القائمة الرئيسية

الصفحات

 




مجنون يحكي وعاقل يسمع .....

كان ياما كان في قديم الزمان ، وفي أحد مناطق الريف الفلسطيني ، مزارع عائد من حقله برفقة حماره في يوم صيفي شديد الحرارة ، وما أن وصل فناء منزله ، حتى توجه الى صنبور المياه وبدأ بتعبئة المياه ليرتوي مع حماره ، وما أن إرتويا ، حتى شاهد حماره يتحول الى ثعبان رفيعه ، فدخل من فتحة صنبور المياه ، ويبدأ يطل عليه برأسه من فتحة صنبور المياه ، فبدأ بالصراخ وتجمع الناس ، فيروي لهم الواقعة ، فيقولون له : يبدو أن حرارة الصيف قد أحدثت لك مكروه ، هذا هو حمارك ، وكيف سيدخل حمار من فتحة صنبور المياه ، يبدو أن ضربة شمس قد أصابتك ، فما عليك سوى بالإستراحة لتسترد عافيتك ، في اليوم التالي تتكرر نفس الأحداث بذات التفاصيل ، ليتجمع الناس من جديد ، ولاموه بعدم الإستماع للنصيحة  وخروجه للحقل مجددا ، ولكن في هذه المرة طلبوا منه الإستراحة لفترة أطول حتى يتشافى ، بعد عدة أيام وبعد إستراحة لا بأس بها ، تتكرر نفس الأحداث ، فما كان من أقاربه الا أن أدخلوه الى  المورستان (دير للمصابين بالأمراض النفسية والعقلية) ، بعد شهور ثلاثة من مكوثه هناك ، يلتقي الطبيب المشرف على حالته بأقاربه ، ويبلغهم بضرورة إعادته الى منزله ، لأنه ثبت لديهم بإنه بكامل قواه العقلية ، وأن لا مشاكل نفسية أو عقلية لديه ، يصطحبه ذويه الى المنزل وتقام الولائم بمناسبة سلامته ، وبعد إنتهاء الأفراح والليالي الملاح ، يعود صاحبنا الى عمله مشحونا بثقة عالية بسلامته ، وما أن يعود من العمل ويكرر نفس المشهدية ، حتى تتكرر نفس الأحداث ، وقبل أن يهم بالصراخ مجددا ، تذكر الوقائع التي مر بها ، فخاطب حماره الذي يطل عليه من فتحة الصنبور قائلا ، إخرج يا صاحبي ، فنحن الوحيدين الذي نعرف أنك دخلت الى الصنبور ، ولكن من يصدق ما سأرويه لهم ، ولكن علينا أن نفكر معا كيف نغير الصنبور ، بل المكان المشؤوم الذي نعيش فيه ،  بل طبيعة عملنا من أصله ، بل هذه البلدة من أصلها ، بعد أن بتنا مثلا لهم "مجنون يحكي وعاقل يسمع" .

هذه هي فلسفة حكايتنا الفلسطينية ، فلا تستغرب ما قد تسمعه في قادم الأيام ، في سوق المزاد الشرق أوسطي ، وعلى الطريقة الترامبية ، ففي آخر التقليعات ، ينبري خالد مشعل في مقابلة له مع موقع Drop Site News الأمريكي ، بدعوة الإدارة الجادة لدونالد ترامب ، بإعطاء حماس فرصة كالتي منحت لأحمد الشرع ، بفتح حوار جدي مع حركة حماس ، فماذا يختلف أحمد الشرع ، سليل القاعدة والنصرة ، المطلوب رأسه للولايات المتحدة لقاء ملايين الدولارات ، ليستقبل بالبيت الأبيض ويرش بالعطور ، ويلعب كرة السلة مع قادة الجيش الأمريكي ، فنحن جاهزون ولا ينقصنا من الميزات ما لديه ، ففي جعبتنا تهدئة طويلة المدى مع إسرائيل ، ومستعدين لوضع السلاح في فريزر من فخر الصناعات الأمريكية ، وحفظ الأمن في غزة بشكل منقطع النظير ، بل والمشاركة بمشاريع تخدم الأمن والإستقرار في المنطقة ، بما يتسق وسياسات الولايات المتحدة الأمريكية .

