ديموقراطية
ظلال البنادق
حين
تأتي النتائج من العيار الثقيل ، فيصبح الصوت العربي جبهة ثامنة لبنيامين ، وتمسي
صناديق الاقتراع فزاعة للرعب من المستقبل
ليست
الديمقراطية دائماً احتفالاً بالأصوات ، ولا صناديق الاقتراع دائماً أبواباً
مفتوحة نحو المستقبل. ففي بعض
اللحظات، تصبح الانتخابات أشبه بمحكمة تاريخية ، يقف أمامها مجتمع بأكمله ، لا
ليختار حكامه فحسب، بل ليجيب على سؤال أكثر خطورة: إلى أي مكان يريد أن يقود نفسه ، بعد أن جرّب الطريق حتى أقصى حوافه الأكثر
دموية ؟
هكذا تبدو
النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية السادسة والعشرين من عمرها الانتخابي
للعام الفان وستة وعشرون بعد الألفية الثانية وبعد ثمانية وسبعون عام على قيامها ،
وسط استقطاب حاد وغير مسبوق بين أقاصي اليمين والصوت العربي وتصدعات داخلية لم تعد
تخفيها الشعارات ، ولا تستطيع ترميمها خطابات الأمن القومي. فإسرائيل التي طالما قدّمت نفسها واحةً للديمقراطية في محيطها ، تجد
نفسها اليوم أمام مفارقة ثقيلة: كيف يمكن
للديمقراطية أن تنتج حكومة تضع المجتمع نفسه على حافة الهاوية ، ثم يُطلب من
صناديق الاقتراع أن تنقذه من نتائج خياراتها ؟
لقد كشفت
السنوات الأخيرة أن الديمقراطية، حين تُترك أسيرة الخوف والأيديولوجيا، قد تتحول
من أداة لتداول السلطة إلى وسيلة لتكريس التطرف. فالصندوق لا يضمن الحكمة لمجرد أن الناخب
أدخل ورقته فيه، والأغلبية لا تمنح قراراتها حصانة أخلاقية لمجرد أنها حازت
أصواتاً كافية. وقد تكون أخطر لحظات الديمقراطية تلك التي تستخدم فيها آلياتها
القانونية لتضييق المجال على الآخرين، ثم تتذرع بشرعية الصندوق لتبرير ما يتجاوز
حدود القانون والإنسانية.
وفي إسرائيل، لم
تكن حكومة بنيامين نتنياهو مجرد حكومة أخرى تتعاقب على إدارة الدولة. لقد مثّلت، في
نظر خصومها داخل المجتمع الإسرائيلي وخارجه، ذروة الإندفاع نحو اليمين، حيث تداخلت
الحسابات الانتخابية مع النزعات الدينية القومية، وتراجعت فرص التسوية السياسية
أمام أوهام الحسم بالقوة. ثم جاء السابع من أكتوبر ليكشف أن فائض القوة العسكرية لا يعوّض
بالضرورة نقص الرؤية السياسية، وأن أجهزة الأمن التي تبدو عصية على الاختراق قد
تعجز عن منع الكارثة حين تستبدل الثقة المفرطة باليقظة، والتقديرات المسبقة
بالحقائق.
لم يكن ذلك
اليوم مجرد إخفاق أمني وعسكري؛ لقد كان زلزالاً أصاب صورة الدولة عن نفسها. ومنذ ذلك الحين،
امتدت تداعياته إلى غزة ولبنان وسوريا وإيران، وتجاوزت حدود المنطقة لتضع إسرائيل
في مواجهة أسئلة أخلاقية وقانونية وسياسية متصاعدة حول الحرب، وحدود القوة،
ومستقبل العلاقة مع العالم.
لكن المفارقة أن
حكومةً وعدت الإسرائيليين بالأمن وجدت نفسها تدير حرباً طويلة، وتفتح جبهات
متعاقبة، وتترك المجتمع أمام فاتورة متزايدة من الدم والقلق والانقسام. وكلما ارتفعت
كلفة الحرب، ازدادت الحاجة إلى رواية سياسية تفسرها، وكلما تعثرت الوعود، ارتفع
صوت من يطالب بمزيد من القوة، كأن الجرعة التالية من الدواء نفسه ستعالج مرضاً
تفاقم بسبب الإفراط فيه.
وهنا يبرز
السؤال الذي لا تستطيع صناديق الاقتراع وحدها الإجابة عنه: هل تستطيع الانتخابات تغيير النهج الذي أوصل
البلاد إلى هذا المأزق، أم أنها ستعيد توزيع المقاعد بين قوى تختلف في خطابها،
بينما تتفق في إبقاء الصراع مفتوحاً؟
فلسطينيّو
الداخل: الجبهة التي لم تُحسب حساباتها جيداً
في قلب هذه
المعادلة يقف فلسطينيو الداخل، المواطنون الفلسطينيين في إسرائيل، الذين طالما
تعاملت قطاعات من السياسة الإسرائيلية معهم باعتبارهم هامشاً انتخابياً، لا قوة
قادرة على التأثير في اتجاهات الحكم. غير أن هذا الهامش قد يتحول، في انتخابات متقاربة، إلى مساحة
تصنع الفارق بين حكومة وأخرى.
