القائمة الرئيسية

الصفحات

 


أموال الخليج بخدمة أجندة بنيامين

(نتنياهو يستبدل الحقائب القطرية بأموال أبو ظبي)

من أغرب مفارقات الشرق الأوسط أن المال لا يغير صاحبه فقط ، بل قد يغير الخريطة التي يتحرك فوقها . وما كان بالأمس قناةً للتهدئة قد يصبح غداً قناةً لإعادة تشكيل السلطة ، وما كان يُقدَّم باعتباره مساعدةً إنسانية قد يتحول ، تحت ضغط السياسة والحاجة والانهيار ، إلى جزء من هندسة أكبر لا يرى الناس منها سوى ما يصل إلى أيديهم ، بينما تبقى بقية الصورة خلف الأبواب المغلقة.

قولا واحدا وبكل وضوح ، رد بنيامين نتياهو على خصومه السياسيين الذي إتهموه بتمويل حماس عندما سمح للحقائب القطرية بالوصول لأيدي قادة حماس وفي أكثر من مناسبة بعد السابع من أكتوبر " لقد فعلت ذلك لمنع إقامة دولة فلسطينية " ، بمعنى  أن تمكين حماس من حكم غزة ، عرقل المساعي الفلسطينية والعربية والدولية لإعادة توحيد شطري الوطن !!!

وهنا تبدأ الحكاية الجديدة.

غزة التي عاشت سنوات طويلة بين الحصار والانقسام والفقر والحروب ، تجد نفسها اليوم أمام واحدة من أكثر المفارقات السياسية غرابة: أعداء الأمس يجلسون ، أو يُقال إنهم يجلسون ، على طاولة واحدة . محمد دحلان وحماس ؛ خصومة طويلة ، وذاكرة مليئة بالدم ، ومسافات سياسية وفكرية لم تكن تبدو قابلة للجسر. ثم فجأة يصبح الحديث عن تحالف أو قائمة انتخابية أو ترتيبات سياسية مشتركة جزءاً من المشهد.

هل تغيرت القناعات؟

أم تغيرت الظروف؟

أم أن غزة نفسها هي التي تغيرت ، فأختار الفرقاء إعادة ترتيب الإصطفافات؟

ربما تكون الإجابة أقرب إلى الثالثة.

فالسياسة لا تعرف الأصدقاء الدائمين ولا الأعداء الدائمين ؛ تعرف المصالح الدائمة . وحين يصل المجتمع إلى قاع الحاجة ، تصبح السياسة أكثر شبهاً بالسوق ، ويصبح المال لاعباً لا يقل أهمية عن السلاح وهذه المرة من خلال صندوق الإنتخابات ؟

من الدوحة إلى أبو ظبي

لسنوات طويلة، لعب التمويل القطري دوراً مهماً في غزة ، بما في ذلك المساعدات والتمويلات التي دخلت القطاع في ظل ترتيبات وافقت عليها إسرائيل وشاركت فيها أطراف إقليمية ودولية بدرجات مختلفة.

وقد كان لهذا المسار وجهان.

الأول إنساني لا يمكن إنكاره رغم كل ما شابها من شبهات : أموال تصل إلى مجتمع محاصر ، وتساعد في دفع الرواتب لموظفي حماس وتخفيف المعاناة وتمويل الاحتياجات الأساسية.

أما الوجه الآخر فهو سياسي أكثر تعقيداً.

فحين يصبح اقتصاد مجتمع بأكمله معتمداً بدرجة كبيرة على تدفقات مالية تأتي من خارج منظومته السياسية ، يصبح المال جزءاً من بنية الصراع ، حتى لو لم يكن هذا هو الهدف المعلن منه.

وهنا لا بد من طرح السؤال الذي طالما تهرب الجميع منه:

هل ساعدت ترتيبات المال القطري على إدارة الانقسام الفلسطيني بدلاً من إنهائه؟

ليس من السهل القول إن الأموال القطرية تسببت في أحداث السابع من أكتوبر ؛ فهذا تبسيط شديد لواقع أكثر تعقيداً . لكن يمكن القول إن منظومة إدارة غزة خلال السنوات السابقة ساهمت في إبقاء الانقسام قائماً ، وأتاحت استمرار وضع سياسي منفصل عن الضفة الغربية بدلاً من معالجة أصل المشكلة : الانقسام الفلسطيني نفسه.

وهكذا أصبح الجميع يدير الأزمة ، ولا أحد يعالج جذورها.

إسرائيل تدير الحصار.

قطر تدير جانباً من التمويل.

مصر تدير المعابر والوساطة.

حماس تدير غزة.

السلطة تدير الضفة.

والعالم يدير بيانات القلق.

أما الفلسطيني العادي ، فكان يدير حياته بين كل هؤلاء.

حتى جاء السابع من أكتوبر، فسقطت الطاولة بكل ما عليها.

نتنياهو والنافذة التي فُتحت بعد الحرب

ثم جاءت الحرب.

