حتى أنت يا بروتس
لم تكن مملكة
بنيامين نتنياهو تحتاج إلى جيش يأتي من الخارج كي يهتز عرشها.
كانت
تحتاج فقط إلى أن تبدأ الجدران في الكلام.
الجدران التي
حفظت الأسرار طويلاً ، والغرف التي أغلقت أبوابها على تحذيرات لم تُسمع ،
والتقارير التي مرت على مكاتب أصحاب القرار كأنها أوراق عابرة في صباح مزدحم ،
والرسائل التي كان ينبغي أن توقظ دولة بأكملها ، فإذا بها تتحول إلى تفاصيل مؤجلة
حتى جاء السابع من أكتوبر، فاستيقظ الجميع على صوت واحد: كيف حدث كل ذلك؟
وهنا تبدأ
الحكاية الحقيقية.
ليست حكاية غزة
وحدها ، ولا حكاية حركة حماس وحدها ، ولا حتى حكاية الفشل الاستخباراتي والعسكري
الذي سبق الهجوم . إنها حكاية رجل بنى جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية على صورة
الرجل الذي لا يُخدع ، والرجل الذي يعرف كيف يحمي إسرائيل ، فإذا بإسرائيل نفسها
تسأله اليوم: أين كنت
حين كان الخطر يقترب؟
وهذه ربما هي
المفارقة الأكثر قسوة في نهاية الطريق.
فنتنياهو الذي
اعتاد أن يقدم نفسه باعتباره الرجل الأكثر خبرة في إسرائيل ، والأكثر قدرة على
قراءة المنطقة ، والأكثر فهماً للتهديدات ، وجد نفسه في مواجهة سؤال لا يستطيع
الخطاب السياسي أن يدفنه تحت الكلمات : ماذا فعلتم بكل التحذيرات التي سبقت السابع
من أكتوبر؟
كلما ظهرت
تسريبات جديدة ، وكلما خرجت رواية من داخل الأجهزة أو المؤسسة الأمنية ، بدا
المشهد كأن حجراً جديداً يسقط من جدار الرواية الرسمية . ليست المشكلة في تحذير
واحد لم يؤخذ بجدية ، بل في الصورة التي بدأت تتشكل من تراكم التحذيرات والإشارات
والإنذارات التي لم تتحول إلى قرار سياسي وأمني بحجم الخطر.
وهنا يصبح
العنوان أكثر قسوة:
حتى أنت يا بروتس!
كأن نتنياهو لم
يعد يملك ترف السؤال : من يهاجمني؟
بل أصبح عليه أن
يسأل: من بقي
إلى جانبي؟
فالمملكة التي
طالما أحاطها بصورة الرجل القوي بدأت تفقد شيئاً أخطر من القوة العسكرية : احتكار الرواية.
والرواية هي نصف
السلطة.
حين يصبح الماضي شاهداً ضد صاحبه
لم يكن نتنياهو
مجرد رئيس حكومة عابر في تاريخ إسرائيل . لقد بنى لنفسه ، على مدى سنوات ، شخصية
سياسية تكاد تختصر الدولة في صورته.
الأمن هو
نتنياهو.
الردع هو
نتنياهو.
مواجهة إيران هو
نتنياهو.
منع قيام دولة
فلسطينية هو نتنياهو.
والقدرة على
إدارة الولايات المتحدة ، والعالم العربي ، والداخل الإسرائيلي ، والملف الإيراني ،
والجبهة الفلسطينية في آن واحد ، كلها تحولت إلى أجزاء من أسطورة سياسية واحدة.
لكن الأساطير لا
تموت عادةً بضربة واحدة.
إنها تتآكل.
تسريب هنا.
فضيحة هناك.
لجنة تحقيق تلوح
في الأفق.
جندي يعود من
غزة محملاً بأسئلة.
عائلة أسير
تطالب بإجابات.
مستوطن يسأل عن
الأمن.
ومعارض يقول إن
الحكومة فقدت الطريق.
ثم يأتي الناخب ،
وهو أكثر قسوة من كل هؤلاء ، لأنه لا يحتاج إلى خطاب طويل كي يعاقب السياسي.
يكفي أن يضع
علامة في المكان الآخر.
وهذه هي المشكلة
التي يواجهها نتنياهو الآن عشية انتخابات 27 أكتوبر 2026، في ظل استطلاعات وضغوط تشير إلى أن معسكره
اليميني يواجه واحدة من أصعب اللحظات السياسية في مسيرته ، فيما يحاول توحيد قوى
اليمين ومنع تشتت الأصوات.
لقد أصبح الرجل
الذي كان يحدد شكل الخريطة السياسية يبحث عن طريقة للحفاظ على الخريطة نفسها.
وهذه وحدها
علامة.
الضفة الغربية... حين يعبر الحريق الحدود
ولعل أكثر ما
يجعل اللحظة الحالية خطيرة أن أزمة نتنياهو لم تعد محصورة في غزة.
