الأنانية ـ الجهل ـ القسوة
في خطابٍ أمام
الجمعية العامة للأمم المتحدة في 23 سبتمبر 2026، اختار رئيس الوزراء الإسباني
بيدرو سانشيز ثلاث كلمات لوصف ما اعتبره تياراً سياسياً يهدد النظام الدولي: الأنانية ،
والجهل ، والقسوة. لم يسمِّ في المقطع الذي تناول فيه هذه الصفات دولاً بعينها،
لكنه تحدث عن قوى تشكك في القواعد الدولية، وتنتهكها وهي تدرك أن محاسبتها قد تكون
صعبة، وتتعامل مع العالم بمنطق القوة والمصلحة المنفردة.
ثلاث كلمات
قصيرة، لكنها تبدو كأنها ثلاثة أبواب تفتح على عالم طويل من الأزمات.
الأنانية أولاً: أن يصبح
العالم صفقةً لا مجتمعاً ، وأن تُقاس العلاقات الدولية بما يأخذه طرف وما يخسره
الآخر. وصف سانشيز هذا المنطق بأنه تصور للعالم باعتباره لعبة محصلتها صفر؛ مكسب
طرف فيها لا بد أن يكون خسارة طرف آخر.
وهنا تبدو
السياسة الأمريكية في عهد دونالد ترامب، في بعض خطاباته ومقارباته المعلنة، مثالاً
مهماً لدراسة هذا التحول، من دون اختزال السياسة الأمريكية كلها في شخص الرئيس أو
في وصف واحد. ففي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2026، شدد
ترامب على عودة القوة الأمريكية، وعلى حماية المصالح والسيادة الأمريكية، وعلى
مواجهة خصوم الولايات المتحدة ورفض ما وصفه بالسيطرة العالمية.
إنها لغة مختلفة
عن لغة النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية؛ لغة تعيد وضع الدولة
القوية في مركز المشهد، وتتعامل مع القوة باعتبارها الأداة التي تمنح القدرة على
فرض الإرادة.
لكن المشكلة
تبدأ عندما تصبح القوة بديلاً عن القواعد.
ثم تأتي الجهل، وليس المقصود به غياب
المعلومات، بل تجاهل الوقائع التي لا تنسجم مع الرغبة السياسية.
فالشرق الأوسط
ليس رقعة شطرنج يمكن تحريك قطعها ثم انتظار النتيجة التي يرغب فيها اللاعب.
التاريخ هنا ليس خلفيةً للمشهد، والجغرافيا ليست مجرد خطوط على الخريطة، والناس
ليسوا أرقاماً في تقارير الأمن.
كل حرب تترك
وراءها ذاكرة.
وكل
مدينة مدمرة تترك أبناءً يحملون الركام في ذاكرتهم.
وكل
طفل يفقد منزله لا يختفي من التاريخ عندما تنتهي المؤتمرات الصحفية.
ولذلك فإن تجاهل
هذه الحقائق لا يلغيها.
وفي إسرائيل،
ظهر هذا المنطق أيضاً في الخطاب السياسي لبنيامين نتنياهو. ففي خطابه أمام الجمعية
العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024، قدم الحرب باعتبارها معركة وجودية لإسرائيل،
وقال إن إنهاء الحرب يتطلب استسلام حماس وتسليم سلاحها وإطلاق الرهائن، متحدثاً عن
ضرورة الوصول إلى "النصر الكامل". كما رفض اتهامات إسرائيل بالإبادة
والتجويع والاستهداف المتعمد للمدنيين، ودافع عن أداء الجيش الإسرائيلي في تقليل
الخسائر المدنية.
هنا تظهر
المسافة بين الرواية والواقع.
يمكن للحكومة أن
تقدم روايتها.
ويمكن
للجيش أن يقدم روايته.
ويمكن
للخصم أن يقدم روايته المضادة.
لكن الركام لا
يملك رواية سياسية.
والطفل الجائع
لا يحتاج إلى مترجم.
والمستشفى الذي
يتحول إلى أنقاض لا يستطيع أن يدخل في مناظرة تلفزيونية ليدافع عن نفسه.
ولهذا فإن الجهل السياسي الأخطر ليس ألا تعرف الحقيقة،
بل أن تعرفها ثم تتصرف كما لو أنها غير موجودة.
ثم تأتي الكلمة
الثالثة، والأشد قسوة في خطاب سانشيز: القسوة.
لقد وصفها بأنها
حالة لم تعد معها بعض القوى تتأثر حتى بمشهد طفل جائع أو مستشفى يتحول إلى ركام.
وهنا يصبح
المشهد الفلسطيني مرآةً لا يمكن إخفاؤها.
الأمم المتحدة
وثقت استمرار سقوط الأطفال في غزة حتى خلال فترة وقف إطلاق النار المعلنة، وأشارت
في أغسطس 2026 إلى مقتل ما لا يقل عن 300 طفل خلال 300 يوم، مع استمرار الاحتياجات
الإنسانية والنزوح وتدمير البنية الأساسية.
وفي سبتمبر،
أفادت الأمم المتحدة بمقتل أربعة أطفال في هجمات منفصلة، وتدمير مساعدات غذائية،
وتضرر بنية تحتية للمياه، فيما استمرت عمليات إجلاء المرضى من القطاع وسط احتياجات
طبية كبيرة.
