القائمة الرئيسية

الصفحات

 


إلتمّ المتعوس على خايب الرجا

هناك أمثال شعبية تولد من أفواه الناس ثم تكبر ، لأنها تقول في كلمات قليلة ما تعجز الخطب الطويلة عن قوله . ومن أكثرها قسوة ومرارة ذلك المثل: « إلتمّ المتعوس على خايب الرجا».  وهو مثل لا يحتاج إلى كثير من الشرح ؛ فالمتعوس هو الذي طارده سوء الإختيارات حتى صار التعثر جزءاً من سيرته ، وخايب الرجا هو الذي يطارد أملاً يعرف ، في أعماقه ، أنه لن يأتي . وحين يلتقي الاثنان ، لا يعني ذلك بالضرورة أن الحظ سيتغير ، بل قد يعني أن كلاً منهما وجد في الآخر ما يشبهه : هزيمة تبحث عن هزيمة ، وخيبة تمد يدها إلى خيبة ، وماضيًا مثقلاً بالجراح يحاول أن يعقد تحالفاً مع مستقبل لم يولد بعد.

هكذا ، على نحو أو آخر، يمكن النظر إلى الحديث المتصاعد عن تقارب أو تحالف انتخابي محتمل بين حركة حماس وتيار محمد دحلان. لا بوصفه تحالفاً عادياً بين قوتين سياسيتين اكتشفتا فجأة فضائل الوحدة الوطنية ، بل بوصفه أحد أكثر المشاهد الفلسطينية مفارقةً بعد سنوات طويلة من الدم والانقسام والخصومة . فالرجل الذي خرج من غزة تحت هدير الصدام المسلح عام  2007 ، والحركة التي أحكمت قبضتها على القطاع بعد ذلك الصدام ، يجلسان اليوم ، أو يقتربان من الجلوس ، أمام خريطة واحدة ، يبحثان عن طريق إلى الصندوق بعد أن امتلأت الطرق السابقة بالرصاص.

المشهد نفسه يكاد يقول:  إن السياسة لا تعرف المستحيل ، لكنها تعرف جيداً كيف تجعل المستحيل مادةً للمساومة.

التقارير والمشاورات العلنية خلال الأيام الأخيرة تؤكد وجود اتصالات بين حماس وتيار الإصلاح الديمقراطي في فتح الذي يقوده محمد دحلان ، في إطار بحث إمكان تشكيل ائتلاف انتخابي أوسع ، إلى جانب قوى وشخصيات فلسطينية أخرى . لكن الحديث لا يزال يدور في فضاء الاحتمال والمفاوضات ، ولم يتحول ، وفق المعطيات العلنية ، إلى قائمة نهائية معلنة.

لكن ما الذي يمكن أن يجمع بين طرفين كانا ، قبل أقل من عقدين ، على طرفي نقيض من البندقية؟

من رصاص 2007 إلى أوراق الاقتراع

في السياسة الفلسطينية ، لا تموت الأحداث لأنها مضى عليها الزمن . تبقى معلقة في الذاكرة ، كصور قديمة على جدار بيت مهجور. وعام 2007 ليس تفصيلاً في سيرة حماس أو دحلان ، بل هو أحد أكثر الفصول دمويةً وحساسيةً في تاريخ الانقسام الفلسطيني الحديث.

هناك، في غزة ، انقسم البيت حتى سال الدم بين غرفه.

هناك ، أصبح السلاح الذي كان يُفترض أن يحمل وجهاً واحداً في مواجهة الاحتلال ، جزءاً من صراع داخلي على السلطة والشرعية.

وهناك ، خرج محمد دحلان من المشهد الغزي ، بينما خرجت حماس من الصندوق إلى السيطرة الكاملة على القطاع.

ولم يكن الخاسر الحقيقي في تلك المعركة تنظيماً أو شخصاً ، بل الفكرة الفلسطينية نفسها ؛ فكرة أن يكون للشعب قرار واحد ، ومؤسسات واحدة ، وقانون واحد ، وسلاح يخضع لقرار سياسي واحد.

واليوم ، بعد ما يقارب عقدين ، تعود الأسماء نفسها إلى الطاولة ، ولكن ليس لأن التاريخ سامح أحداً ، بل لأن الواقع أصبح أكثر قسوة من الخصومات القديمة.