فالضفة الغربية
أصبحت بدورها ساحة تتراكم فيها التناقضات.
الاستيطان يتوسع.
عنف المستوطنين
يتصاعد.
الحكومة
الإسرائيلية تواجه ضغوطاً دولية متزايدة.
وفي يونيو 2026، أعلنت بريطانيا بالتنسيق مع أستراليا
وكندا وفرنسا ونيوزيلندا والنرويج إجراءات عقابية ضد شبكات وأفراد متهمين بتمويل
وتمكين عنف المستوطنين، فيما كانت لندن قد فرضت في اليوم السابق عقوبات على وزيرين
إسرائيليين هما إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بالاشتراك مع أربع دول أخرى.
وهنا لا تكمن
أهمية العقوبات في حجمها المالي وحده.
أهميتها
السياسية.
فإسرائيل التي
اعتادت أن ترى نفسها محاطة بأعداء، وأن تعتبر العالم الخارجي في نهاية المطاف
مضطراً إلى التعامل معها، بدأت تجد أن بعض العواصم الغربية لم تعد تكتفي بالقلق
الدبلوماسي.
لقد بدأت تتحرك.
وبريطانيا
وحلفاؤها قالوا صراحة إن عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني يقوضان إمكانية قيام
دولة فلسطينية ويهددان الاستقرار.
ولذلك فإن
الهستيريا الإسرائيلية تجاه هذه الإجراءات ليست مجرد احتجاج على عقوبات محدودة.
إنها خوف من
تحول ما كان استثناءً إلى اتجاه
دولي.
الرجل البرتقالي... حين يصمت الحليف
ثم هناك الرجل
البرتقالي.
دونالد ترامب.
ذلك الرجل الذي
اعتاد نتنياهو أن يجد عنده مساحة واسعة للمناورة، والذي قدم خلال السنوات الماضية
واحداً من أكثر مستويات الدعم السياسي لإسرائيل وضوحاً.
لكن السياسة لا
تعرف الصداقة المجانية.
ترامب ليس رجل
عواطف.
إنه رجل صفقة.
وهو يعرف أن
نتنياهو، مهما كان حليفاً، ليس أكبر من المصالح الأمريكية، ولا أكبر من الحسابات
الانتخابية الأمريكية، ولا أكبر من مشروع ترامب نفسه.
ولهذا فإن صمت
ترامب في بعض اللحظات قد يكون أكثر بلاغة من تصريح.
فالسياسي لا
يحتاج دائماً إلى أن يقول: أنا ضدك.
يكفي أحياناً أن
لا ينقذك.
وهذه هي المسافة
التي بدأ نتنياهو يشعر بها.
ليس لأن ترامب
أصبح خصماً له، وإنما لأن العلاقة بينهما لم تعد بالضرورة علاقة تطابق كامل.
وإذا كان
نتنياهو قد اعتاد أن يستخدم الدعم الأمريكي كجزء من قوة الردع السياسية، فإن
السؤال يصبح: ماذا يحدث عندما يبدأ الدعم الأمريكي في وضع شروطه؟
هنا تتحول
العلاقة من تحالف إلى تفاوض.
ومن تفاوض إلى
ضغط.
ومن ضغط إلى
حساب.
إسرائيل المصابة بالـ«جرب السياسي»
ربما يبدو
التعبير قاسياً.
لكن إسرائيل في عهد
نتنياهو تبدو كدولة أصابها نوع من الجرب
السياسي.
كلما حاولت حكّ
موضع الألم، ظهر موضع آخر.
تضرب غزة، فتظهر
الضفة.
تضغط على لبنان،
تظهر سوريا.
تواجه إيران،
تظهر أسئلة الجبهة الداخلية.
توسع الاستيطان،
فتأتي العقوبات.
تدافع عن
الحكومة، فتخرج التسريبات.
تحاول ترميم
صورة الردع، فتعود الأسئلة حول السابع من أكتوبر.
والأخطر أن
الدولة لا تواجه أزمة واحدة يمكن إغلاقها.
إنها تواجه سلسلة أزمات مترابطة.
وهذه هي اللحظة
التي تصبح فيها إدارة الأزمات نفسها أزمة.
حتى أنت يا بروتس!
كان يوليوس قيصر
يعتقد أن الخطر يأتي من الخارج، حتى وجد بين طعناته وجه بروتس.
وقد لا يكون
نتنياهو في حاجة إلى بروتس واحد.
ربما تكفيه
عشرات الشقوق الصغيرة في الجدار.
جهاز أمني يطالب
بالمحاسبة.
عائلات تطالب
بالحقيقة.
جنود يسألون عن
جدوى الحرب.
صحافة تكشف.
معارضة تتقدم.
يمين يتشقق.
