدار بمنطق الغلبة وحده ، بل بفهم تعقيداته وحدود القوة نفسها.

تعليقات