حسابات
السرايا والقرايا
ترف الانتخابات
الفلسطينية في زمن البقاء على قيد الحياة
ليست كل
الانتخابات تعبيراً عن الديمقراطية ، وليست كل صناديق الاقتراع قادرة على إنتاج الشرعية. فثمة
لحظات في تاريخ الشعوب يصبح فيها الانشغال بعدّ الأصوات ضرباً من الترف السياسي ،
حين يكون الناس منشغلين بعدّ ما تبقى لهم من أيام على قيد الحياة ، وحين تتحول
الأوطان إلى مساحات ضيقة للنجاة ، لا تتسع لأحلام أبنائها ولا حتى لخطواتهم نحو
حقولهم ومدارسهم ومنازلهم.
وفي فلسطين ،
حيث تتزاحم المآسي على أبواب الجغرافيا ، يبدو الحديث عن الانتخابات أقرب إلى
انشغال بعض النخب بترتيب مقاعد قاعة احترقت ، بينما لا يزال أصحابها يبحثون عن
مخرج من بين الأنقاض.
في غزة ، لا
تزال الأولوية لاستعادة الحد الأدنى من شروط الحياة ، وسط الدمار
والنزوح والفقدان وانعدام اليقين. وفي القدس ، يخوض الفلسطيني معركة يومية للبقاء في مدينته ، في
مواجهة إجراءات تضيق عليه سبل العيش والاستقرارأو
الوصول الى أماكن العبادة ، أما في الضفة الغربية، فقد
بات الانتقال من منطقة إلى أخرى ، والوصول إلى الأرض ، وقطف الزيتون من أشجاره ،
أعمالاً قد تستلزم من أصحابها حسابات أمنية ومعيشية تفوق ما تتطلبه أبسط تفاصيل
الحياة الطبيعية.
وفي خضم هذه
الصورة ، يخرج علينا بعض أهل السياسة ليحدثونا عن القوائم الانتخابية ، وتكاليف
تسجيلها، والتحالفات الضرورية لإنجاحها ، ومصادر تمويل حملاتها ، وكأن فلسطين
تجاوزت أزماتها الوجودية ، ولم يبق أمامها سوى أن تختار من يتولى إدارة شؤونها.
يا لها من
مفارقة!
شعب يقاتل كي
يبقى على أرضه ، ونخب تتنافس على من يحكم ما تبقى.
بين السرايا والقرايا
في الموروث
الشعبي ، تحيل السرايا إلى مقامات السلطة ومراكز القرار ، بينما تحيل القرايا إلى
الناس وبيوتهم وحقولهم وأرزاقهم. وبين
الاثنين ، طالما اتسعت المسافة حين يصبح الحكم غاية في ذاته ، وتتحول السياسة من
وسيلة لخدمة الناس إلى مهنة يتنافس أصحابها على امتيازاتها.
وهذه هي المعضلة
الفلسطينية اليوم: هل تنشغل
النخب بما تحتاجه القرايا ، أم بما تقتضيه حسابات السرايا ؟
هل الأولوية
لإنقاذ مجتمع أنهكته الحروب والانقسامات ، أم لتسجيل قائمة انتخابية جديدة ؟ هل
الأولوية لصياغة برنامج وطني يوقف التدهور ويستعيد وحدة القرار ، أم للبحث عن
ممولين قادرين على دفع تكاليف الدعاية الانتخابية ؟ وهل باتت فلسطين بحاجة إلى
مزيد من الوجوه التي تتقن فن الوصول إلى السلطة ، أم إلى رجال ونساء يمتلكون شجاعة
الاعتراف بأن المرحلة تتجاوز حسابات الفصائل ومصالحها ؟
المشكلة ليست في
الانتخابات باعتبارها حقاً ديمقراطياً أصيلاً ، ولا في مبدأ تداول السلطة الذي
يحتاج إليه الفلسطينيون أكثر من أي وقت مضى. المشكلة في توقيت الانتخابات وشروطها وبيئتها السياسية ، وفي احتمال أن
تتحول إلى عملية شكلية لا تعكس حقيقة المجتمع ولا حجم التضحيات التي قدمها.
