إصطفافات
أباطرة الكذب على بوابات صناديق العجب
ثمة
لحظات في التاريخ لا تدخلها الشعوب من باب السياسة ، بل من باب الضرورة . وحين تقف
الشعوب أمام صناديق الاقتراع بعد سنوات طويلة من الدم والخراب والانقسام ، لا تعود
الانتخابات مجرد أوراق بيضاء وحبر على أصابع الناخبين ، بل تتحول إلى امتحان أخير
للذاكرة : ماذا تعلمنا من كل ما حدث ؟ ومن نحن بعد كل هذا الموت ؟ ومن يملك الحق
في أن يطلب من الناس ثقتهم ، بعدما تبخرت الثقة بينهم وبين السياسة نفسها ؟
هكذا
تبدو الانتخابات الفلسطينية القادمة ، في ظل ما يحيط بها من ترتيبات إقليمية
ودولية ، أشبه بصناديق عجب لا يعرف أحد تماماً ماذا سيخرج منها.
فلسطين
ذاهبة ، وفق المسار الانتخابي المعلن ، إلى انتخابات تشريعية في 28 نوفمبر 2026 ،
بعد الإنتخابات الأسرائيلية بشهر تقريبا ومثلها تقريبا للإنتخابات النصفية
الأمريكية .
لكن
السؤال الحقيقي ليس : من سيفوز؟
السؤال
الأكثر قسوة هو:
أي فلسطين ستدخل هذه الانتخابات، وأي فلسطين ستخرج
منها؟
فالفلسطينيون
لا يدخلون إلى الصناديق كما دخلوا إليها في عام 2006. هناك غزة التي خرجت من حرب مدمرة ، وهناك
ضفة تتآكل تحت الاستيطان والتصعيد ، وهناك سلطة تكابد للبقاء على قيد الحياة على
وقع ضربات حكومة اليمين في إسرائيل ، وحركة فتح تبحث عن إعادة تعريف نفسها ، وحماس
تقف أمام سؤال كيف تقايض سلاحها بالبقاء على قيد الحياة ، وهناك لاعبون إقليميون
ودوليون يرون في الانتخابات جزءاً من إعادة تشكيل النظام الفلسطيني كله.
وبين
هؤلاء جميعاً ، تقف الولايات المتحدة ، بما تمثله إدارة دونالد ترامب من براعة
استثنائية في تحويل السياسة إلى صفقة ، والصفقة إلى اختبار، والاختبار إلى ممر ضيق
لا يعرف أحد أين ينتهي.
هنا
تبدأ الحكاية الغريبة.
من السلاح إلى
الصندوق
ربما
تكون أكثر المفارقات إثارة في المشهد الفلسطيني أن الحركة التي دخلت السلطة ذات
يوم عبر صندوق الاقتراع ، ثم خرجت منه إلى الحكم بقوة السلاح ، قد تجد نفسها اليوم
أمام امتحان العودة إلى الصندوق من جديد.
حماس
لم تعد تقف أمام السؤال القديم: هل نشارك في الانتخابات أم لا؟
السؤال
تغير.
السؤال
الآن هو :
بأي
ثمن؟
فبعد
حرب غزة ، وبعد التحولات التي فرضتها الخطة الأمريكية الحالية ، أصبح السلاح جزءاً
من معادلة سياسية دولية أكبر بكثير من غزة نفسها . فالخطة الأمريكية المطروحة تربط
بين نزع سلاح حماس وإعادة ترتيب الحكم والأمن في القطاع ، بينما لا تزال هناك
خلافات حادة حول ترتيب الخطوات بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح.
وهنا
يصبح الانتقال من البندقية إلى ورقة الاقتراع أكثر تعقيداً من مجرد قرار تنظيمي.
إنه
انتقال من فلسفة إلى فلسفة.
من
الاعتقاد بأن الشرعية يمكن أن تأتي من القوة ، إلى الاعتراف بأن الشرعية تحتاج إلى
المجتمع.
ومن
هنا يمكن فهم كل ما يدور حول مشاركة حماس المحتملة في الانتخابات باعتباره جزءاً
من سؤال أكبر: هل تستطيع الحركة أن تتحول من فصيل مسلح يملك مشروعاً سياسياً إلى
قوة سياسية تقبل بقواعد اللعبة الديمقراطية كاملة؟
ذلك
هو الامتحان.