شركاء يرفعون
سقف مطالبهم.
وعالم خارجي بدأ
يضيق ذرعاً بما يجري في الضفة وغزة.
ثم يأتي الناخب.
وهذا الأخير لا
يطعن بالسيف.
إنه يطعن بالقلم.
الانتخابات... المقصلة الهادئة
لطالما نجح
نتنياهو في تحويل الأزمات إلى وقود سياسي.
هذه واحدة من
أهم مواهبه.
كل تهديد يتحول
إلى حجة للبقاء.
كل حرب تتحول
إلى مبرر للتأجيل.
كل أزمة تتحول
إلى ضرورة للوحدة.
وكل خصم يتحول
إلى خطر على الدولة.
لكن المشكلة أن
هذه اللعبة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد.
لأن الناخب قد
يصل في لحظة ما إلى السؤال الأخطر:
إذا كنت أنت
الحل لكل هذه الأزمات، فلماذا أصبحت الأزمات أكبر كلما بقيت؟
وهنا لا يعود
السؤال أمنياً.
إنه سياسي.
وقد بدأت
استطلاعات الرأي، وفق تقارير حديثة، تعكس تراجعاً في صورة نتنياهو وائتلافه، مع
صعوبة متزايدة أمامه في توحيد اليمين ومنع تشتت أصواته.
إنها ليست نهاية
نتنياهو بالضرورة.
لكنها بالتأكيد ليست
صورة الرجل الذي كان يدخل الانتخابات وهو يعتقد أن المنافسة تجري على المركز
الثاني.
المملكة التي لا تعرف كيف تنزل عن الجبل
المشكلة الأكبر
في نتنياهو أنه لا يعرف كيف يغادر المشهد.
الرجل الذي قضى
سنوات طويلة في القمة يصبح، مع مرور الزمن، أسيراً للقمة نفسها.
لأنه لا يرى
النزول منها خروجاً سياسياً.
يراه سقوطاً.
ولهذا يواصل
القتال.
ليس فقط ضد
الفلسطينيين.
ولا ضد إيران.
ولا ضد خصومه في
إسرائيل.
بل ضد الزمن.
وهذا ربما هو
الخصم الوحيد الذي لا يستطيع نتنياهو هزيمته.
فالزمن لا
يتفاوض.
ولا يعقد هدنة.
ولا يقبل صفقة.
ولا يخاف من
فيتو.
إنه يمضي.
ويترك خلفه كل
شيء.
الضحايا.
الحروب.
التحالفات.
الخطابات.
الانتخابات.
والرجال الذين
اعتقدوا أنهم أكبر من التاريخ.
الخاتمة: حتى أنت يا بروتس
ربما لم تسقط
مملكة بنيامين نتنياهو بعد.
وربما يستطيع
الرجل أن يخرج من انتخابات 2026 أكثر صلابة مما يتوقع خصومه.
وربما يعيد
ترتيب اليمين، ويعقد تحالفات جديدة، ويجد مرة أخرى مخرجاً من المأزق.
لكن شيئاً
واحداً تغير.
لقد أصبحت
الأسطورة نفسها موضع سؤال.
وهذه أخطر لحظة
يمكن أن يعيشها سياسي.
لأن السياسي
يستطيع أن يتحمل خسارة معركة.
ويستطيع أن
يتحمل خصماً.
ويستطيع أن
يتحمل مظاهرة.
لكن من الصعب
عليه أن يتحمل انهيار الصورة
التي صنعها عن نفسه.
نتنياهو لم يعد
يواجه سؤالاً واحداً: ماذا سيحدث في غزة؟
بل يواجه سؤالاً
أكبر:
ماذا سيحدث
لإسرائيل التي صنعها نتنياهو؟
إسرائيل التي ظن
أن القوة وحدها تستطيع حمايتها.
إسرائيل التي
جعل الأمن هويتها.
إسرائيل التي
تعاملت مع القضية الفلسطينية بوصفها مشكلة يمكن تأجيلها.
إسرائيل التي
ظنت أن الجدار يستطيع أن يمنع التاريخ من العبور.
إسرائيل التي
اكتشفت في السابع من أكتوبر أن التاريخ لا يطرق الأبواب.
إنه يدخل حين
يشاء.
ولهذا، فإن
عبارة «حتى أنت يا بروتس!» ليست مجرد صرخة في وجه
الخيانة.
إنها صرخة رجل
بدأ يكتشف أن أقرب الناس إلى مملكته لم يعودوا جميعاً مستعدين للموت دفاعاً عن
عرشه.
وقد يكون هذا هو
معنى الانهيار الحقيقي:
ليس أن يسقط
الملك.
بل أن يستيقظ
ذات صباح، فينظر حوله، فيكتشف أن المملكة ما زالت واقفة...
لكن أحداً لم
يعد يصدق أنه هو الملك .
تعليقات
إرسال تعليق