ليس التصويت
العربي مجرد عملية حسابية تُضاف فيها الأصوات إلى مجموع هذا المعسكر أو ذاك. إنه فعل سياسي
يحمل أبعاداً تتجاوز اللحظة الانتخابية؛ فهو تعبير عن التمسك بالوجود، وعن رفض أن
تتحول المواطنة إلى بطاقة منقوصة الحقوق، وعن الإصرار على المشاركة في تقرير
المصير السياسي داخل الدولة التي يعيش فيها المواطنون العرب.
لقد أثبتت التجارب
الانتخابية الإسرائيلية أن ارتفاع نسبة التصويت العربي وتماسك التمثيل السياسي
العربي يمكن أن يؤثرا في الحسابات البرلمانية، ولا سيما عندما تكون المنافسة
متقاربة. لكن ذلك ليس ضمانة آلية لإسقاط حكومة أو منع عودتها؛ فالأمر
يتوقف أيضاً على توزيع المقاعد، ومواقف الأحزاب اليهودية، وقواعد تشكيل
الائتلافات، وقدرة القوى المعارضة على تحويل نتائج الصندوق إلى بديل حكومي قابل
للحياة.
ومع ذلك، فإن
الصوت العربي ليس تفصيلاً يمكن تجاهله. ففي لحظة تتشابك فيها أسئلة الهوية والمواطنة والأمن والحقوق،
يصبح كل صوت قادراً على حمل معنى يتجاوز صاحبه: معنى أن المجتمع العربي ليس جمهوراً ينتظر ما
تقرره الأغلبية، بل مكوّن سياسي يمتلك حق المشاركة في تحديد وجهة الدولة.
وهنا تتجلى
المفارقة الأكثر قسوة: أن المواطن الفلسطيني في الداخل يذهب إلى صندوق الاقتراع وهو
يدرك أن نتائج الانتخابات لن تبقى محصورة داخل حدود الدولة الإسرائيلية. فالحكومة التي
تتشكل في القدس قد تحدد، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مصير عائلات في غزة، ومستقبل
قرى في الضفة الغربية، ومساحة الأمل المتاحة أمام الفلسطينيين في بناء دولتهم.
إنه يصوّت في
بلد، بينما تتردد أصداء صوته في حياة شعب يعيش أجزاء منه تحت الاحتلال والحصار
والدمار. وقد لا يستطيع صوته وحده إيقاف الحرب، لكنه يستطيع أن يكون جزءاً
من معركة سياسية أوسع لمنع عودة السياسات التي تجعل الحرب بديلاً عن السياسة.
الجبهة الثامنة: حين تصبح
المواطنة خط الدفاع الأول
إذا كانت إسرائيل
قد فتحت جبهات عسكرية متعددة، فإن الجبهة الداخلية لا تقل أهمية عن أي جبهة أخرى. فالخطر لا يكمن
فقط في الصواريخ التي تعبر الحدود، بل في الأفكار التي تعبر المجتمع من داخله، وفي
تحويل الخوف إلى عقيدة سياسية، والعداء إلى رأسمال انتخابي، والتعايش إلى تهمة
تحتاج إلى الدفاع عنها.
في هذا السياق،
قد يصبح فلسطينيو الداخل جبهة ثامنة، لا لأنهم طرف عسكري في الحرب، بل لأنهم
يمتلكون أداة مختلفة: الصوت الانتخابي، والعمل المدني، والقدرة على بناء تحالفات
سياسية، والدفاع عن المساواة في الحقوق.
لكن هذه الجبهة
لا تُفتح بالشعارات وحدها. إنها تحتاج إلى مشاركة واسعة، وإلى خطاب سياسي قادر على مخاطبة
المجتمع العربي بمصالحه اليومية، من الجريمة والعنف إلى التعليم والسكن والعمل، من
دون أن يفصل هذه المطالب عن الأسئلة الوطنية الكبرى. كما تحتاج إلى تمثيل سياسي يدرك أن وحدة
الصوت لا تعني إلغاء الاختلاف، وأن التنافس بين الأحزاب العربية لا ينبغي أن يتحول
إلى هدية مجانية لمن يريد إضعاف تأثيرها.
فليس المطلوب أن
يتفق الفلسطينيون في الداخل على كل شيء، بل أن يدركوا أن بعض اللحظات التاريخية لا
تحتمل تبديد القوة المتاحة في معارك جانبية. قد تختلف الأحزاب على البرامج والقيادات
وطرائق العمل، لكن الخطر الذي يهدد الحقوق الأساسية يفرض عليها البحث عن مساحات
مشتركة، من دون التخلي عن التعددية أو تحويل الوحدة إلى قيد على النقد.
