قدما نحو اليمين ..... مع وبلا بنيامين
في إسرائيل، لا تأتي
الانتخابات دائماً لتغيير الحكومة ؛ أحياناً تأتي لتكشف فقط مقدار ما تغيّر في
المجتمع نفسه . وفي انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 ، يبدو أن الإسرائيليين
لا يقفون أمام صناديق الاقتراع لاختيار رئيس حكومة فحسب ، بل أمام سؤال أكثر أهمية
بكثير: أي إسرائيل يريدون بعد سنوات الحرب ، وأي علاقة يريدون مع الفلسطينيين
وجوارهم بل مع العالم أيضا ؟
المشهد الانتخابي
شديد السيولة. غالبية استطلاعات الرأي لمراكز اإستطلاعات الوازنة ثلاثة أسابيع ما
قبل الإنتخابات ، تظهر بوضوح تقاربا واضحا
في فرص كل من اليمين الحاكم والمعارضة ، وبالتالي لا تمنح أي معسكر حتى الآن
طريقاً مضموناً إلى أغلبية ال ـ61 مقعداً اللازمة لتشكيل الحكومة . وبلغة الأرقام
فمتوسط الاستطلاعات تشير الى حصول معسكر المعارضة على 53 مقعداً مقابل 52 لمعسكر
نتنياهو، فيما بقيت الأحزاب العربية تراوح
حول 12 مقعداً تقريباً ، رقماً لا يمكن تجاهله في حسابات خريطة الأحزاب ، ستعتمد
زيادتها أو نقصها على مدى كثافة التصويت في الوسط العربي ، بينما تبقى الثلاثة
مقاعد المتبقية عائمة رهنا بالتصويت وكيف ستتقاسمها الثلاثة كتل المشار اليها ، أو
تجاوز أحد الكتل الصغيرة نسبة الحسم ، مع الأخذ بعين الإعتبار متوسط هامش خطأ
بحدود 3%
وهكذا تبدو إسرائيل
وكأنها ذاهبة إلى انتخابات قد تنهي حقبة نتنياهو، لكنها قد لا تنهي النتنياهوية.
فالقضية الفلسطينية
لم تكن يوماً مرتبطة بشخص بنيامين نتنياهو وحده . الرجل كان عنواناً لمرحلة ، وإن
لم يكن وحده من صنعها . وإذا خرج من باب الانتخابات ، فقد تدخل أفكاره من نافذة
أخرى ، بثياب مختلفة ولغة أكثر هدوءاً ، وربما بأدوات أكثر بارغماتية.
إذا
بقي نتنياهو
السيناريو الأول هو
بقاء بنيامين نتنياهو في الحكم.
وإذا حدث ذلك ، فسيكون الفلسطينيون
أمام احتمال استمرار السياسة التي جعلت الأمن الإسرائيلي مدخلاً إلى كل شيء ،
وجعلت القضية الفلسطينية ملفاً أمنياً قبل أن تكون قضية شعب يبحث عن الحرية
والدولة.
لكن بقاء نتنياهو لن يعني بالضرورة
عودة إسرائيل إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر. فقد تغيرت إسرائيل نفسها .
صورة الرجل الذي كان يقدم نفسه بوصفه سيد الأمن اهتزت ، والمجتمع الإسرائيلي دخل
في أزمة ثقة عميقة ، بينما أصبحت الحرب الممتدة على أكثر من جبهة جزءاً من الحياة
السياسية اليومية.
والأخطر أن شركاء
نتنياهو من اليمين المتطرف يواصلون الدفع باتجاه سياسات أكثر تشدداً تجاه غزة
والضفة الغربية . وقد عادت في الأسابيع الأخيرة دعوات من داخل معسكره إلى
"هجرة" سكان غزة ، بالتزامن مع استمرار الضغط الاستيطاني في الضفة.
وهذا يعني أن
الفلسطينيين ، في حال استمرار حكومة نتنياهو، قد يواجهون مرحلة أشد صعوبة ، خصوصاً
في الضفة الغربية ، حيث يمكن أن تصبح الانتخابات الإسرائيلية نفسها مناسبة لتصعيد
الاستيطان وتثبيت وقائع جديدة على الأرض.
