فلسطينيّو
الداخل يمكنهم أن يصنعوا الفرق
حين
يصبح الصوت الانتخابي دفاعاً عن الوجود، لا مجرد ورقة في صندوق الاقتراع
«لا تقنعه بقوة
الفكرة، بل بثمن رفضها»؛ عبارة تُنسب في تداولها إلى الفيلسوف الألماني فريدريك
نيتشه، وتختصر، بصرف النظر عن دقة نسبتها، جانباً من طبيعة الصراع حين تعجز الحجج
وحدها عن تغيير الحسابات، ولا يعود ممكناً تجاهل كلفة القرارات ونتائجها.
وفي فلسطين، حيث
تتقاطع الجغرافيا مع التاريخ، وحيث لم يعد التهديد مقتصراً على حدود سياسية
بعينها، تبدو هذه الفكرة جديرة بالتأمل. فالفلسطيني في الداخل، كما الفلسطيني في
غزة والضفة الغربية والقدس، يجد نفسه أمام سؤال يتجاوز تفاصيل الانتخابات
الإسرائيلية: كيف يمكن حماية الوجود والحقوق في ظل صعود تيارات سياسية ترى في إلتهام
الحقوق الفلسطينية جزءاً من رؤيتها لمستقبل المنطقة؟
ليست المسألة أن
يكون الصوت العربي مجرد رقم في معادلة حزبية، ولا أن تتحول المشاركة السياسية إلى
طقس يتكرر كلما اقترب موعد الانتخابات. المسألة أن يدرك الجميع أن الصوت، حين
يُستخدم بوعي ومسؤولية، يمكن أن يكون أداة للتأثير في السياسات التي تمس الحياة
اليومية والمستقبل الجماعي.
من قوة الفكرة
إلى كلفة تجاهلها
على امتداد
سنوات، حاول الفلسطينيون شرح قضيتهم للعالم بلغة التاريخ والحقوق والقرارات
الدولية. تحدثوا عن الأرض التي فقدوها، والقرى التي هُجّر أهلها، والاحتلال
والاستيطان، وعن حقهم في الحياة بحرية وكرامة. لكن الحق، مهما بلغت قوة حجته، لا
يتحول تلقائياً إلى سياسة ما لم يجد من يحمله إلى مواقع القرار، ويجعل تجاهله
مكلفاً سياسياً وأخلاقياً.
وهنا تبرز أهمية
فلسطينيي الداخل، الذين يعيشون داخل إسرائيل ويحملون مواطنتها، بينما يحتفظون
بهويتهم الوطنية الفلسطينية وارتباطهم التاريخي والاجتماعي بشعبهم في سائر أماكن
وجوده.
إنهم ليسوا مجرد
كتلة انتخابية تنتظر الأحزاب الإسرائيلية استمالتها، بل مواطنون لهم حقوق ومصالح
ومطالب، ولهم القدرة على التأثير في النقاش العام والتمثيل البرلماني والعمل
المدني. غير أن هذه القدرة ليست مطلقة؛ فهي تتأثر بنسبة المشاركة، وتعدد القوائم،
وطبيعة التحالفات، وقواعد النظام الانتخابي، ومدى استعداد الأحزاب المختلفة للتعامل
مع مطالبهم باعتبارها حقوقاً لا أوراق مساومة.
ولذلك، فإن قيمة
الصوت لا تكمن في عدد الأصوات وحده، بل في القدرة على تحويلها إلى برنامج واضح،
ومساءلة سياسية مستمرة، ومطالب قابلة للقياس.
حكومة اليمين…
حين تصبح المخاوف أسئلة عن المستقبل
لا يمكن فصل
النقاش حول الانتخابات الإسرائيلية عن السياسات المتعلقة بالاستيطان، والأرض،
والمساواة، وحقوق الفلسطينيين، ومستقبل الصراع. فقد أثارت سياسات حكومات إسرائيلية
متعاقبة، ولا سيما التيارات القومية والدينية اليمينية، مخاوف واسعة بشأن توسيع
المستوطنات، ومستقبل حل الدولتين، ومكانة المواطنين العرب، وحدود المساواة أمام
القانون.
