كمن فسَّر الماءَ بعد الجهد بالماءِ
"ليس أخطر ما يصيب الأمم أن تُخدع مرة ، بل أن تتحول الخديعة إلى منهج حكم ، وأن يصبح الكذب سياسة ،
والسياسة فناً لإعادة إنتاج الكذب."
لم يعد الشرق الأوسط بحاجة إلى مزيد من المحللين ليشرحوا ما
يجري ، ولا إلى مزيد من المؤتمرات التي تنتهي ببيانات أطول من عمر نتائجها ، ولا
إلى خرائط جديدة تُرسم على الورق ثم تُمحى على الأرض . لقد بلغ من الوضوح حدًّا
يجعل كثيرًا مما يقال أشبه بمن فسَّر الماء بعد الجهد بالماء ؛ كلمات كثيرة
، وضجيج لا ينتهي ، وخلاصات يعرفها الناس قبل أن يتلوها أصحاب المنابر.
يمسي الشرق الأوسط على اتفاقية ، ويصبح على مجزرة.
تُوقَّع مذكرات تفاهم ، ثم تُقصف المدن في صباح اليوم التالي .
تُصافح الأيدي أمام عدسات الكاميرات ، بينما ترتجف أيدي الأطفال تحت الركام .
تُرفع شعارات السلام في القاعات المكيفة ، فيما يتسابق صانعو القرار إلى شراء مزيد
من السلاح خارجها . وهكذا ، لم تعد المشكلة في غياب اللغة السياسية ، بل في
الإفراط في استخدامها لإخفاء الحقيقة.
لقد أصبح الكذب في هذه المنطقة صناعة كاملة ، لها خبراؤها
ومؤسساتها وأسواقها ، ولم يعد أحد يحتكره وحده.
حين عاد دونالد ترامب إلى البيت الأبيض ، عاد بالشعار نفسه
تقريبًا : إنهاء الحروب ، وإعادة الاستقرار ، وإنهاء "الحروب التي لا
تنتهي". كانت اللغة بسيطة ، جذابة، وتناسب المزاج الأمريكي الذي تعب من
الإنفاق العسكري الطويل . لكن الشرق الأوسط لا يعترف بالشعارات، بل يمتحنها على
الأرض.
وخلال فترة وجيزة ، وجد العالم نفسه أمام شرق أوسط أكثر
اضطرابًا لا أقل . غزة لا تزال جرحًا مفتوحًا ، ولبنان يعيش فوق برميل بارود ،
وسوريا لم تستعد عافيتها ، والعراق لا يزال ساحة لتوازنات متناقضة ، والبحر الأحمر
والخليج العربي بقيا مسرحًا لاحتمالات التصعيد.
ليس المقصود بذلك أن رئيسًا واحدًا يصنع وحده كل هذه الأزمات ،
فتعقيدات المنطقة أقدم وأعمق من أي إدارة أمريكية ، لكن الفجوة بين الوعود
والنتائج كانت واسعة بما يكفي لتدفع كثيرين إلى التساؤل : أين السلام الذي وُعد به
العالم ؟ وأين الصفقات التي كان يفترض أن تُنهي الحروب ؟
يستسهل البعض بإلقاء التهم على نتياهو بتوريطه لترامب بقضايا
الشرق الأوسط وفق إيقاع أجندته الخاصة ، وكأن رئيس الولايات المتحدة ومؤسساتها
باتت مسرحا مفتوحا لبنيامين نتياهو ، والحقيقة أن القوى التي أوصلت ترامب للحكم لا
تقل تطرفا عن بنيامين نتياهو ، يكفي أن تسمع لليندسي غراهام قبل وفاته ، وللسفير
هاكابي لتعرف عما نتحدث ، ولا يعني كل ذلك الإستخفاف بقدرة بنيامين للإستفادة من
مساحات العمل في أروقة السياسة الأمريكية ، والتي كانت أرضا خصبة ولا زالت ، رغم
الإنحسار الذي أملته المتغيرات الدراماتيكية بعد الفشل الذريع في حسم أي من
الملفات التي لا زالت تستنزف الحالة الأمريكية الداخلية .
وفي الجهة الأخرى ، تقف إيران، التي بنت خطابها السياسي طوال
ما يقارب خمسة عقود على ثنائية المقاومة والاستقلال.
نجحت طهران في بناء شبكة واسعة من الحلفاء والنفوذ الإقليمي ،
وأصبحت لاعبًا لا يمكن تجاوزه في ملفات المنطقة. غير أن هذه الاستراتيجية حملت
معها أيضًا أثمانًا باهظة ، سواء على الداخل الإيراني الذي تحمل أعباء اقتصادية
واجتماعية كبيرة ، أو على ساحات إقليمية تحولت إلى مسارح لصراعات مفتوحة.
ومع كل أزمة جديدة ، كان الخطاب يبقى هو الخطاب ، بينما تتغير
الوقائع على الأرض . تتبدل الخرائط ، وتتراجع قوى ، وتظهر أخرى ، لكن اللغة تظل
ثابتة، كأن الزمن توقف قبل عقود.
أما أحزاب الإسلام السياسي ، فقد وعد كثير منها أنصاره بأن المشروع القادم سيصنع نهضة
مختلفة ، وأن الهوية وحدها كافية لبناء الدولة ، وأن امتلاك الحقيقة الدينية سيقود
تلقائيًا إلى امتلاك الحقيقة السياسية.
