دونالد ترامب... يحط من قيمة مهنة الاحتيال السياسي
"الكاذب الحقيقي
ليس من يكذب مرة، بل من يجعل الناس يشكّون في صدق الحقيقة نفسها."
كانت مهنة النصب
والاحتيال ، عبر التاريخ، تحتاج إلى شيء من الذكاء . كان المحتال يقضي سنوات وهو
يتعلم كيف يخفي الكذبة داخل نصف حقيقة ، وكيف ينسج خيوط روايته بدقة حتى لا ينكشف
سريعاً . وكان يعلم أن رأس ماله الوحيد هو المصداقية ؛ فإذا سقطت ، انتهت مهنته ،
وأصبح مجرد مهرج يروي القصص في المقاهي . لكن العالم ، منذ أن عاد دونالد ترامب
إلى البيت الأبيض ، اكتشف أن حتى المحتالين يمكن أن يشعروا بالإهانة . فالرجل لم
يكتفِ بإعادة تعريف السياسة ، بل أعاد تعريف الكذب نفسه ، حتى باتت مهنة النصب
والاحتيال تبدو أمامه حرفة محافظة تحترم قواعدها أكثر مما يحترم هو قواعد السياسة.
في الشرق الأوسط
، لم يعد الناس ينامون على خبر حتى يستيقظوا على نقيضه . تصريح يتحدث عن سلام وشيك
، يعقبه تهديد بحرب . اتصال هاتفي يقال إنه غيّر وجه المنطقة ، ثم يتبين أن الطرف
الآخر لم يسمع به أصلاً . هدنة يُحتفل بها في الصباح ، لتتحول مساءً إلى موجة
جديدة من القصف . عقوبات تُعلن ثم تُجمّد ، ومفاوضات تبدأ قبل أن تنتهي ، وتنتهي
قبل أن تبدأ . كأن المنطقة كلها تحولت إلى مسرح كبير ، لا يكتب نصوصه رجال الدولة ،
بل مؤلف روايات بوليسية يعشق المفاجآت أكثر مما يعشق الحقيقة.
لم تعد المشكلة
في أن ترامب يبالغ ، فالمبالغة جزء من لغة السياسة منذ فجر التاريخ . المشكلة أنه
حوّل المبالغة إلى أسلوب حكم ، والكلام إلى بديل عن الوقائع . فالرجل لا يبدو
معنياً دائماً بأن تكون الرواية صحيحة ، بقدر ما يكون معنياً بأن تبقى هي الرواية
المتداولة . ففي عالمه ، الخبر الذي يسيطر على العناوين أهم من الخبر الذي حدث
فعلاً ، والصورة التي تُصنع أمام الكاميرات أكثر قيمة من النتائج التي تُصنع على
الأرض.
هكذا وجد الشرق
الأوسط نفسه يعيش على إيقاع تصريحات لا تكاد تصمد ساعات أمام اختبار الواقع .
إيران تسمع لغة النار ثم تُدعى إلى الحوار . إسرائيل تُمنح دعماً غير محدود ، ثم
تُطلب منها فجأة ممارسة ضبط النفس . غزة تُبشَّر بقرب انفراج إنساني ، ثم تستيقظ
على جولة جديدة من المآسي . لبنان يعيش بين الوعود والإنذارات ، وسوريا بين
التطمينات والرسائل العسكرية ، أما الخليج فيراقب مضيق هرمز وكأنه ساعة رملية تسقط
حباتها ببطء ، فيما العالم ينتظر معرفة أي تغريدة أو تصريح قد يشعل الشرارة
التالية.
وليس هذا كله
سوى وجه واحد للمفارقة . فالمحتال التقليدي يحاول إقناع ضحيته مرة واحدة ، أما في
السياسة الجديدة ، فإن الشعوب تُطلب منها إعادة التصديق كل صباح ، مهما كانت
أكاذيب الأمس قد انكشفت . وكأن الذاكرة لم تعد عنصراً في صناعة الرأي العام ، بل
عبئاً يجب التخلص منه.
المفارقة الأشد
قسوة أن هذه الطريقة لا تضر الخصوم وحدهم ، بل تلتهم الثقة بالنظام الدولي كله .