ما لم يقله خالد مشعل بصريح العبارة لدونالد ترامب ، ولم الذهاب للبحث عن قوة إستقرار دولية ، ومجلس سلام دولي ، وسحب سلاح وتفكيك منظومات ، فنحن جاهزون للجلوس على الطاولة والحديث مباشرة ، عن كل ما يتصل بحالة قطاع غزة وما بعدها ، فما قدمه أحمد الشرع عن تقويض النفوذ الإيراني ، والمشاركة بقوة لمكافحة الإرهاب العالمي ، وخلق تهدئة مستدامة مع إسرائيل ، هي ملفات قابلة للنقاش والتوصل بها لنتائج مرضية لدونالد ترامب في حالة قطاع غزة ، هذه هي بضاعتنا المعروضه عليكم ، فلا تردوها وتدخلوا أنفسكم في متاهة جديدة ، وأنتم أكثر من يعرف بإن حماس هي أقدر من يستخدم لغة القوة في إخضاع خصومها السياسيين ، وقد فعلت ذلك من قبل ، وهي الأقدر على فعله مجددا ، أما السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وعودتها على غزة ، فلن تتمكن من فعل شيء بدون موافقة مسبقة من حماس بكل الأحوال ، ولم تجربة ما هو مجرب سابقا .

لم تختار حماس خالد مشعل على وجه التحديد لتصدر هذه السردية ، بكل الصراحة والوضوح ، وذلك لما يمثله في حماس من تيار له خصومه مع ايران،  وهو النقيض للتيار الذي قاده يحيى السنوار ، كما قاد خصومة وإفتراق مع نظام بشار الأسد في عام 2012 ، حتى تدخلت إيران وأعيدت العلاقات بضغط تيار يحيى السنوار ، وبما أن حماس باتت على مفترق طرق مصيري ، فلم تجد سوى خالد مشعل لتصدر هذه الحالة ، فما بين خيار مر وخيار أمر ، فقد جاءت هذه المقاربة والتي لم يخرج أحد من حماس ليعترض عليها ، ويبدو أنها جاءت بتنسيق تام ، وبالتزامن مع زيارة وفد الوساطة القطرية التركية المصرية الى الولايات المتحدة الأمريكية ، ويبدو أن هذا العرض هو الوصفة القطرية والتركية المصرية التي حملوها معهم الى الولايات المتحدة ، لإحداث إختراق للمضي قدما في المرحلة الثانية من خطة دونالد ترامب .

يبدو أن هذه المقاربة ، باتت قيد التداول في أروقة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية ، ولمقاربات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، وليس بنيامين نتياهو ببعيدا عن هذه المداولات الجارية ، والتي يرفضها رفضا قاطعا ، ويبتعد الى مدى أبعد برفض أي دور قطري تركي وأي تواجد في قطاع غزه ، لمعرفته المسبقة بأن أي وجود لحماس في مشهد غزة في اليوم التالي للحرب ، فهو يعني بأن أهم أهداف الحرب المعلنة من قبله لم يتحقق ، وما زيارته الأخيرة المزمع إجراؤها للولايات المتحدة ، الا تعبيرا عن إعادة ترتيب الملفات مع دونالد ترامب ، بما يتصل بكل تفرعات مبادرته وفق الرؤية الإسرائيلية ، فهل سينجح في مسعاه لمواجهة المقاربات العربية والإسلامية ، فهذا ما ستجيب عليه الأيام القادمة ، وإن كانت كل المؤشرات في صالحه حتى الآن ، وأهمها ما جاء بنص المبادرة والذي لا يحتمل التأويل أكثر مما يحتمل .

تعرف حماس وقيادتها ، بإن الذهاب مباشرة بالقول بالوافقة على كل ما التزمت به منظمة التحرير الفلسطينية ، بما فيها الإعتراف بإسرائيل ، هو الخط الفاصل ما بينها وما بين كونها حركة مقاومة وبقاءها موحدة أيضا ، وهي تعرف كذلك بإن البضاعة المعروضة حتى الآن لن تشتريها الولايات المتحدة بأكثر من ورقة تهدئة وإطالة عمر مبادرتها ، فهل تراهن الولايات المتحدة على المزيد ، وهل حماس قابلة للمزيد في مثل هذا التوقيت ، وهل التلعثم الجاري حاليا في مصلحة القضية الفلسطينية أم في مصلحة حماس حصرا .

