لن
أغرق بمفردي
حين يتحول الدعم
الأمريكي إلى فاتورة انتخابية، والحرب إلى مصير مشترك
ليست كل رسائل التأييد هدايا، وليست كل كلمات الصداقة بريئة من
الحساب. ففي السياسة، قد تأتي الابتسامة محمّلة بفاتورة مؤجلة، وقد تتحول اليد
التي تصافحك إلى يدٍ تشير إلى صندوق الاقتراع، مطالبةً إياك بأن تختار من أجلكما
معاً، لا من أجلك وحدك.
وهذا، في جوهره، ما يمكن قراءته في تدخل دونالد ترامب لدعم
بنيامين نتنياهو قبل أيام من الانتخابات الإسرائيلية. لم يكتفِ الرئيس الأمريكي
بمدح حليفه ووصفه بالقوة والشجاعة، بل ربط استمرار الشراكة بمستقبل المواجهة مع
إيران، محذراً الإسرائيليين من أن اختيار قيادة أخرى قد يترك الولايات المتحدة
وحيدة في مواجهة ما تعتبره تهديداً إيرانياً.
كأن ترامب يقول للإسرائيليين: تذكّروا ما قدمناه لكم، وتذكّروا
ما بدأناه معاً، ثم قرروا إن كنتم تريدون استكمال الطريق مع الرجل الذي يعرف
تفاصيله، أم المجازفة بتسليم الدفّة إلى آخرين.
لكن ما لم يقله ترامب صراحةً، أو لم يشأ أن يقوله بهذه
المباشرة، هو أن الحرب التي باتت الولايات المتحدة شريكاً أساسياً فيها لم تنشأ في
فراغ سياسي، وأن نتنياهو ظل سنوات يدفع باتجاه مواجهة إيران، مقدماً إياها بوصفها
المعركة التي لا يمكن تأجيلها، والخطر الذي لا يمكن التعايش معه، والبوابة التي
ينبغي عبورها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق الرؤية الإسرائيلية التي يتبناها.
وهنا يبدأ السؤال الذي يتجاوز صناديق الاقتراع: هل دخلت الولايات المتحدة حرباً اختارتها بنفسها، أم وجدت
نفسها داخل حربٍ ساهم نتنياهو في رسم طريقها، ثم أصبح الانسحاب منها أكثر كلفة من
الاستمرار فيها؟
لا يعني ذلك أن واشنطن فقدت إرادتها أو أنها مجرد تابع للقرار
الإسرائيلي؛ فالولايات المتحدة قوة كبرى لها حساباتها ومصالحها وأهدافها الخاصة.
لكن العلاقة بين الحليفين لا تُقاس فقط بمن يملك الطائرات والصواريخ، بل أيضاً بمن
يستطيع التأثير في تعريف الخطر، وتحديد توقيت المواجهة، ورسم صورة النصر الممكن.
وقد نجح نتنياهو، على مدى سنوات، في جعل إيران محوراً مركزياً
في خطابه الأمني والسياسي. أما ترامب، الذي يفضّل إعلان الانتصارات على شرح
تكاليفها، فقد وجد نفسه أمام معادلة لا يكفي فيها التفوق العسكري وحده لضمان نهاية
سياسية مريحة.
فالحرب ليست عملية حسابية تُجمع فيها الأهداف المدمرة، ثم
يُعلن النصر عند بلوغ رقم معين. إنها امتحان للقدرة على تحويل القوة إلى نتيجة،
والدمار إلى استقرار، والإنجاز العسكري إلى واقع سياسي قابل للاستمرار.
وإذا كان نتنياهو قد رأى في المواجهة فرصة لتقليص النفوذ
الإيراني وإعادة ترتيب موازين القوة في المنطقة، فإن ترامب يحتاج إلى إقناع
الأمريكيين بأن الحرب لم تتحول إلى عبء مفتوح، وأن ما يُدفع من أثمان يمكن تبريره
بنتيجة واضحة. وبين الرؤيتين مساحة واسعة من الاختلاف: قد يريد نتنياهو استكمال
المعركة حتى تتغير البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، بينما يحتاج ترامب إلى
نقطة يمكنه عندها أن يقول لجمهوره: لقد أنجزنا المهمة، وحان وقت جني الثمار.
وهذه هي المفارقة الكبرى:
قد يتفق الحليفان على ضرورة الحرب،
لكنهما لا يتفقان بالضرورة على معنى نهايتها.
فنتنياهو لا يبحث عن نهاية عسكرية فحسب؛ إنه يحتاج إلى نتيجة
يستطيع تسويقها بوصفها انتصاراً تاريخياً، يعيد ترميم صورته بعد سنوات من الحروب
والأزمات والاتهامات والإخفاقات الأمنية. وترامب، بدوره، لا يريد أن يدخل التاريخ
باعتباره رئيساً فتح جبهة كبرى ثم اكتشف أن إغلاقها أصعب من فتحها.
كلاهما يحتاج إلى الآخر، لكن حاجة كل منهما مختلفة. نتنياهو
يحتاج إلى الغطاء الأمريكي، والتفوق العسكري، والقدرة على تحويل الإنجاز الميداني
إلى مكسب استراتيجي. وترامب يحتاج إلى شريك إسرائيلي يستطيع أن يقدم نتائج ملموسة،
لا أن يضع البيت الأبيض أمام سلسلة من الالتزامات التي تتسع كلما اقتربت لحظة
الحسم.