لكن الخطر لا
يكمن فقط في البرامج المعلنة، بل أيضاً في تحويل الاستثناء إلى قاعدة، والإجراءات
المؤقتة إلى واقع دائم، والخطاب التحريضي إلى لغة مألوفة في الحياة العامة.
حين تتراجع
مكانة الحقوق في الخطاب السياسي، يصبح من السهل تقديم التمييز على أنه ضرورة
أمنية، والاستيطان على أنه حقيقة لا رجعة عنها، وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم على
أنه ثمن لا بد منه لاستقرار مزعوم.
وهنا لا يكفي
الاعتراض بعد وقوع الضرر. فالمشاركة السياسية والعمل القانوني والإعلامي والمدني
تتيح مسارات لمواجهة هذه السياسات قبل أن تتكرس، وإن كانت لا تضمن وحدها منعها.
غزة والضفة
والقدس… جراح لا تفصلها الحواجز
في غزة، لا
تختصر المأساة في أرقام القتلى والجرحى، ولا في البيوت المهدمة والمستشفيات التي
تكافح للبقاء. إنها أيضاً سؤال عن مستقبل مجتمع كامل، وعن حق الأطفال في أن يكبروا
خارج الخوف، وعن قدرة الناس على استعادة حياة لا تتحكم بها الحرب والنزوح والحاجة.
وفي الضفة
الغربية، تتشابك القيود على الحركة مع التوسع الاستيطاني والعنف ومخاوف فقدان
الأرض. أما القدس، فتبقى ساحة صراع على الهوية والوجود والحقوق، حيث تتجاوز
المعركة حدود الحجر والبناء إلى سؤال أعمق: من يملك حق البقاء في المدينة، ومن
يستطيع أن يصوغ مستقبلها؟
قد تختلف ظروف
فلسطينيي الداخل عن ظروف الفلسطينيين تحت الاحتلال، وقد تختلف الأدوات المتاحة لكل
مجموعة، لكن ذلك لا يلغي الترابط الإنساني والسياسي بين هذه التجارب. فالتضامن لا
يعني محو الفوارق، بل فهمها والعمل على أساسها.
وليس مطلوباً من
فلسطينيي الداخل أن يحملوا وحدهم أعباء شعب بأكمله، ولا أن يُحمّلوا مسؤولية نتائج
سياسات لا يملكون السيطرة عليها. المطلوب إدراك ما يستطيعون فعله ضمن حدود قوتهم،
واستخدام الأدوات المتاحة لهم للدفاع عن المساواة والحقوق، ورفض تحويل الاختلافات
الجغرافية والسياسية إلى جدران تفصل الفلسطيني عن الفلسطيني.
الصوت الذي يصنع
الفرق
في الانتخابات،
لا ينبغي أن يُقاس النجاح بمجرد عدد المقاعد التي تحصل عليها قائمة عربية أو حجم
التمثيل البرلماني وحده. الأهم أيضاً هو ما إذا كان هذا التمثيل قادراً على الدفاع
عن الحقوق المدنية، ومكافحة التمييز، وتحسين الخدمات، وحماية الأرض، والتأثير في
التشريعات والقرارات الحكومية.
وهذا يتطلب أكثر
من الحماسة الموسمية. يتطلب مشاركة واعية، وحواراً عاماً يتجاوز المناكفات
الحزبية، ومحاسبة للقيادات، وبرامج تتعامل مع قضايا الناس اليومية من السكن
والتعليم والعمل والصحة إلى الجريمة والأمن الشخصي.
كما يتطلب إدراك
أن المشاركة الانتخابية ليست الطريق الوحيد للتغيير، وإن كانت إحدى أدواته المهمة.
فالعمل البلدي، والتنظيم المجتمعي، والنقابات، والمؤسسات الحقوقية، والإعلام،
والاحتجاج السلمي، كلها مسارات يمكن أن تتكامل مع العمل البرلماني.
وفي المقابل،
فإن المقاطعة أو المشاركة ليستا شعارين صالحين لكل ظرف؛ بل خياران يحتاجان إلى
تقييم واقعي للبدائل والنتائج. السؤال ليس أيهما أكثر نقاءً في الخطاب، وإنما أي
مسار يستطيع أن يحمي الحقوق ويزيد قدرة المجتمع على التأثير، من دون أن يتحول إلى
غطاء لسياسات تضر به.