وهنا تغير كل شيء.

فبعد سنوات من الاعتماد على ترتيبات متعددة الأطراف ، أصبحت إسرائيل أمام قطاع مدمر ، ومجتمع يحتاج إلى الغذاء والدواء وإعادة الإعمار ، ونظام سياسي لا يمكن ببساطة إعادته إلى ما كان عليه قبل الحرب.

وفي الوقت ذاته ، اتخذت حكومة بنيامين نتنياهو مواقف شديدة الصرامة تجاه عمل عدد من المنظمات الدولية في غزة ، وفرضت قيوداً واسعة على وصول المساعدات والعمل الإنساني.

وهنا ، كما يحدث دائماً في الشرق الأوسط ، حين يغلق لاعب نافذة ، يبحث آخر عن باب.

وهل كان من الممكن أن تفتح أبو ظبي هذا الباب؟

الإمارات تمتلك المال ، والعلاقات الدولية ، والقدرة على الحركة في بيئات لا تستطيع أطراف فلسطينية كثيرة الحركة فيها.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تبدو الأموال الخليجية اليوم جزءاً من الحديث عن شكل غزة القادمة ، وليس فقط عن إطعام غزة الحالية.

وهذا فرق هائل.

فالمال الذي يشتري الطعام يساعد الإنسان على البقاء.

لكن المال الذي يعيد بناء المؤسسات ، ويمول الإدارة ، ويدعم النخب ، ويصنع التحالفات ، يمكن أن يصبح جزءاً من إعادة تشكيل النظام السياسي نفسه.

دحلان وحماس: تحالف المستحيل؟

هنا يظهر محمد دحلان.

الرجل الذي كان يوماً أحد أكثر خصوم حماس صداماً في غزة ، أصبح اسمه اليوم مرتبطاً بحديث عن ترتيبات سياسية جديدة.

يا لها من مفارقة!

من كانا يقفان على طرفي الخندق، قد يجدان نفسيهما اليوم فوق الجسر ذاته.

لكن لماذا؟

لأن الخندق نفسه لم يعد كما كان.

حماس خرجت من الحرب أمام واقع مختلف.

ودحلان لم يعد ذلك الرجل الذي عرفته غزة قبل سنوات.

والإقليم تغير.

والولايات المتحدة تغيرت.

والأولويات الإسرائيلية تغيرت.

والسؤال الفلسطيني نفسه تغير من:

من يحكم غزة؟

إلى:

كيف تبقى غزة قابلة للحياة أصلاً؟

ومن هنا تصبح التحالفات الغريبة ممكنة.

لكن هناك شيئاً ينبغي ألا نغفل عنه:

التحالف الانتخابي ليس بالضرورة تحالفاً سياسياً كاملاً.

وقد يكون جمع حماس مع شخصيات أو تيارات مرتبطة بدحلان ، أو مع قوى يسارية ومستقلة ، مجرد محاولة لتشكيل مظلة انتخابية واسعة ، وليس بالضرورة مشروعاً متكاملاً لحكم غزة.

والفارق بين الاثنين كبير.

هل هناك مباركة إسرائيلية؟

هنا ندخل المنطقة الأكثر حساسية.

هل يمكن أن يكون هذا المسار قد حصل على ضوء أخضر إسرائيلي؟

ربما.

هل توجد أدلة علنية كافية للجزم بأن إسرائيل باركت تحالف دحلان وحماس؟

ليس بالقدر الذي يسمح بتحويل الاحتمال إلى حقيقة.

لكن السياسة لا تُقرأ فقط من التصريحات الرسمية.

تُقرأ أحياناً من ما لا تعترض عليه الأطراف.

فإذا كان مشروع سياسي معين يتعارض جذرياً مع المصالح الإسرائيلية ، فمن الطبيعي أن نتوقع مقاومة إسرائيلية له.

أما إذا بدأ المشروع في التحرك دون اصطدام مباشر ، فذلك لا يثبت وجود موافقة ، لكنه يفتح باباً مشروعاً للسؤال:

هل ترى إسرائيل في هذا المسار خطراً… أم فرصة؟

وهذا السؤال أهم من البحث عن توقيع إسرائيلي غير موجود على الورق.

هل تستبدل غزة المال القطري بالمال الإماراتي؟

هنا تكمن المفارقة التي يمنحها العنوان قوته.

قد تتغير الدولة التي تدفع.

لكن إذا لم تتغير منظومة الاعتماد نفسها ، فلن يتغير الكثير.

المال القطري أو الإماراتي ليس المشكلة بحد ذاته.

المشكلة أن يتحول الفلسطيني من صاحب مشروع سياسي إلى مستفيد من مشروع سياسي يكتبه الآخرون.

أن يأكل من مال الآخرين ، ويبني من مال الآخرين ، ويدير مؤسساته بمال الآخرين ، ثم يكتشف بعد سنوات أن القرار نفسه أصبح مرهوناً بيد من يدفع.