من هنا، لا يبدو تأييد ترامب لنتنياهو مجرد مجاملة انتخابية
بين صديقين، بل تدخلاً يحمل رسالة إلى الناخب الإسرائيلي: إن تغيير القيادة في هذه
اللحظة قد يربك مشروعاً مشتركاً، ويضع علامات استفهام أمام مستقبل المواجهة مع
إيران.
غير أن الرسالة تحمل في طياتها اعترافاً غير مباشر بمأزق آخر.
فإذا كانت استمرارية الحرب مرتبطة إلى هذا الحد ببقاء نتنياهو، فهل يعني ذلك أن
المشروع الذي قُدّم باعتباره ضرورة استراتيجية لإسرائيل بات رهينة مستقبل رجل
واحد؟ وهل أصبحت نتائج الحرب ومخاطرها مرتبطة ببقاء صاحب القرار في السلطة، بدلاً
من أن تكون مرتبطة بتقدير موضوعي للمصلحة الإسرائيلية؟
إن الدولة التي تربط أمنها بمصير زعيم واحد، وتختزل مستقبلها
في استمرار حكومته، تخاطر بتحويل الاستراتيجية إلى رهينة انتخابية. فالقيادة
السياسية قد تتغير، لكن الجغرافيا لا تتغير معها، والتهديدات لا تختفي بمجرد سقوط
حكومة، كما أن استمرار رئيس في منصبه لا يضمن تلقائياً تحقيق الأهداف التي وعد بها.
ثم إن الناخب الإسرائيلي ليس مجرد رقم في حسابات ترامب، ولا
ينبغي أن يكون صندوق الاقتراع وسيلة لتجديد تفويض سياسي لحرب مفتوحة. فمن حق
الإسرائيليين أن يسألوا عن النتائج، وعن الكلفة، وعن حدود الأهداف، وعن اليوم
التالي للمواجهة. ومن حق الأمريكيين أيضاً أن يسألوا لماذا ينبغي لبلادهم أن تتحمل
مخاطر حرب تتقاطع فيها مصالحها مع رؤية حليفها، من دون أن تتطابق معها بالضرورة.
أما الشرق الأوسط الذي يُراد إعادة تشكيله، فليس رقعة شطرنج
صامتة، ولا فراغاً تنتظر دوله وشعوبه وصول اللاعبين الكبار لتحديد مصائرها. فكل
حرب تُفتح باسم الأمن قد تنتج تهديدا جديداً، وكل محاولة لفرض نظام إقليمي بالقوة
قد تزرع أسباب اضطرابه المقبل. ولا يكفي إضعاف خصم لتأسيس سلام، كما لا يكفي تغيير
موازين القوة لضمان أن تقبل المنطقة بالخريطة الجديدة.
ولعل أخطر ما في هذه اللحظة أن يتحول الخوف من الهزيمة إلى
مبرر للاستمرار، وأن يصبح ما دُفع من أثمان حجةً لدفع المزيد منها. فبدلاً من أن
يسأل الحليفان: هل وصلنا إلى نتيجة تستحق كل هذه الكلفة؟ قد يجدان نفسيهما يسألان:
كيف نتراجع الآن بعدما ذهبنا بعيداً؟
وهكذا يصبح الماضي القريب قيداً على المستقبل، وتتحول الخسائر
السابقة إلى استثمار نفسي وسياسي لا يريد أصحابه الاعتراف بفشله. عندها لا تعود
الحرب وسيلة لتحقيق الأهداف، بل يصبح تحقيق الأهداف المعلنة ذريعة لاستمرار الحرب.
في النهاية، قد يريد ترامب من الإسرائيليين أن يصوتوا لنتنياهو
حفاظاً على مشروع بدأه الرجلان معاً، وقد يرى نتنياهو في الدعم الأمريكي فرصة
لاستكمال ما يعتبره معركة مصيرية. لكن ما يحتاجه الشرق الأوسط ليس زعيمين يخشيان
أن يخرج أحدهما من الحرب قبل الآخر، بل قيادة تستطيع أن تعترف بأن القوة، مهما
بلغت، لا تمنح أصحابها حقاً مفتوحاً في إعادة تشكيل مصائر الآخرين.
نغرق معاً أو ننجو معاً؟
تلك هي الرسالة التي تختبئ خلف تأييد ترامب، لكنها ليست بالضرورة
الخيار الوحيد أمام الرجلين. فثمة طريق ثالث لا تحبه حسابات الزعماء عادةً: أن
يتوقفا قبل أن تتحول الشراكة إلى قيد، وأن يعيدا تعريف النجاح قبل أن يصبح التراجع
مستحيلاً.
فليس كل من يواصل الإبحار شجاعاً، وليس كل من يغيّر مساره
مهزوماً. أحياناً تكون الشجاعة في الاعتراف بأن السفينة تسير نحو الصخور، وأن
إنقاذها أهم من إثبات أن القبطان لا يخطئ.
أما إذا أصرّ كل منهما على أن يكون الآخر ضمانة نجاته، فقد
يكتشفان متأخرين أن الشراكة التي بدأت بوعد النصر تحولت إلى شراكة في دفع الثمن؛
وأن أخطر ما يجمع الحليفين ليس ما يريدان تحقيقه معاً، بل ما يخشيان خسارته إذا
افترقا.
وعند حافة الهاوية، لا يكفي أن يتبادل القبطانان عبارات الثقة.
لا بد لأحدهما أن يسأل إلى أين تتجه السفينة، ولأي غاية، وبأي ثمن، وقبل فوات
الأوان.

تعليقات
إرسال تعليق