لا
الانتخابات.
محمد دحلان… أم
المرآة التي يخاف الجميع النظر فيها؟
وفي
مكان آخر من المشهد يظهر اسم محمد دحلان.
اسمٌ
لا يحتاج في السياسة الفلسطينية إلى تعريف ، ولا يدخل أي غرفة مفاوضات من دون أن
يترك خلفه ظلاً من الأسئلة.
وقد
شهدت العلمين في يوليو الماضي مشاورات لتشكيل قائمة انتخابية وطنية عريضة ، شارك
فيها ممثلون عن حماس والتيار الإصلاحي في فتح والجبهة الشعبية ، بحضور دحلان وسمير
المشهراوي ، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام قوى أخرى.
هنا
تبدأ الروايات.
يقول
البعض إن دحلان يمكن أن يكون جسراً لمشاركة حماس في ترتيبات سياسية جديدة ، وأنه
سيقوم بدعم إماراتي بتجنيد أموال على شكل مكافئة نهاية خدمة مجزية لموظفين حماس
الذين سيخرجون من الوظيفة العمومية في قطاع غزة .
ويقول
آخرون إنه أحد مفاتيح واشنطن الإقليمية.
ويقول
ثالث إن الرجل لا يمثل إلا تياراً منشقاً عن فتح.
لكن
السياسة الفلسطينية ، في لحظاتها الغريبة ، لا تحتاج إلى أن تكون الرواية صحيحة
بالكامل حتى تصبح مؤثرة.
يكفي
أن يصدق بها اللاعبون.
وهكذا
يصبح دحلان في هذه المعادلة أكثر من شخص.
يصبح
بوابة محتملة.
بوابة
يمكن أن تدخل منها حماس إلى المشهد السياسي الجديد ، ويمكن أن تدخل منها أطراف
عربية وإقليمية إلى إعادة ترتيب البيت الفلسطيني ، ويمكن أن تستخدمها واشنطن كجزء
من هندسة ما بعد الحرب.
لكن
هنا ينبغي الحذر من تحويل الاحتمال إلى حقيقة.
فالقول
إن دحلان هو "بوابة حماس الوحيدة" أو أن واشنطن قررت مسبقاً أن يكون هو
عراب المرحلة المقبلة يحتاج إلى أدلة لا توفرها المعطيات العلنية الحالية.
والسياسة،
مثل الصحافة ، تكره اليقين المصطنع.
يا لها من قائمة!
تخيلوا
المشهد للحظة:
حماس.
التيار
الإصلاحي في فتح.
الجبهة
الشعبية.
ربما
الجبهة الديمقراطية.
ربما
المباردة.
وربما
آخرون ممن يسمون نفسهم بالمستقلين.
ومحمد
دحلان في الخلفية.
وأمامهم
جميعاً اسم واحد يثير حنقهم : محمود عباس.
هكذا
يمكن أن تتشكل واحدة من أغرب خرائط التحالف السياسي الفلسطيني.
خصوم
الأمس يجلسون إلى طاولة واحدة ، ليس لأنهم أحبوا بعضهم فجأة ، بل لأن الخصم
المشترك أحياناً أقوى من الاختلاف الأيديولوجي.
وهذه
هي السياسة في أكثر صورها براغماتية.
فاليسار
الذي طالما انتقد الإسلام السياسي قد يجد نفسه في قائمة واحدة مع حماس.
والتيار
الإصلاحي في فتح قد يجد نفسه في مواجهة قيادة فتح التقليدية.
وحماس
التي خاضت حرباً سياسية وعسكرية طويلة مع السلطة قد تجد نفسها في تحالف انتخابي مع
شخصيات ارتبطت تاريخياً بخصومها.
كل
شيء ممكن في السياسة.
إلا
أن يقال إن كل شيء مستحيل.
لكن
هل يستطيع هذا الخليط أن يصنع برنامجاً وطنياً؟
هنا
تكمن الكارثة.
من يكتب
برنامجاً فوق الركام؟
من
السهل جداً أن تكتب برنامجاً انتخابياً في بلد يعيش حياة طبيعية.
تكتب
عن التعليم.
والاقتصاد.
والصحة.
والبطالة.
والضرائب.
والبنية
التحتية.