وهذه ليست قضية قطر ولا الإمارات.

إنها قضية الاستقلال السياسي الفلسطيني.

فالذي يشتري الخبز من الخارج لا يبيع وطنه.

لكن الذي يبيع قراره مقابل الخبز ، يكون قد دخل منطقة أخرى تماماً.

المشهراوي وفتح

وفي هذا السياق، فإن الشروط التي يُقال إن سمير المشهراوي طرحها على قيادة فتح في القاهرة ، إن صحت تفاصيلها، ينبغي ألا تُقرأ بمعزل عن الصورة الأوسع.

فالشروط الانتخابية ليست مجرد تفاصيل فنية.

إنها انعكاس للسؤال الأكبر:

من يريد أن يدخل النظام الفلسطيني الجديد؟ ومن يريد أن يعيد تشكيله؟ ومن يريد أن يخرج منه؟

وهنا تصبح فتح أمام امتحان تاريخي.

فإذا كانت كل القوى المتخاصمة معها قادرة على الاجتماع ، من حماس إلى التيارات الإصلاحية إلى اليسار ، فإن المشكلة لم تعد فقط في خصومها.

قد تكون المشكلة في قدرة فتح نفسها على إعادة إنتاج ذاتها.

السياسة لا ترحم الأحزاب التي تكتفي بالقول:

نحن أصحاب الشرعية.

فالشرعية التي لا تتجدد تتحول مع الوقت إلى ذكرى.

أيها الغزيون… لا تبدلوا القيد

لكن الأخطر من كل ذلك هو المواطن.

الغزي الذي يبحث عن بيت.

عن راتب.

عن مدرسة.

عن مستشفى.

عن ماء.

عن كهرباء.

عن نافذة لا تدخل منها الطائرات.

هذا الإنسان ليس معنياً كثيراً بمن جاء بالمال.

قطرياً كان أم إماراتياً.

هو يريد أن يعيش.

وهنا يجب ألا نلومه.

لكن علينا أن نحذره.

فالحاجة لا ينبغي أن تتحول إلى بوابة للاستحواذ على المستقبل.

أيها الغزيون

لا تستبدلوا مالاً بمال.

استبدلوا التبعية بالاستقلال.

لا يهم إن كان المال القادم من الدوحة أو أبو ظبي أو واشنطن.

المهم: ماذا يريد هذا المال منكم؟

ومن يقرر أين يذهب؟

ومن يقرر من يحكم؟

ومن يقرر شكل النظام؟

ومن يكتب شروط المستقبل؟

فالشيطان لا يأتي دائماً بقرنين ولهيب.

أحياناً يأتي في سيارة مساعدات.

وأحياناً في حقيبة أموال.

وأحياناً في مشروع إعادة إعمار.

وأحياناً في قائمة انتخابية تبدو في ظاهرها وطنية ، بينما تكون في باطنها جزءاً من ترتيبات أكبر.

الخلاصة

ليس المطلوب من الفلسطينيين أن يرفضوا المال العربي.

ولا أن يرفضوا الإمارات.

ولا قطر.

ولا أي دولة عربية تمد يدها إلى غزة.

بل المطلوب أن يرفضوا أن تتحول المساعدة إلى وصاية ، والوصاية إلى تبعية ، والتبعية إلى إعادة تشكيل للهوية السياسية الفلسطينية.

فإذا كان المال القطري قد ساهم، ضمن منظومة أوسع ، في تثبيت واقع الانقسام بدلاً من إنهائه ، فلا ينبغي أن تتحول الأموال الإماراتية إلى نسخة جديدة من المعادلة نفسها ، مهما تغيرت الأسماء والواجهات.

فغزة لا تحتاج إلى تغيير الممول فقط.

غزة تحتاج إلى تغيير المعادلة.

تحتاج إلى سلطة فلسطينية تستمد شرعيتها من شعبها ، لا من شيكات الخارج.

وإلى انتخابات لا تكون فيها صناديق الاقتراع مجرد صناديق عجب تخرج منها خرائط مرسومة في عواصم أخرى.

وإلى إعادة إعمار لا تعيد بناء الحجر بينما تترك الإنسان رهينة.

وإلى مشروع وطني لا يسأل:

من يدفع؟

قبل أن يسأل:

من يقرر؟

فالمشكلة ليست أن يأتي المال من الدوحة ويذهب إلى أبو ظبي.

المشكلة أن تظل غزة ، بعد كل هذا الدم ، تنتظر من يدفع كي تعرف كيف تعيش ، ومن يدفع كي تعرف من يحكمها.

وهنا فقط يصبح السؤال مخيفاً:

هل يستبدل نتنياهو المال القطري بالمال الإماراتي… أم يستبدل الفلسطينيون اسماً باسم ، ويبقى القرار في يد الآخرين؟

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد كل هذا الخراب ليس أن تخسر غزة حرباً أخرى.

بل أن تربح معركة البقاء ، وتخسر حقها في اختيار المستقبل.

 

تعليقات