من كل
حدَبٍ وصوب
"المصائب لا تأتي
فرادى كالجواسيس، بل كتائب كالجيوش."
— وليم
شكسبير
لم يكن شكسبير
يكتب عن الشرق الأوسط ، ولم يكن يعرف غزة ولا مضيق هرمز ولا باب المندب ، لكنه كان
يعرف سلوك البشر . كان يعرف أن الخطأ إذا تُرك ينمو ، لا يعود خطأً واحدًا ، بل
يصبح سلسلة من الأخطاء ، تتكاثر كما تتكاثر الجيوش ، حتى يبدو أن المصيبة جاءت من
كل الجهات ، بينما كانت في الحقيقة تسير في طريق واحد منذ البداية.
وهكذا يبدو
المشهد الفلسطيني اليوم . ليست غزة وحدها التي تنزف ، وليست الضفة الغربية وحدها
التي تعيش على حافة الانفجار ، وليست القدس وحدها التي تتآكل تحت وطأة الزمن
والسياسة . إن الجغرافيا الفلسطينية كلها تبدو وكأنها تقف في قلب عاصفة لا تهب من
اتجاه واحد ، بل من كل حدب وصوب.
في غزة ، حرب
تركت مدينة كاملة تبحث عن بقايا حياة بين الأنقاض . وفي الضفة الغربية ، يتسع
الاستيطان وتتغير الوقائع على الأرض بوتيرة غير مسبوقة . وفي القدس ، تستمر معركة
الهوية والرواية والسيادة . وما بين هذه الجبهات جميعًا ، يقف الفلسطيني أمام سؤال
لا يقل قسوة عن الحرب نفسها : كيف وصلنا إلى هنا ؟
ليست الإجابة في
طرف واحد ، ولا في رواية واحدة . فالشرق الأوسط لم يصبح ساحة مفتوحة للنزاعات بسبب
حدث منفرد ، بل نتيجة تراكم طويل من الصراعات والهويات المتنافسة والمشاريع
الإقليمية والدولية . غير أن السنوات الأخيرة أظهرت بوضوح كيف يمكن للأيديولوجيات
المتشددة ، حين تصل إلى مواقع القرار ، أن تجعل التسويات أكثر صعوبة ، وأن ترفع
تكلفة السلام إلى مستويات غير مسبوقة.
في إسرائيل ،
صعد تيار ديني وقومي متشدد يرى الصراع بمنظار يتجاوز السياسة إلى التاريخ والعقيدة
، ويضع الأمن والتوسع في صدارة أولوياته . وفي غزة، تبنت حركة حماس وبدعم الأصولية
الدينية الحاكمة في إيران ، رؤية تعتبر الصراع طويل الأمد جزءًا من مشروع أوسع ،
وهو ما جعل فرص التسوية أكثر تعقيدًا . وفي الولايات المتحدة ، حملت عودة دونالد
ترامب إلى الواجهة السياسية بدعم المسيحية الإنجيلية خطابًا يمنح الأولوية للقوة
والضغط والصفقات ، ويختلف في مقاربته عن إدارات أمريكية سابقة ، مع استمرار الدعم
القوي لإسرائيل.
قد تختلف
التقييمات حول هذه المشاريع الثلاثة ، لكن اجتماعها في لحظة تاريخية واحدة جعل
المنطقة أكثر هشاشة ، وأقل قدرة على إنتاج حلول مستقرة.
ولذلك ، لم تعد
الأزمة فلسطينية فقط، ولا إسرائيلية فقط ، ولا شرق أوسطية فقط . إن مضيق هرمز ،
وباب المندب ، والبحر الأحمر، ولبنان ، وسوريا ، والعراق، كلها أصبحت حلقات في
سلسلة واحدة . فإذا تعطلت الملاحة في الخليج ، ارتبكت أسواق الطاقة . وإذا اتسعت المواجهة
الإقليمية ، امتدت آثارها إلى الاقتصاد العالمي ، وسلاسل الإمداد ، وأسعار الغذاء ،
والاستقرار الدولي.
وهنا يعود
شكسبير ليبتسم من بعيد . فالمصائب لم تأتِ متفرقة ، بل جاءت كما وصفها: كتائب كالجيوش.
غير أن أخطر ما
في المشهد ليس كثرة الجبهات ، بل ضيق الأفق السياسي . فكل طرف يعتقد أن مزيدًا من
الضغط سيقوده إلى النصر ، بينما تشير تجارب المنطقة إلى أن الانتصارات العسكرية لم
تنهِ الصراع ، كما أن الشعارات وحدها لم تبنِ سلامًا.
لقد أثبت
التاريخ أن الحروب قد تغيّر الخرائط ، لكنها نادرًا ما تغيّر القناعات . وما لم
تُعالج جذور الصراع ، فإن كل هدنة ستكون استراحة قصيرة بين حربين ، وكل اتفاق
سيكون جسرًا مؤقتًا إلى أزمة جديدة.
خلاصة القول:
لم تعد المصائب
تأتي من جهة واحدة، بل من كل حدب وصوب. لكن كثرتها لا ينبغي أن تحجب الحقيقة
الأساسية: إن الأزمات التي تتراكم دون معالجة تتحول إلى منظومة كاملة من الأخطار،
يصعب السيطرة عليها. والسؤال الذي يواجه الفلسطينيين والإسرائيليين والمنطقة
والعالم ليس من سيربح الجولة القادمة، بل ما إذا كان أحد سيخرج من هذا المسار
الطويل منتصرًا حقًا، أم أن الجميع سيكتشف، بعد فوات الأوان، أن الجيوش التي تحدث
عنها شكسبير لم تكن جيوش الخصوم فقط، بل جيوش الأخطاء التي صنعها البشر بأيديهم،
ثم عجزوا عن إيقاف زحفها.
تعليقات
إرسال تعليق