أما
في فلسطين اليوم، فأنت مطالب بأن تكتب برنامجاً فوق الركام.
كيف
تكتب عن الاقتصاد بينما الجزء الأكبرمن غزة يحتاج إلى إعادة بناء؟
كيف
تكتب عن الأمن بينما الأمن نفسه أصبح سؤالاً سياسياً؟
كيف
تكتب عن السلاح؟
كيف
تكتب عن علاقة غزة بالضفة؟
كيف
تكتب عن إسرائيل؟
كيف
تكتب عن الولايات المتحدة؟
كيف
تكتب عن مستقبل السلطة؟
كيف
تكتب عن منظمة التحرير؟
كيف
تكتب عن الدولة الفلسطينية؟
وكيف
تقول للناس إن غداً سيكون أفضل، بينما لا يزال كثيرون يبحثون عن الأمس بين
الأنقاض؟
هذه
ليست انتخابات عادية.
إنها
محاولة لإعادة تعريف فلسطين نفسها.
من يراهن على
ترامب؟
أما
من يعتقد أن إدارة دونالد ترامب ستمنح أحداً شيكاً سياسياً على بياض ، فربما يحتاج
إلى إعادة قراءة الرجل.
ترامب
لا يعمل بمنطق العواطف السياسية.
هو
لا يسأل غالباً : من صاحب الحق؟
بل
يسأل : ماذا سأحصل في المقابل؟
وهذا
هو الفرق بين السياسة التقليدية والسياسة الترامبية.
لقد
تعاملت الإدارة الأمريكية الحالية مع ملف غزة عبر معادلة تقوم على الأمن ونزع
السلاح وإعادة تشكيل الإدارة ، مع وجود ترتيبات دولية وإقليمية جديدة . وفي الوقت
ذاته، أثبتت التطورات الأخيرة أن تنفيذ الخطة يصطدم بتعارضات عميقة بين إسرائيل
وحماس حول التسلسل والضمانات.
لذلك
، فإن الرهان على ترامب باعتباره "ضامن المستقبل الفلسطيني" وحده ليس
سياسة.
إنه
مقامرة.
وقد
يكون أخطر ما في المقامرة السياسية أن اللاعب لا يخسر ماله فقط.
أحياناً
يخسر وطناً.
صناديق العجب
لكن
المفارقة الكبرى ليست في ترامب ، ولا في دحلان، ولا في حماس ، ولا في فتح.
المفارقة
في الفلسطيني نفسه.
ذلك
الفلسطيني الذي سيذهب إلى الصندوق.
ماذا
سيختار؟
هل
سيختار الماضي؟
أم
المستقبل؟
هل
سيصوت لمن وعده بالنصر؟
أم
لمن يعده بالحياة؟
هل
يريد بندقية أخرى؟
أم
مدرسة؟
هل
يريد خطاباً جديداً عن المقاومة؟
أم
بيتاً جديداً لطفله؟
هل
يريد شعارات عن التحرير؟
أم
وطناً يستطيع أن يعيش فيه قبل أن يحرره؟
هذه
الأسئلة ليست ضد المقاومة.
وليست
لصالح الاستسلام.
إنها
أسئلة الحياة.
فالسياسة
التي لا تستطيع حماية الحياة تتحول في النهاية إلى طقس جنائزي طويل.
المشكلة ليست في
الصندوق
قد
يكون الخطأ أن نحمّل الانتخابات أكثر مما تستطيع.
فالانتخابات
لا تصنع المعجزات.
الصندوق
لا يعيد بناء غزة.
ولا
يوقف الاستيطان وحده.
ولا
ينهي الاحتلال وحده.
ولا
يوحد الفلسطينيين بمجرد إعلان النتائج.
لكن
الصندوق يستطيع أن يفعل شيئاً واحداً بالغ الأهمية:
أن يعيد القرار إلى الناس.
وهذا
وحده إنجاز تاريخي إذا جاء في انتخابات نزيهة ، شاملة، وتنافسية.
وقد
أظهرت الانتخابات المحلية الفلسطينية في أبريل 2026 أن العملية الديمقراطية لا
تزال ممكنة ، لكنها كشفت أيضاً عن ضعف المشاركة وعن فجوة الثقة بين المجتمع
والقيادة ، بينما قاطعت حماس الانتخابات المحلية رسمياً رغم حضور مؤيدين لها في
بعض المناطق.