حماس خرجت من الحرب الأخيرة وهي تواجه سؤالاً وجودياً حول مستقبل حكمها وسلاحها ودورها السياسي . وخطة غزة التي تناقشها واشنطن والوسطاء تقوم ، في جوهر جانب منها ، على ربط إعادة ترتيب القطاع بمسألة نزع السلاح وإعادة بناء الإدارة المدنية . وفي الأيام الأخيرة ، تحدثت تقارير عن لقاءات مباشرة بين ممثلين عن حماس ومبعوثين أمريكيين ، ضمن نقاشات تتعلق بالمرحلة التالية وبمسار نزع السلاح وإعادة تشكيل إدارة غزة.

أما دحلان، فهو الرجل الذي لم تعد السياسة الفلسطينية قادرة على التعامل معه بوصفه مجرد صفحة من الماضي . فبعد سنوات من المنفى ، أعاد بناء شبكة من العلاقات الإقليمية ، خصوصاً في الإمارات ، وحافظ على حضور سياسي واجتماعي مرتبط بغزة ، فيما تتحدث تقارير عن سعيه إلى العودة إلى قلب المشهد السياسي الفلسطيني عبر تحالفات جديدة وانتخابات مرتقبة.

وهكذا يلتقي الطرفان ، لا فوق أرض الماضي ، بل فوق أنقاضه.

حماس تبحث عن مخرج سياسي.

ودحلان يبحث عن عودة سياسية.

ومن هنا تبدأ فلسفة المثل الشعبي : هل التقى المتعوس بخايب الرجا ، أم التقى خصمان قديمان لأن كلاً منهما اكتشف أن الطريق وحده لم يعد يؤدي إلى شيء؟

هل لعبت المناطقية دوراً؟

وهنا يبرز السؤال الذي لا يحب كثيرون الاقتراب منه ، لأنه يلامس واحداً من أكثر الأعصاب حساسية في الحياة الفلسطينية:  هل لعب العامل المناطقي ، وتحديداً الانتماء إلى غزة ، دوراً في هذا التقارب؟

الجواب الأكثر صدقاً هو: نعم ، يمكن أن يكون عاملاً مؤثراً ، لكنه بالتأكيد ليس التفسير الوحيد ، ولا يجوز اختزال التحالف كله في الجغرافيا.

فدحلان ابن غزة ، وحماس حكمت غزة طوال سنوات ، وقيادات كثيرة في الطرفين تشكل وعيها السياسي والاجتماعي داخل البيئة الغزية نفسها . وبعد كل ما أصاب القطاع ، أصبحت غزة ليست مجرد مكان ، بل هوية سياسية جديدة فرضتها الحرب والحصار والدمار والنزوح.

حين يُدمَّر المكان ، تصبح الجغرافيا أكثر من جغرافيا.

تصبح ذاكرة.

ويصبح ابن المدينة ، حتى وهو يختلف مع ابنها الآخر ، محكوماً أحياناً بسؤال:  من سيعيد إلينا ما فقدناه؟

لقد أنتجت سنوات الانقسام واقعاً جعل غزة والضفة تعيشان تجربتين سياسيتين مختلفتين إلى حد بعيد . غزة عاشت الحصار والحروب وحكماً منفرداً ودماراً متراكماً ، بينما عاشت الضفة واقعاً مختلفاً من الاحتلال والاستيطان والتجزئة والسلطة المحدودة . ثم جاءت الحرب الأخيرة لتجعل المسافة النفسية والسياسية بين التجربتين أكبر من مجرد المسافة الجغرافية.

وهنا يمكن للمناطقية أن تتسلل إلى السياسة من دون أن تعلن عن نفسها.

ليس بالضرورة أن يقول أحد: «نحن أبناء غزة فلنتحالف».

السياسة أكثر دهاءً من ذلك.

يكفي أن تتشابه المصالح والذاكرة والشبكات الاجتماعية والبحث عن مستقبل القطاع ، حتى تصبح الجغرافيا عاملاً صامتاً في ترتيب التحالفات.

لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول غزة من جزء من المشروع الوطني إلى مشروع بديل عنه.

عندما تصبح إعادة ترتيب الحكم في غزة أهم من سؤال الوحدة الفلسطينية.

وعندما تتحول المعاناة الغزية إلى رصيد انتخابي أو بطاقة عبور إلى السلطة.