لكن المفارقة أن
نتنياهو نفسه قد لا يكون قادراً على الاستمرار بالطريقة ذاتها.
فإسرائيل التي تدخل
الانتخابات اليوم ليست إسرائيل التي خرجت إلى الحرب في أكتوبر 2023. الحرب استنزفت
المجتمع ، وأعادت تعريف الأمن ، وأثقلت الاقتصاد ، وعمقت الانقسام السياسي.
إذا
سقط نتنياهو
أما السيناريو الثاني
فهو وصول المعارضة إلى الحكم.
وهنا قد يتنفس
الفلسطينيون الصعداء للحظة ، لكن ينبغي الحذر من تحويل سقوط نتنياهو إلى سقوط
تلقائي لسياساته.
المعارضة الإسرائيلية
الحالية ليست كتلة واحدة تحمل برنامجاً فلسطينياً واضحاً . إنها مجموعة من الأحزاب
والتيارات التي يجمع بعضها رفض نتنياهو أكثر مما تجمعها رؤية واحدة لمستقبل الصراع.
حتى التحليلات
الإسرائيلية والدولية تشير إلى أن المعارضة ما زالت تواجه صعوبة في صياغة بديل
سياسي متكامل ، كما أن كثيراً من أحزابها لا تزال ترفض الاعتماد على الأحزاب
العربية لتشكيل أغلبية.
وهنا يكمن أحد أهم
الألغام الفلسطينية.
فقد يسقط نتنياهو،
لكن الاحتلال لا يسقط معه.
وقد تتغير الحكومة ،
لكن المستوطنات لا تتحرك من أماكنها.
وقد تتغير اللغة
السياسية ، لكن الجدار يبقى.
وقد يرحل الرجل الذي
حكم إسرائيل سنوات طويلة، لكن الأسئلة التي حكم باسمها ستبقى على الطاولة:
من يملك القدس؟
ما حدود الدولة
الفلسطينية؟
ماذا يحدث
للمستوطنات؟
ما مستقبل غزة؟
من يدير القطاع؟
ما مصير اللاجئين؟
وكيف يمكن إقامة دولة
فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب دولة إسرائيلية تريد ضمانات أمنية قصوى؟
هذه الأسئلة لا يملك
نتنياهو وحده مفاتيحها.
السيناريو
الثالث : لا غالب ولا مغلوب
وهذا ربما يكون
السيناريو الأكثر واقعية وخطورة في الوقت نفسه.
انتخابات تنتج
برلماناً مجزأً ، ولا تمنح أياً من المعسكرين 61 مقعداً.
عندها تبدأ إسرائيل
مفاوضات ما بعد الانتخابات.
ائتلافات.
انسحابات.
انشقاقات.
مساومات.
حكومة وحدة.
أو انتخابات جديدة.
وقد أشارت مراكز
متابعة الانتخابات إلى أن الصورة الحالية شديدة الانقسام ، وأن حتى تقدم المعارضة
لا يعني امتلاكها تلقائياً القدرة على تشكيل حكومة.
وهذا السيناريو قد
يكون سيئاً للفلسطينيين بقدر سوء فوز اليمين.
لأن الفراغ السياسي
الإسرائيلي لا يعني بالضرورة فراغاً في السيطرة على الأرض.
على العكس.
قد تصبح الضفة
الغربية تحديداً ساحة تعويض عن العجز السياسي في تل أبيب.
كلما تعذر تشكيل
حكومة ، قد يحاول السياسيون تقديم أنفسهم بوصفهم الأكثر تشدداً في الأمن.
وكلما اقترب موعد
الانتخابات ، يصبح الفلسطيني أحياناً ناخباً إسرائيلياً غير مباشر.
فصورة العملية
الفردية ، أو الصاروخ ، أو المواجهة في الضفة ، قد تتحول إلى ورقة انتخابية داخل
إسرائيل.