لا تمنحوا الخوف
حق تقرير المستقبل
إن أكثر ما يضعف
المجتمعات هو الاعتقاد بأن النتائج محسومة سلفاً، وأن الصوت لن يغير شيئاً، وأن
موازين القوة أكبر من أن تتأثر بإرادة الناس. فحين يتحول اليأس إلى موقف جماعي،
يصبح الامتناع عن الفعل جزءاً من البيئة التي تسمح للسياسات القائمة بالاستمرار.
لكن الأمل
الواقعي لا يعني المبالغة في قدرة الانتخابات، ولا الادعاء بأن صناديق الاقتراع
وحدها قادرة على إنهاء الاحتلال أو وقف الحرب أو تفكيك الاستيطان. إنه يعني رفض
التسليم بأن هذه الوقائع لا يمكن مواجهتها، والعمل على توسيع المساحات التي يستطيع
المجتمع فيها التأثير والمساءلة والدفاع عن حقوقه.
ومن هنا، فإن
مسؤولية فلسطينيي الداخل لا تنحصر في اختيار ممثليهم، بل تمتد إلى بناء حياة
سياسية أكثر تماسكاً، وإلى المطالبة بالمساواة الكاملة، وإلى مواجهة التمييز
بوسائل ديمقراطية وقانونية، وإلى صون التعددية داخل مجتمعهم نفسه.
فلا قيمة لصوت
يرفع شعار الوحدة بينما يرفض الاختلاف، ولا لمشروع وطني يتحدث عن الحرية ثم يضيّق
على حرية الآخرين، ولا لمشاركة سياسية تتحول إلى تفويض مفتوح لا يخضع للمساءلة.
الخلاصة : أن
يكون للصوت معنى
ربما لا يغيّر
صوت واحد مسار دولة، وربما لا تستطيع مجموعة انتخابية وحدها وقف مشروع سياسي واسع.
لكن الأصوات حين تتجمع حول مطالب واضحة، وتتحول إلى عمل منظم ومحاسبة مستمرة،
تستطيع أن تفتح مساحات للتأثير لم تكن متاحة من قبل.
فلسطين ليست غزة
وحدها، ولا الضفة وحدها، ولا القدس وحدها، ولا فلسطينيي الداخل وحدهم. إنها شعب
تتعدد ظروفه، وتتشابك مصائره، وتختلف أدواته، لكنه يظل محتاجاً إلى رؤية تحمي
حقوقه من التآكل، وتمنع تحويل مآسيه إلى مادة للمساومات السياسية.
إن الرسالة
الأهم التي يمكن أن تحملها الانتخابات ليست أن طرفاً انتصر على طرف، بل أن
المواطنين قادرون على التعبير عن إرادتهم، ومساءلة ممثليهم، ورفض السياسات التي
تنتقص من حقوقهم.
فحين يُطرح
السؤال عن ثمن تجاهل الفلسطينيين، لا ينبغي أن تكون الإجابة مزيداً من الصدام أو
الانتقام، بل كلفة سياسية واضحة لسياسات التمييز والإقصاء، تتجلى في المساءلة
العامة، والعمل الديمقراطي، والدفاع عن القانون والمساواة.
وهكذا، قد يصنع
فلسطينيّو الداخل فرقاً حقيقياً؛ لا لأنهم يملكون وحدهم مفاتيح المستقبل، بل لأن
كل مساحة متاحة للدفاع عن الحقوق تستحق أن تُستخدم بوعي ومسؤولية.
فالصوت ليس
بديلاً عن النضال، لكنه قد يكون أحد أشكاله. والانتخابات ليست نهاية الطريق، لكنها
قد تكون محطة في طريق طويل نحو المساواة والحرية والكرامة.
وفي زمن تحاول
فيه قوى كثيرة إقناع الفلسطيني بأن مستقبله يُقرَّر في عواصم الآخرين، تظل
المشاركة الواعية تذكيراً بأن للناس قدرة على التأثير، وأن الحقوق لا تُصان
بالأمنيات وحدها، بل بالعمل المنظم والإصرار على ألا يصبح الظلم أمراً عادياً، ولا
يصبح الصمت قدراً لا إنفكاك منه.

تعليقات
إرسال تعليق