فحين يصبح التصريح الرسمي قابلاً للتبدل خلال ساعات ، وحين تتحول السياسة إلى
سلسلة من الرسائل المتناقضة ، يبدأ الحلفاء قبل الخصوم بالتساؤل : أي نسخة هي
الحقيقية ؟ وأي وعد يمكن البناء عليه ؟ وأي تهديد ينبغي أخذه على محمل الجد ؟
وهنا تكمن
الخطورة. فالحروب لا تشتعل دائماً بسبب
سوء النيات ، بل كثيراً ما تشتعل بسبب سوء التقدير. وإذا فقدت الأطراف القدرة على
التمييز بين التهديد الحقيقي والتهديد الدعائي ، وبين المبادرة الجادة والمناورة
الإعلامية ، فإن هامش الخطأ يتسع ، ويصبح إطلاق الرصاصة أسهل من سحبها.
لقد أصبح الشرق
الأوسط، منذ سنوات ، يعيش في حالة من الإرهاق السياسي . ليس فقط بسبب كثرة الحروب ،
بل بسبب كثرة الروايات المتناقضة عنها . فكل طرف يعلن النصر قبل أن تبدأ المعركة ،
وكل طرف يعلن السلام وهو يهيئ أدوات الحرب ، حتى غدا المواطن العادي عاجزاً عن
معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ العرض الإعلامي.
ولو عاد كبار
المحتالين الذين ملأوا كتب التاريخ ، لربما وقفوا مدهوشين أمام هذا المشهد . كانوا
يعلمون أن نجاح الخدعة يتطلب ندرتها ، أما إذا تحولت الخدعة إلى قاعدة يومية ،
فإنها تفقد قيمتها . حتى الكذب يحتاج إلى اقتصاد في استخدامه ، وإلا فقد تأثيره .
أما حين يصبح كل شيء قابلاً للتغيير في أي لحظة ، فإن الكذب نفسه يفقد هيبته ،
ويصبح مجرد ضوضاء.
ولعل أكثر ما
يلفت النظر أن هذا الأسلوب لا يترك أحداً رابحاً . فالخصوم يزدادون شراسة لأنهم لا
يثقون بالوعود ، والحلفاء يزدادون قلقاً لأنهم لا يثقون بالضمانات ، والأسواق تهتز
لأن المستثمرين لا يعرفون أي تصريح سيبقى قائماً حتى نهاية الأسبوع ، والشعوب تدفع
الثمن لأنها آخر من يعلم ، وأول من يتلقى نتائج المغامرات السياسية.
إن السياسة،
مهما كانت قاسية ، تقوم في النهاية على حد أدنى من القدرة على التنبؤ . أما إذا
أصبحت قائمة على المفاجآت الدائمة ، فإنها تتحول إلى إدارة للأزمات لا إلى صناعة
للحلول . والفرق بين رجل الدولة وصانع العناوين أن الأول يحاسب على النتائج ، أما
الثاني فيكتفي بأن يبقى اسمه في صدر الأخبار.
خلاصة القول:
ربما بالغ
التاريخ في وصف بعض السياسيين بأنهم بارعون في الخداع ، لكن زمننا أضاف نموذجاً
مختلفاً ؛ نموذجاً لا يكتفي بتغيير الوقائع ، بل يغيّر الرواية عنها كلما احتاج
إلى ذلك . وهنا لا تعود المشكلة في صدق الرجل أو كذبه ، بل في أثر هذا الأسلوب على
عالم يعيش أصلاً فوق برميل من الأزمات.
لقد كانت مهنة
النصب والاحتيال، على كل ما فيها من سوء ، تقوم على قواعد دقيقة ؛ أما حين تصبح
السياسة نفسها مسرحاً للتناقضات اليومية ، فإن حتى المحتالين قد يجدون أنفسهم
مضطرين للدفاع عن سمعة مهنتهم . وفي عالمٍ تتراجع فيه قيمة الكلمة ، وتفقد فيه
الوعود وزنها ، يصبح أخطر ما يمكن أن يحدث ليس انتشار الكذب ، بل اعتياد الناس
عليه حتى يكفوا عن البحث عن الحقيقة . عندها لا يكون الخاسر خصماً أو حليفاً ، بل
السياسة نفسها ، ومعها الثقة التي تقوم عليها العلاقات بين الدول ، ويغدو الشرق
الأوسط أسير دورة جديدة من الوعود المؤجلة ، والأزمات المتجددة ، والحقائق التي
تضيع وسط الضجيج.
تعليقات
إرسال تعليق