وهنا
يجب ألا نكرر الخطأ القديم.
لا
يكفي أن تكون الانتخابات موجودة.
يجب
أن تكون قابلة للتصديق.
إصطفافات أباطرة
الكذب
ربما
يبدو العنوان قاسياً.
لكننا
نعيش زمناً أصبح فيه السياسي قادراً على بيع الوهم قبل أن يبيع البرنامج.
كل
طرف سيأتي بقصته.
حماس
ستقول إنها خرجت من الحرب أكثر صلابة.
فتح
ستقول إنها صاحبة الشرعية التاريخية.
دحلان
سيقول إن المستقبل يحتاج إلى تجديد.
اليسار
سيقول إن فلسطين أكبر من الفصيل.
والولايات
المتحدة ستقول إنها تريد السلام.
وإسرائيل
ستقول إنها تريد الأمن.
والعرب
سيقولون إنهم يريدون الاستقرار.
وفي
النهاية، سيقف المواطن الفلسطيني أمام الصندوق.
وحده.
بلا
مترجم.
بلا
وسيط.
وبلا
طاولة تفاوض.
وسيمسك
القلم.
في
تلك اللحظة تحديداً، تسقط كل الأقنعة.
فالانتخابات
ليست امتحاناً للأحزاب فقط.
إنها
امتحان للناخب.
وإذا
كان السياسيون قد أمضوا سنوات في صناعة الروايات، فإن الناخب يستطيع أن يفعل ما هو
أخطر من تكذيبهم:
أن يتجاهلهم.
الخلاصة
ربما
تكون فلسطين أمام واحدة من أكثر لحظاتها السياسية غرابة.
حماس
تبحث عن مكان في نظام سياسي جديد.
فتح
تبحث عن تجديد شرعيتها.
دحلان
يظهر في مساحات كانت مغلقة أمامه.
اليسار
يبحث عن معنى جديد لوجوده.
والولايات
المتحدة تحاول هندسة مرحلة ما بعد الحرب.
أما
إسرائيل فتراقب كل ذلك وهي تدرك أن الانتخابات الفلسطينية ليست مجرد شأن فلسطيني.
ومن
هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول الانتخابات إلى صفقة بين النخب.
وأجمل
ما يمكن أن يحدث هو العكس تماماً:
أن
تصبح الانتخابات صفقة بين الشعب ومستقبله.
فليست
المشكلة أن تجتمع حماس ودحلان واليسار وخصوم فتح في قائمة واحدة.
السياسة
تسمح بأغرب التحالفات.
المشكلة
أن يجتمعوا جميعاً دون أن يعرفوا إلى أين يريدون الذهاب.
فالوطن
ليس قائمة انتخابية.
والوطن
ليس صفقة.
والوطن
ليس جائزة لمن ينتصر على خصمه.
الوطن
هو المكان الذي يجب أن يتسع للجميع.
ولذلك،
فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل أسماء المرشحين ليس:
من معنا؟
ولا:
من ضد محمود عباس؟
ولا:
من يرضى عنه ترامب؟
بل:
من يستطيع أن يعيد للفلسطينيين حقهم في أن يكونوا
شعباً لا ساحةً لمشاريع الآخرين؟
هناك
فقط تبدأ السياسة.
وهناك
فقط يصبح للصندوق معنى.
أما
إذا دخلنا الانتخابات بعقلية الغلبة ذاتها التي أدخلتنا إلى الانقلاب والدم ،
وباللغة ذاتها التي صنعت الحروب، وبالتحالفات ذاتها التي لا يجمعها إلا كره الخصم،
فلن تكون الصناديق إلا مرآة جديدة لانقسام قديم.
وسيكتشف
الفلسطيني، بعد إغلاق آخر صندوق، أن أباطرة السياسة قد غيّروا مواقعهم فوق المسرح ،
بينما بقي الجمهور نفسه جالساً على مقاعد الانتظار.
لكن
هذه المرة، ربما يكون للجمهور قلم.
وربما
يكون القلم أقوى من كل ما سبق.
لأن الشعوب التي
دفعت ثمن السياسة من دمها ، يحق لها أخيراً أن تدفع ثمنها من حبرها فقط.
تعليقات
إرسال تعليق