فالانتخابات
التي تُجرى في ظل انعدام تكافؤ الفرص ، وتفتت الجغرافيا ، وتراجع الحريات ، وهيمنة
المال السياسي ، لا تضمن بالضرورة إنتاج قيادة قادرة على تمثيل الشعب. وقد تتحول ، بدلاً من أن تكون
مدخلاً للخروج من الأزمة ، إلى وسيلة لإعادة تدويرها بأسماء جديدة ووجوه مألوفة.
ترف الصناديق في
زمن الركام
أي معنى لصندوق
اقتراع في غزة ، إذا كان الناخب لا يعرف أين سيبيت غداً ؟ وأي قيمة لبرنامج
انتخابي يعد بالتنمية ، بينما يحتاج الناس إلى من يعيد إليهم منازلهم ومصادر رزقهم
وأبسط مقومات الكرامة الإنسانية ؟
كيف يمكن إقناع
الفلسطيني في الضفة الغربية بأن صوته سيغير واقعه ، بينما لا يزال الوصول إلى أرضه
أو التنقل بين بلداته مرهوناً بقيود وإجراءات لا يملك قرارها ؟ وكيف يمكن إقناع
المقدسي بأن الانتخابات ستصنع مستقبلاً مختلفاً ، فيما تتواصل الضغوط التي تستهدف
أصلا وجوده في مدينته ؟
ليست هذه أسئلة
للاعتراض على الديمقراطية، بل للدفاع عن معناها الحقيقي.
فالديمقراطية
ليست يوماً انتخابياً معزولاً عن حياة الناس ، ولا ورقة توضع في صندوق ثم يعود
المواطن إلى عجزه القديم. إنها
منظومة من الحقوق والحريات والمساءلة ، وشرطها الأول أن يشعر المواطن بأن صوته جزء
من قرار حقيقي ، لا مجرد تفويض مؤقت لطبقة سياسية تشكلت كيفما إتفق .
وحين يغيب هذا
الشرط، يصبح الصندوق واجهة جميلة لمشهد مختل ، وتتحول الانتخابات إلى مناسبة
تتنافس فيها القوى على شرعية لا تستطيع ضمان شروطها الأساسية.
المال السياسي... حين يصبح الفقر
ناخباً إضافياً
لعل أخطر ما
يمكن أن تواجهه الانتخابات الفلسطينية هو أن تتحول الحاجة الاقتصادية إلى بوابة
لتشكيل الإرادة السياسية.
فحين تعجز النخب
عن تمويل قوائمها من موارد شفافة ومعلنة ، وتبدأ رحلة البحث عن المال في العواصم
الإقليمية ، لا يعود السؤال متعلقاً فقط بمن يدفع تكاليف الحملة ، بل بمن يمتلك حق
التأثير في البرنامج السياسي والقرار الوطني بعد إعلان النتائج.
ليس كل تمويل
خارجي تدخلاً بالضرورة ، ولا كل دعم سياسي دليلاً على التبعية. لكن الخطر يبدأ حين تصبح
الموارد الخارجية شرطاً للبقاء الانتخابي ، وحين يجد المرشح نفسه مضطراً إلى
مراعاة أولويات الممول أكثر من مراعاة أولويات المواطن.
وهنا تتقدم
المصالح على المبادئ ، وتتراجع البرامج الوطنية أمام حسابات الرعاية والتمويل ،
ويصبح الفقر نفسه ناخباً إضافياً ، وإن لم يدخل إلى مركز الاقتراع.
إن الفلسطيني
الذي فقد بيته ومصدر رزقه، أو الذي ينتظر المساعدات لإطعام أطفاله ، لا يجوز أن
يتحول احتياجه إلى فرصة لاستمالة صوته أو شراء ولائه . فكرامته ليست
بنداً في ميزانية انتخابية ، ووجعه ليس مادة دعائية ، ومستقبله ليس استثماراً
سياسياً لمن يمتلك المال.