لكن الدولة شيء ، والشعار شيء آخر.
فالسياسة ليست خطبة ، والاقتصاد ليس شعارًا ، وإدارة المجتمعات
أكثر تعقيدًا من إدارة الحشود.
وفي أكثر من تجربة ، وجد المواطن نفسه يعود إلى الأسئلة الأولى
: أين الدولة ؟ أين المؤسسات ؟ أين الأمن ؟ أين المستقبل ؟
وحين تعجز الشعارات عن الإجابة ، يصبح الناس هم من يدفع الثمن.
ولعل غزة هي الصورة الأكثر قسوة لهذا المشهد كله.
هناك تختلط المأساة الإنسانية بالصراع العسكري ، وتمتزج
الحسابات المحلية بالإقليمية والدولية ، حتى يصبح المدنيون أول من يدفع الثمن وآخر
من يُستشار.
كل طرف يملك روايته.
كل طرف يعلن انتصاره.
لكن المدن المهدمة لا تعرف لغة الانتصارات.
والمقابر لا تفرق بين بيانات المنتصرين وبيانات المهزومين.
ولبنان ليس بعيدًا عن هذه الصورة.
سنوات طويلة من الحديث عن الردع والتوازن والسيادة ، بينما
الاقتصاد ينهار ، والمؤسسات تضعف، والهجرة تتحول إلى حلم جماعي.
وفي كل مرة يُسأل فيها السياسيون عن المستقبل ، تتكرر الإجابات
نفسها ، وكأن الزمن يدور في دائرة مغلقة.
وكأن المنطقة بأكملها أصبحت مصنعًا لإعادة تدوير الخطابات.
ولذلك، فإن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس نقص
المبادرات.
بل فائضها.
فائض الاتفاقيات.
وفائض اللجان.
وفائض الوسطاء.
وفائض البيانات.
حتى بات الناس يستقبلون كل إعلان جديد بشيء من الريبة أكثر مما
يستقبلونه بالأمل.
لقد فقدت الكلمات قيمتها لأنها استُهلكت أكثر مما استُخدمت.
السياسة ، في جوهرها ، هي فن تقليل الخسائر.
أما حين تتحول إلى فن إنتاج الخسائر، فإنها تفقد معناها.
ولذلك، فإن سكان المنطقة لم يعودوا يبحثون عن خطابات عظيمة ، بل عن يوم عادي لا يسمعون فيه صفارات الإنذار.
لم يعودوا يحلمون بانتصارات تاريخية ، بل بمدرسة لا تُقصف ،
ومستشفى لا ينهار ، وبيت لا يتحول إلى عنوان في نشرة الأخبار.
لقد تعلّم الناس من كثرة التجارب أن كثيرًا من الاتفاقيات لا
تنهي الصراعات ، بل تؤجلها.
وأن كثيرًا من الهدن ليست سلامًا ، بل استراحة قصيرة بين
جولتين.
وأن كثيرًا من المذكرات الدبلوماسية لا تُكتب لإنهاء الأزمات ،
بل لإدارة توقيتها.
ولهذا يمسي الشرق الأوسط على اتفاقيات ، ويصبح على مجازر.
ويوقّع على تفاهمات ، ثم يستيقظ على جبهات جديدة.
إن المشكلة الحقيقية لم تعد في اختلاف المشاريع فقط ، بل في
تشابه وسائلها.
الجميع يتحدث باسم المستقبل.
والجميع يعد بالنصر.
والجميع يحمّل الآخرين مسؤولية الفشل.
لكن أحدًا لا يبدأ بمراجعة نفسه.
وكأن المنطقة وقعت أسيرة معادلة واحدة : الجميع يربح في
الخطب... والجميع يخسر على الأرض.
خلاصة القول:
ليس الشرق الأوسط فقيرًا بالموارد ، ولا بالتاريخ ، ولا
بالعقول ، بل يفتقر إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن أخطاء الآخرين.
فالسياسة التي تقوم على تسويق الأوهام لا تنتج استقرارًا ، كما
أن الكذب مهما طال عمره لا يستطيع أن يبني سلامًا دائمًا.
ولعل المثل العربي القديم يبقى أصدق وصف لما نعيشه اليوم: كمن فسَّر الماء بعد الجهد
بالماء.
فبعد عقود من المؤتمرات ، والقمم، والاتفاقيات ، والوعود ، لا
يزال الإنسان في هذه المنطقة يسأل السؤال ذاته الذي كان يسأله قبل نصف قرن : متى
يصبح الأمن حقًا لا استثناء ، والسلام واقعًا لا شعارًا؟
وعندما يبقى السؤال ثابتًا ، بينما تتغير أسماء الرؤساء ،
والأنظمة ، والتحالفات ، والأحزاب ، فإن المشكلة لم تعد في الأشخاص وحدهم ، بل في
ثقافة سياسية اعتادت أن تفسر الماء... بالماء، وتستبدل مواجهة الحقائق بإعادة
تدوير الخطابات ، تاركةً الشرق الأوسط يدور في الحلقة نفسها ، جيلاً بعد جيل.
تعليقات
إرسال تعليق