هذه ليست
أرقاماً في نهاية تقرير.
إنها أسماء كان
يمكن أن تكون على مقاعد المدارس.
لكن القسوة لا
تبدأ دائماً بالصاروخ.
أحياناً تبدأ
عندما يتحول الإنسان إلى رقم.
ثم إلى هدف.
ثم إلى خسارة جانبية.
ثم إلى مجرد
تفصيل في خطاب سياسي طويل.
وهنا تكمن مأساة
الشرق الأوسط: أن اللغة نفسها التي يفترض أن تشرح الواقع أصبحت أحياناً وسيلة
لإخفائه.
يقال: أمن.
فيختفي الإنسان.
يقال: ردع.
فيختفي الطفل.
يقال: انتصار.
فتظهر المقابر.
يقال: ضرورة
استراتيجية.
فتُهدم
المستشفيات.
ويقال: النظام
الدولي.
ثم يبحث الناس عن
النظام فلا يجدونه إلا في الكتب.
ولعل المفارقة
الكبرى أن ترامب ونتنياهو لا يحتاجان إلى أن يتفقا في كل شيء حتى يجتمعا في هذه
النقطة: كلاهما يتحدث كثيراً بلغة القوة، وإن اختلفت
دوافعهما وأهدافهما وأسلوبهما السياسي.
ترامب يتحدث عن
القوة الأمريكية والمصالح والسيادة.
ونتنياهو يتحدث
عن أمن إسرائيل، وعن الحرب بوصفها معركة وجودية.
وبين الخطابين،
يجد الشرق الأوسط نفسه محاصراً بين رؤيتين كبيرتين للقوة.
لكن القوة، مهما
بلغت، لا تستطيع وحدها صناعة التاريخ.
قد تستطيع إسقاط
مدينة.
قد تستطيع تغيير
حكومة.
قد تستطيع فرض هدنة.
وقد تستطيع فتح
طريق أو إغلاق معبر.
لكنها لا تستطيع
أن تأمر الذاكرة بالنسيان.
ولذلك ربما كانت
كلمات سانشيز الثلاث أكثر من مجرد توصيف سياسي.
أنانية: عندما يصبح
العالم ملعباً للقوي.
جهل: عندما تصبح
الوقائع عقبة يجب تجاهلها بدلاً من أن تكون أساساً لصنع القرار.
قسوة: عندما يصبح
الإنسان آخر ما يُفكَّر فيه بعد الأمن والمصالح والنفوذ والانتصار.
وفي عالم كهذا،
لا تكون المشكلة فقط في الحرب.
المشكلة في تحول الحرب إلى طريقة تفكير.
عندها يصبح
السلام استراحة بين حربين، والمفاوضات مجرد إعادة ترتيب للذخيرة، والهدنة موعداً
مؤجلاً للمعركة التالية.
وهذا بالضبط ما
يحتاج الشرق الأوسط إلى كسره.
فلا غزة تستطيع
أن تعيش إلى الأبد تحت الركام، ولا إسرائيل تستطيع أن تجد أمناً دائماً في بيئة
إقليمية بلا أفق سياسي، ولا الولايات المتحدة تستطيع أن تدير المنطقة إلى الأبد
بمنطق الصفقة والقوة وحدهما.
السياسة التي لا
تنتج حلاً ستنتج أزمة جديدة.
والقوة التي لا
تفتح باباً للتسوية ستحتاج إلى قوة أكبر كل مرة.
والقوة الأكبر
ستحتاج إلى حرب أكبر.
وهكذا تتحول
المنطقة إلى دائرة مغلقة.
لذلك فإن "الأنانية ـ
الجهل ـ القسوة" ليست مجرد ثلاث كلمات قالها رئيس حكومة أوروبي في
قاعة الأمم المتحدة.
إنها ثلاث
إشارات تحذير.
إذا حكمت
الأنانية العلاقات الدولية، يصبح الآخر خصماً دائماً.
وإذا حكم الجهل
صناعة القرار، يصبح التاريخ شيئاً يمكن تجاهله.
وإذا حكمت
القسوة ساحات الحرب، يصبح الطفل الجائع رقماً، والمستشفى هدفاً محتملاً، والمدينة
مجرد مساحة عمليات.
لكن التاريخ لا
ينتهي عند هذا الحد.
فالبديل موجود
دائماً: المعرفة بدلاً من الإنكار، القانون بدلاً من القوة
المنفلتة، والإنسان بدلاً من الحسابات الصفرية.
وهنا ربما تكمن
المفارقة الأخيرة.
سانشيز، رغم
انتقاده الحاد لهذه القوى، أنهى خطابه بالتأكيد على أنه لم يفقد الأمل، وبالدعوة
إلى الدفاع عن التعددية والمؤسسات الدولية.
وكأن الرسالة
الأعمق تقول:
إن العالم لم
يصل إلى نهايته.
لكن عليه أن
يقرر أي عالم يريد أن يكون.
عالماً تقوده الأنانية والجهل والقسوة...
أم عالماً يتذكر،
بعد كل هذه الدماء، أن الإنسان لم يكن يوماً تفصيلاً هامشياً في التاريخ.
تعليقات
إرسال تعليق