والأخطر أن
المال السياسي قد يفتح أبواب السلطة أمام أشخاص لا تتناسب قدرتهم على التمويل مع
وزنهم الحقيقي في المجتمع أو تاريخهم في العمل الوطني. عندها لا تعود الانتخابات منافسة بين برامج ورؤى ، بل سباقاً بين مصادر
التمويل وشبكات النفوذ.
وما أكثر ما
تحتاجه فلسطين اليوم إلى تحصين قرارها الوطني من هذه المعادلة.
قيادة الطوارئ
قبل صناديق الاقتراع
ربما تكون
فلسطين اليوم بحاجة إلى ما هو أبعد من الاستحقاق الانتخابي المعتاد: إلى قيادة طوارئ وطنية ،
وحكومة طوارئ وطنية ، ووزارات تعمل بعقلية الطوارئ ، ونخب تتعامل مع اللحظة
باعتبارها مسؤولية تاريخية لا فرصة لتصفية الحسابات.
قيادة لا تستمد
شرعيتها من الشعارات وحدها ، بل من قدرتها على حماية المجتمع ، وتوحيد القرار ،
وتخفيف المعاناة ، ووضع خطة وطنية قابلة للتنفيذ لمواجهة التحديات الراهنة.
وحكومة لا تقيس
نجاحها بعدد البيانات والاجتماعات ، بل بما تستطيع إنجازه على الأرض: دعم صمود الناس، وإعادة بناء
المؤسسات ، وحماية الحقوق ، وتنسيق الجهود الإنسانية ، ومواجهة الاستيطان ،
واستعادة وحدة النظام السياسي الفلسطيني.
ووزارات لا تعمل
بمنطق الحصص الفصائلية ، ولا تُوزَّع حقائبها مكافأةً للحلفاء أو تعويضاً للخاسرين
، بل تُسند إلى أصحاب الكفاءة والنزاهة والقدرة على العمل في ظروف استثنائية.
أما النخب
الوطنية، فليس مطلوباً منها أن تتخلى عن اختلافاتها ، بل أن تدرك أن الخلاف
السياسي لا يمنحها الحق في تعطيل الأولويات الوطنية . وليس مطلوباً
منها أن تتفق على كل شيء ، بل أن تتفق أولاً على إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، وعلى أن
حياة الفلسطيني وكرامته ووحدته الوطنية تسبق مصالح الفصائل ومقاعد السلطة.
ولا يعني ذلك
تعليق الديمقراطية إلى أجل غير مسمى ، أو منح أي قيادة تفويضاً مفتوحاً باسم
الطوارئ. فحالة الطوارئ
نفسها قد تصبح ذريعة للاستئثار بالسلطة إذا غابت عنها الرقابة والشفافية والمدة
المحددة والمساءلة الشعبية.
المطلوب ، إذاً،
ليس استبدال الانتخابات بحكم استثنائي بلا ضوابط ، بل تهيئة شروط سياسية ومجتمعية
تجعل الانتخابات وسيلة حقيقية للتغيير، لا احتفالاً شكلياً بإعادة إنتاج الأزمة.
أي شرعية نريد؟
ثمة فرق شاسع
بين شرعية الصندوق وشرعية الإنجاز ، وإن كانتا في الحالة الديمقراطية السليمة
متكاملتين لا متعارضتين.
فالانتخابات
تمنح السلطة تفويضاً سياسياً ، لكنها لا تمنحها حصانة من المساءلة ، ولا تعفيها من
واجب حماية المواطنين. كما أن الإنجاز لا يبرر إلغاء حق الناس في الاختيار ، ولا يتيح
لأحد أن يحتكر تعريف المصلحة الوطنية نيابة عنهم.
وفي الحالة
الفلسطينية، لا يمكن بناء شرعية مستدامة دون معالجة الانقسام ، وتوحيد المؤسسات ،
وضمان الحريات السياسية ، واحترام التعددية ، وإيجاد إطار وطني جامع يحدد العلاقة
بين السلطة ومنظمة التحرير والفصائل والمجتمع.