وهنا تحديداً
تكمن قيمة الديمقراطية: ليست في أن يتشابه الجميع، بل في أن يعرفوا كيف يختلفون من دون
أن يمنحوا التطرف فرصة احتكار المستقبل.
من صناديق
الاقتراع إلى مستقبل المنطقة
لا يمكن قراءة
الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس. فكل تحول في
ميزان القوى الإسرائيلي ينعكس على فرص التسوية، وعلى سياسات الاستيطان، وعلى
التعامل مع السلطة الفلسطينية، وعلى مستقبل الحرب وإعادة الإعمار.
ومع ذلك، سيكون
من الخطأ الاعتقاد أن رحيل حكومة اليمين، إن حدث، سيعني تلقائياً نهاية الاحتلال
أو ولادة سلام عادل. فالمشكلة أعمق من شخص نتنياهو، وأوسع من ائتلاف حكومي بعينه. لقد راكمت السياسة
الإسرائيلية، عبر سنوات طويلة، حقائق على الأرض تجعل أي تحول حقيقي مشروطاً بتغيير
النهج، لا بمجرد تغيير الوجوه.
كما أن
المسؤولية الفلسطينية لا تقل أهمية. فلا يكفي انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية لتحديد المستقبل،
ولا يجوز اختزال المشروع الوطني الفلسطيني في قدرة المعارضة الإسرائيلية على تشكيل
حكومة بديلة. فالفلسطينيون يحتاجون إلى وحدة سياسية تستند إلى الشرعية
والمشاركة والمحاسبة، وإلى قيادة قادرة على تحويل التحولات الإقليمية والدولية إلى
فرص حقيقية، لا إلى رهانات جديدة على نوايا الآخرين.
أما غزة، التي
دفعت ثمناً هائلاً من الأرواح والبيوت والبنية الاجتماعية، فلا ينبغي أن تبقى مجرد
ملف يُستخدم في الحملات الانتخابية أو ورقةً في حسابات الائتلافات. إن مستقبلها حق
لأهلها، لا جائزة تمنحها الأطراف المتصارعة لبعضها بعضاً. والضفة الغربية ليست مساحة احتياطية لمشاريع
الاستيطان، كما أن القدس ليست تفصيلاً يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتخابات.
إن إنهاء دائرة
الحرب يحتاج إلى ما هو أكثر من تبديل الحكومة: يحتاج إلى الاعتراف بأن الأمن لا يمكن أن
يستقر فوق أنقاض حقوق الآخرين، وأن القوة العسكرية مهما بلغت لا تستطيع أن تنتج وحدها
شرعية سياسية دائمة.
الخلاصة: ديمقراطية لا
تحجب ظلال البنادق
قد تفرز
الانتخابات الإسرائيلية حكومة جديدة، وقد تعيد إنتاج الحكومة القديمة بوجوه
مختلفة، وقد تترك البلاد أمام مأزق ائتلافي طويل. لكن أياً كانت النتيجة، فإن الاختبار الحقيقي
لن يكون في عدد المقاعد التي يحصل عليها هذا المعسكر أو ذاك، بل في قدرة النظام
السياسي على الخروج من دائرة الخوف والحرب والتطرف.
أما فلسطينيو
الداخل، فربما يجدون أنفسهم أمام لحظة نادرة يستطيع فيها التصويت الكثيف والمنظم
أن يصنع فارقاً ملموساً. غير أن قيمة هذا الفارق لا تُقاس فقط بمن يخرج من الحكم، بل
أيضاً بما يُفتح بعده من فرص لحماية الحقوق، وتوسيع مساحة المساواة، ومواجهة
العنصرية، والدفاع عن مستقبل مختلف للعلاقة بين الشعبين.
إن صناديق
الاقتراع لا تمحو ظلال البنادق بمجرد إغلاق أبوابها، لكنها قد تمنع تلك الظلال من
ابتلاع المجال السياسي كله. وقد لا تصنع السلام في ليلة واحدة، لكنها تستطيع أن تعاقب من جعل
الحرب برنامجاً دائماً، وأن تذكّر أصحاب السلطة بأن التفويض الانتخابي ليس شيكاً
مفتوحاً على حياة الآخرين.
في النهاية،
ليست الديمقراطية أن يختار المجتمع من يحكمه فحسب، بل أن يحتفظ بالقدرة على تصحيح
اختياره، وأن يرفض تحويل الخوف إلى نظام حكم، والحرب إلى قدر أبدي.
فإذا كان صوت
واحد لا يستطيع وحده أن يوقف الحرب، فإن آلاف الأصوات قد تستطيع منع من يريدون
استمرارها من الادعاء بأنهم يتحدثون باسم الجميع.
وهنا، ربما،
تبدأ الخطوة الأولى نحو كسر دائرة الدم: لا حين تختفي كل الخلافات، بل حين يتوقف الخلاف عن كونه ذريعة
لإدامة الكارثة، وحين يصبح الصندوق وسيلة لاستعادة السياسة من ظلال البنادق.

تعليقات
إرسال تعليق