فغزة ليست غنيمة لمن يربح الانتخابات ، وليست مملكة لمن يملك المال ، وليست مكافأة لمن ينجح في عقد التفاهمات الدولية.

غزة جزء من فلسطين.

ومن ينسى ذلك ، مهما كان شعاره ، سيعيد إنتاج الانقسام بلغة جديدة.

المصالح تصنع ما لا تصنعه المحبة

لنكن صريحين : السياسة لم تُبنَ يوماً على المحبة.

لا أحد يتوقع أن حماس استيقظت فجأة لتقول إن دحلان كان على حق طوال السنوات الماضية ، ولا أن دحلان اكتشف بين ليلة وضحاها أن كل ما فعلته حماس كان صحيحاً.

هذه ليست قصة مصالحة عاطفية.

إنها تقاطع مصالح.

حماس تحتاج إلى مظلة سياسية أوسع ، خصوصاً في مرحلة تواجه فيها ضغوطاً هائلة بشأن مستقبل سلاحها ودورها في الحكم . وهي أعلنت بالفعل رغبتها في خوض الانتخابات ضمن أوسع ائتلاف وطني ممكن ، وإجراء اتصالات مع تيارات وفصائل مختلفة.

ودحلان يحتاج إلى تحالفات تتجاوز حدود تياره الخاص ، لأن العودة إلى السياسة الفلسطينية من الباب الكبير تتطلب كتلة انتخابية وشبكة أوسع من الأنصار والخصوم السابقين.

وبين الحاجة والحاجة ، تصبح الذاكرة قابلة للتفاوض.

لكن السؤال الأهم ليس: هل يستطيعان التحالف؟

السياسة تقول نعم.

السؤال هو: على ماذا سيتحالفان؟

هل على برنامج وطني واضح؟

أم على خصم مشترك؟

وهنا يكمن الفارق بين التحالف السياسي والتحالف الانتقامي.

فليس من الصعب أن تجمع الخصومة بالرئيس الفلسطيني أو بقيادة فتح أطرافاً متناقضة أيديولوجياً وسياسياً.

لكن ماذا بعد أن يجتمعوا؟

هل يستطيع الإسلام السياسي واليسار وخصوم فتح وتيار دحلان أن يكتبوا برنامجاً واحداً حول السلاح؟

وحول منظمة التحرير؟

وحول السلطة؟

وحول العلاقة مع إسرائيل؟

وحول شكل الدولة؟

وحول علاقة غزة بالضفة؟

وحول المستقبل الإقليمي؟

إن التحالف الذي يعرف جيداً من يكره ، ولا يعرف إلى أين يريد الذهاب ، هو تحالف يسير بعينين مفتوحتين نحو الحائط.

غزة : الجرح الذي يعيد ترتيب الجميع

لقد غيّرت الحرب الأخيرة قواعد اللعبة.

لم تعد القضية تتعلق فقط بمن يحكم غزة ، بل بمن يستطيع أن يضمن الحياة فيها.

من يستطيع أن يعيد الكهرباء؟

من يستطيع أن يفتح المدارس؟

من يستطيع أن يمنع الحرب القادمة؟

من يستطيع أن يعيد بناء البيت ، لا أن يرفع فوق ركامه خطاباً جديداً؟

لهذا فإن السياسة بعد الدمار ليست كما كانت قبله.

الشعارات التي كانت تصلح في زمن الساحات قد لا تصلح في زمن الخيام.

والكلمات التي كانت تهز الجماهير قد لا تُطعم طفلاً.

ومن هنا تأتي فرصة أي تحالف محتمل بين حماس ودحلان : أن يعترف الطرفان بأن الزمن تغيّر، وأن غزة لا تستطيع أن تبقى رهينة الماضي.

لكن هنا أيضاً يأتي تهديده الأكبر.

فإذا كان التحالف مجرد إعادة تدوير لوجوه قديمة في مركب جديد ، فلن يكون سوى نسخة أخرى من المشكلة.

فالشعب لا يحتاج إلى تحالف بين من أخطأوا أمس لكي يختلفوا على من يملك حق الخطأ غداً.

الشعب يحتاج إلى من يقول له الحقيقة.

والحقيقة ، مهما كانت مؤلمة ، هي أن غزة دفعت ثمناً هائلاً للانقسام ، وللحكم الأحادي ، وللسلاح الخارج عن الإجماع الوطني ، وللفشل في بناء نظام سياسي قادر على احتواء الجميع.