ولا يمكن أن
تكون الانتخابات مجرد وسيلة لتثبيت موازين القوى القائمة ، أو اختباراً لقدرة
الفصائل على حشد أنصارها ، أو مناسبة لإعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوة.
إنها، قبل كل
شيء ، عقد جديد بين الشعب وقيادته، قوامه أن السلطة تكليف لا غنيمة ، وأن المنصب
مسؤولية لا امتياز ، وأن من يطلب ثقة الناس عليه أن يجيب عن سؤال بسيط: ماذا ستفعل لتغيير حياتهم؟
أما من لا يملك
جواباً سوى الشعارات ، أو يستند إلى المال الخارجي ، أو يراهن على تعب الناس
ونسيانهم ، فليس من حقه أن يتعامل مع صندوق الاقتراع بوصفه صك ملكية للوطن.
الخلاصة: القرايا أولى من
السرايا
أيها المتنافسون
على القوائم والمقاعد ، تريثوا قليلاً.
انظروا إلى غزة
قبل أن تحسبوا أصواتها ، وإلى القدس قبل أن تتحدثوا باسمها ، وإلى الضفة قبل أن
ترسموا خرائط نفوذكم فوق أرضها. انظروا
إلى الأطفال الذين كبروا على أصوات الانفجارات ، وإلى العائلات التي فقدت بيوتها ،
وإلى المزارع الذي يخشى الوصول إلى شجرته ، وإلى الموظف الذي ينتظر راتبه ، وإلى
الشاب الذي لم يعد يرى في السياسة سوى وجوه تتبدل ووعود تتكرر.
هؤلاء ليسوا
خلفية لمشهدكم الانتخابي ، بل هم جوهر القضية التي تزعمون تمثيلها.
فلسطين ليست
سرايا تتنافس على مفاتيح الحكم ، ولا قرايا ينتظرون من يمنحهم الإذن بالحياة. فلسطين شعب دفع من دمه وأمنه
ومستقبله أثماناً باهظة ، ومن حقه أن يجد في قيادته ما يستحق كل تلك التضحيات.
ولذلك ، فإن
السؤال الذي ينبغي أن يسبق تسجيل القوائم ليس: من يستطيع أن يجمع المال؟ ولا: من يمتلك التحالف الأوسع ؟ ولا: من يستطيع أن ينتزع مقاعد أكثر ؟
بل: من يمتلك القدرة على إنقاذ
المجتمع ، واستعادة الوحدة ، وصون القرار الوطني ، وإعادة بناء الثقة بين الناس
والسياسة ؟
فإن لم تكن
الانتخابات قادرة على الإجابة عن هذه الأسئلة ، وإن لم تتوافر لها شروط النزاهة
والحرية والتنافس الحقيقي ، فإن تأجيلها إلى حين تهيئة تلك الشروط قد يكون أكثر
مسؤولية من استعجالها.
فليس كل تأجيل
هزيمة للديمقراطية ، كما أن ليس كل اقتراع انتصاراً لها.
وفي زمن تتهاوى
فيه البيوت ، وتضيق فيه الأرض بأهلها ، وتُختبر فيه قدرة الفلسطينيين على البقاء ،
ينبغي أن يتقدم القرايا على السرايا، والناس على المقاعد ، والنجاة على الحسابات.
ففلسطين اليوم
لا تحتاج إلى نخب تتقن حساب تكاليف الوصول إلى السلطة ، بقدر ما تحتاج إلى قيادة
تعرف كيف تعيد للناس حقهم في الحياة ، ثم تترك لهم ، بحرية وكرامة، حق اختيار من
يحكمهم.
ذلك وحده ما
يجعل للصندوق معنى ، وللسياسة شرفاً ، وللشرعية جذوراً لا تقتلعها أول عاصفة.

تعليقات
إرسال تعليق