لا يتصور أحدا ، بإن بنيامين نتياهو وحكومة الأساطير التي يقودها ، وحتى أوساط واسعة من الأحزاب والرأي العام الإسرائيلي ، جاهزا لقبول أي تسوية تكون حماس حاضرة بها ، حتى لو ذهبت الى مديات أكثر من ذلك ، فمنظمة التحرير والسلطة الوطنية الفلسطينية ، وبعد كل الالتزامات التي قامت بها ، لا زالت أحدى العقيات التي يضعها بنيامين نتياهو على عودتها مجددا الى قطاع غزة ، فماذا سيكون علية الحال مع حركة حماس ، وما تركه الطوفان من ذكريات مؤلمة لا تكاد تفارق مخيلة الإسرائيليين ، والذي أحدث كل هذا الإنقلاب في لغة الخطاب السياسي والجنوح نحو أقاصي اليمين ، ناهيك عما فتحه من شهية لدى اليمين الإسرائيلي ، بالقضاء المبرم على أية ملامح لمشروع وطني فلسطيني بكل أشكاله ، بل باتت القضيه الفلسطينية خارج كل لغة التداول السياسي في إسرائيل ، وما لغة الإصلاحات المطلوبة من السلطة إجراءها ، سوى مادة إعلامية يتم تسويقها لدى إدارة دونالد ترامب ، كلما إشتد الخناق عليهم .

لا نعرف إن كان خالد مشعل يعرف ، بإن أحمد الشرع قد إختبر لسنوات ، في الشراكة مع التحالف الدولي ، لفكفكة التنظيمات الإسلاموية ، وهل يعرف بإنه لولا ثقل المملكة العربية السعودية بمالها وثقلها السياسي ، لما وصل أحمد الشرع الى ما هو عليه ، وهل يعرف أن أحمد الشرع قد نجح في الوصول الى مقاليد السلطة بدمشق ، بصيغة تفاهمات دولية أمريكية روسية تركية عربية أيضا ، وهل يعرف بإن ما قدمه أحمد الشرع قبل أن يجلس على مقعد الرئاسة ، من إجابات واضحة على كل المخاوف الأمريكية ، كفيلة بتبديد أية شكوك نحوه ....فماذا لدى خالد مشعل ليقدمه لدونالد ترامب ، هل بمقدوره مثلا أن يدين ما أقترفته حماس في السابع من أكتوبر ، وهل البضاعه التي يسوقها على أنها هدنة طويلة المدى ، قابلة لمن يقبل مجرد معاينتها ، وهل ما تبقى من شظايا سلاح بين يديه هو صالح ليكون ورقة مساومة أصلا ، ففي نهاية المطاف سيقول لك دونالد ترامب ، أبقي على سلاحك بين يديك ، وستبقى محاصرا في خمسون في المئة من قطاع غزة المدمرة ، وستتولى إسرائيل توجيه ضربات وتوغلات بين الحين والآخر ، أما بقية الخمسين في المائة الأخرى ، فسيتم إستثمارها أمريكيا وبأموال عربية ، وستكون البداية من رفح ، بإنشاء مدينة حديثة جاري التحضير لها على الأرض كنموذج لمستقبل غزة .

خلاصة القول :ـ

لو وقف خالد مشعل ومعه قيادة حماس وقفة صدق مع أنفسهم لمرة واحدة ، لإختاروا مسارا آخر غير الترهات التي باتت تتردد على السنتهم الواحد تلو الآخر ، فبدلا من التمني بإجراء مفاوضات مع الأمريكان ، وإستقبالهم في البيت الأبيض ، على جثث الأطفال والدمار ، فالأولى بهم أن يتنحوا جانبا ، حتى لا يبقوا مضربا للأمثال ، وليس آخرها مثلنا الشعبي القائل " مجنون يحكي وعاقل يسمع " .      

 

 

تعليقات