وهذه واحدة من أكثر
مفارقات الصراع تعقيدا:
الفلسطيني الذي لا
يملك صوتاً في الانتخابات الإسرائيلية قد يجد نفسه حاضراً في خطابها الانتخابي
أكثر من أي مرشح إسرائيلي.
وماذا عن
الفلسطينيين؟
هنا يبدأ السؤال
الأهم.
ماذا سيفعل
الفلسطينيون إذا تغيرت الحكومة الإسرائيلية؟
الجواب يجب ألا يكون
الانتظار.
لقد دفع الفلسطينيون
ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية نتيجة تحولهم في أحيان كثيرة إلى متلقين
للأحداث ، لا صانعين لها.
إذا بقي نتنياهو، لا
ينبغي أن يكون الرد الفلسطيني مجرد انتظار الأسوأ.
وإذا سقط، لا ينبغي
أن يكون الرد انتظار الأفضل.
لأن مستقبل القضية
الفلسطينية لا يجوز أن يبنى على اسم رئيس الحكومة الإسرائيلية.
هذه نقطة جوهرية.
الفلسطينيون بحاجة
إلى استراتيجية تتعامل مع إسرائيل كدولة ومجتمع ومؤسسات، وليس فقط مع
حكوماتها المتعاقبة.
قد يأتي رئيس حكومة
أكثر اعتدالاً من نتنياهو ، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه سيكون مستعداً لتقديم حل
تاريخي للقضية الفلسطينية.
وقد تأتي حكومة أكثر
براغماتية ، لكنها قد تضع الأمن أولاً ، وتتعامل مع الدولة الفلسطينية باعتبارها
ملفاً مؤجلاً.
لذلك فإن الرهان
الفلسطيني الحقيقي يجب أن يكون على إعادة بناء البيت الفلسطيني نفسه.
غزة
ستكون الامتحان
لا يمكن قراءة
الانتخابات الإسرائيلية بعيداً عن غزة.
فالقطاع لم يعد مجرد
ملف أمني إسرائيلي.
إنه عقدة إقليمية
ودولية.
وكل حكومة إسرائيلية
جديدة ستجد نفسها أمام سؤال لا تستطيع الهروب منه:
ماذا بعد الحرب؟
من يحكم غزة؟
من يعيد إعمارها؟
من يضمن أمنها؟
ما مصير سلاح حماس؟
كيف ترتبط غزة
بالضفة؟
وهل تصبح غزة كياناً
منفصلاً بحكم الأمر الواقع ، أم تعود إلى إطار فلسطيني موحد؟
هذه الأسئلة ستكون
أكثر أهمية من اسم رئيس الحكومة الجديد.
وإذا استطاع
الفلسطينيون استعادة وحدتهم السياسية، فقد تتحول الانتخابات الإسرائيلية من خطر
عليهم إلى فرصة.
أما إذا ظل الانقسام
الفلسطيني قائماً ، فإن أي حكومة إسرائيلية ستكون قادرة على استخدام الانقسام
ذريعة لتأجيل الحل السياسي.
الضفة
الغربية... الامتحان الأصعب
إذا كانت غزة هي
الجرح المفتوح ، فإن الضفة الغربية هي المعركة الطويلة.
فالاستيطان يتوسع،
والعنف الاستيطاني مستمر، والحديث عن الضم أو فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء
من الضفة لا يزال حاضراً في السياسة الإسرائيلية.
وقد حاول نتنياهو في
الآونة الأخيرة اتخاذ إجراءات ضد بعض البؤر الاستيطانية غير المرخصة ، تحت ضغط
أمريكي ، لكن ذلك لم يوقف التوسع الاستيطاني الأوسع.
وهذا يعني أن
الانتخابات قد تنتج تغييراً في الحكومة ، بينما تستمر الخريطة على الأرض في التغير
بعيداً عن صناديق الاقتراع.
وهنا تحديداً يجب أن
يكون الفلسطينيون أكثر يقظة.
فالزمن في الصراع
الفلسطيني الإسرائيلي ليس محايداً.
كل يوم يمر يمكن أن
يضيف مستوطنة ، أو طريقاً ، أو حاجزاً ، أو واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه.