إلتمّ المتعوس على خايب الرجا... أم تعلّم الدرس؟

ربما يقول البعض إن العنوان قاسياً على حماس ودحلان معاً.

لكن القسوة أحياناً ليست في الكلمات ، بل في المرآة التي تكشفها الكلمات.

حماس، بعد كل ما جرى ، لا تستطيع أن تدخل مرحلة جديدة وكأن شيئاً لم يحدث . عليها أن تجيب عن أسئلة الحكم والحرب والسلاح والانقسام والمستقبل.

ودحلان لا يستطيع أن يعود إلى المشهد وكأن عام 2007 لم يكن ، وكأن سنوات الخصومة والاتهامات والدم لم تترك ندوباً في الذاكرة الفلسطينية.

لا أحد يستطيع أن يطلب من الشعب أن ينسى.

لكن يمكن للجميع أن يتعلم.

وهنا يكمن الفرق بين تحالف المتعوس وخايب الرجا وتحالف سياسي حقيقي.

إذا اجتمع الطرفان لأن كلاً منهما يبحث عن مصلحة شخصية أو فئوية ، فسيكون المثل في مكانه تماماً.

أما إذا اجتمعا على برنامج يقرّ بأن لا عودة إلى حكم منفرد ، ولا إلى سلاح منفصل عن القرار الوطني ، ولا إلى غزة كجزيرة سياسية ، ولا إلى انتخابات تكون مجرد جولة جديدة في حرب أهلية مؤجلة ، فقد يكون في اللقاء ما هو أكبر من الحسابات الشخصية.

إن الاختبار الحقيقي ليس في صورة المصافحة.

الصور سهلة.

الاختبار في الجواب عن سؤال واحد:

هل يستطيع من حملوا السلاح ضد بعضهم أن يضعوا فلسطين فوق أنفسهم؟

الخلاصة

قد تلعب غزة ، كهوية وذاكرة ومصلحة وجرح مشترك ، دوراً في التقارب بين حماس ومحمد دحلان . وقد تكون المناطقية عاملاً كامناً في الخلفية ، تغذيه شبكة العلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي نشأت عبر عقود داخل القطاع.

لكن من الخطأ تفسير كل شيء بالمناطقية.

فالسياسة الفلسطينية اليوم تحركها أيضاً الحاجة إلى البقاء ، وإعادة التموضع ، وضغوط ما بعد الحرب ، ومستقبل السلاح ، والانتخابات ، والصراع على الشرعية ، والحسابات الإقليمية والدولية.

ولهذا فإن حماس ودحلان لا يلتقيان فقط لأنهما من غزة.

إنهما يلتقيان لأن غزة نفسها أصبحت امتحاناً للجميع.

فإما أن تكون الجغرافيا جسراً نحو وحدة وطنية حقيقية ، وإما أن تتحول إلى جدار جديد يفصل الفلسطيني عن الفلسطيني.

وإما أن يكون التحالف اعترافاً بأن سنوات الخصومة أوصلت الجميع إلى طريق مسدود ، وإما أن يكون مجرد محاولة للهروب من الحساب.

وفي النهاية ، لا قيمة لأي قائمة انتخابية ، مهما اتسعت، إذا كانت قائمة على الكراهية أكثر مما هي قائمة على الرؤية.

ولا قيمة لتحالف يضم المتناقضين إذا كان لا يستطيع أن يشرح للناس ماذا سيفعل في اليوم التالي للفوز.

فالسياسة ليست أن تجمع أكبر عدد من الخصوم في صورة واحدة.

السياسة أن تجعلهم ، ولو للمرة الأولى ، يتفقون على ألا يدفع الشعب ثمن اختلافهم مرة أخرى.

أما إن اجتمعوا اليوم على صندوق ، بعد أن افترقوا بالأمس على بندقية ، ثم عادوا غداً إلى ذات الغرائز القديمة ، فلن تكون الحكاية تحالفاً ولا مصالحة ولا إنقاذاً وطنياً.

سيقول الفلسطيني ، وهو ينظر إلى المسرح نفسه والوجوه التي تغيّر أماكن جلوسها:

إلتمّ المتعوس على خايب الرجا... ولم يتغير شيء.

تعليقات