أما
الأحزاب العربية...
فقد تكون الأحزاب
العربية داخل إسرائيل أمام لحظة تاريخية.
إذا بقيت خارج حسابات
تشكيل الحكومة ، فإنها ستظل تملك عدداً من المقاعد ، لكنها ستظل عاجزة عن تحويل
القوة الانتخابية إلى تأثير سياسي مكافئ.
أما إذا استطاعت أن
تصبح جزءاً من معادلة تشكيل الحكومة ، فقد تدخل السياسة الإسرائيلية مرحلة مختلفة.
لكن هذا يتطلب أيضاً
إعادة تعريف العلاقة بين الفلسطينيين في الداخل والفلسطينيين في الضفة وغزة.
فالحدود السياسية
التي رسمتها اتفاقيات وأحداث التاريخ لم تستطع أن تمحو وحدة القضية في الوعي الفلسطيني
، لكنها أنتجت واقعاً سياسياً شديد التعقيد.
الانتخابات
ليست نهاية القصة
في النهاية، قد يفوز
نتنياهو.
وقد يخسر.
وقد يفوز خصمه.
وقد لا يفوز أحد.
وقد تستيقظ إسرائيل
بعد الانتخابات على حكومة جديدة ، لكنها تكتشف أن الأسئلة القديمة ما زالت تنتظر
الإجابة.
أما الفلسطينيون ،
فلا ينبغي أن يذهبوا إلى المستقبل بعقلية انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية
وكأن مستقبلهم محفوظ داخل صناديق الاقتراع الإسرائيلية.
إسرائيل ستختار
حكومتها.
لكن الفلسطينيين يجب أن يختاروا
استراتيجيتهم.
وهنا تكمن الفرصة.
فإذا نجح الفلسطينيون
في إعادة بناء مؤسساتهم ، وإنهاء الانقسام ، وتوحيد القرار السياسي ، وإعادة
الاعتبار لمنظمة التحرير باعتبارها إطاراً جامعاً ، وصياغة برنامج وطني واقعي يجمع
بين الحق والقدرة على تحقيقه ، فإن أي حكومة إسرائيلية ستجد نفسها أمام شريك
فلسطيني لا تستطيع تجاوزه.
أما إذا بقي
الفلسطينيون أسرى الانقسام ، فإن تغيير نتنياهو بغيره قد لا يكون أكثر من تغيير
اسم على باب البيت.
قد تتغير الوجوه.
وقد تتغير الشعارات.
وقد تتغير التحالفات.
لكن الجدار سيبقى في
مكانه.
والاستيطان سيواصل
زحفه.
وغزة ستبقى تنتظر
إعادة البناء.
والقدس ستبقى معلقة
بين التاريخ والسياسة.
والفلسطيني سيبقى
واقفاً أمام سؤال لا تستطيع صناديق إسرائيل الإجابة عنه:
متى يصبح لنا صندوقنا
نحن، الذي لا نختار فيه من يحكم إسرائيل ، بل نختار فيه كيف نريد أن يكون مستقبل
فلسطين؟
وهنا، ربما يكون
الدرس الأهم من الانتخابات الإسرائيلية القادمة أن مستقبل القضية الفلسطينية لن
تحدده نتيجة 27 أكتوبر وحدها.
قد تغير الانتخابات الطرف
المقابل على الطاولة.
لكنها لن تعفي
الفلسطينيين من مهمة الجلوس إلى الطاولة وهم يعرفون ماذا يريدون.
فالتاريخ لا يمنح
الفرص مرتين دائماً.
وقد تكون الانتخابات
الإسرائيلية القادمة واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يمكن فيها للفلسطينيين أن
ينتقلوا من انتظار ما يفعله الآخرون إلى صناعة ما يريدونه هم.
فلا تنتظروا أن تسقط
حكومة إسرائيل حتى يبدأ التغيير الفلسطيني؛ ابدأوا التغيير، أياً كان ساكن البيت
في تل ابيب مع وبلا
بنيامين .

تعليقات
إرسال تعليق