كالمستجير من الرمضاء
بالنار
يعلق العرب والمسلمين آمالا عراض ، على زيارة بنيامين
نتياهو لواشنطن ، نهاية الشهر الحالي ونهاية عام حمل كل شيء مما لا يحتمله البشر ،
ملفات اربعة مرتبة بعناية وفق توقيتات بنيامين نتياهو ، ايران وترسانتها
الباليستية ، لبنان وسلاح حزب الله ، سوريا وتوقيع إتفاق سلام مع حكامها الجدد ،
وأخيرا غزة والإنتقال من مرحلة أولى الى الثانية ، سيصل هناك وهو أكثر العارفين ،
بإن على طاولة دونالد ترامب ، برنامج مزدحم بأولويات مختلفة ، إبتداءا بالحصار
البحري لفنزويلا لإسقاط نظام مادورو والسيطرة على نفطها ، والحرب الأوكرانية
الروسية ، والتمدد الصيني في جوار مناطق النفوذ الأمريكي ، وأخيرا ملفات الشرق
الأوسط الأربعة التي يحملها بنيامين نتياهو في حقيبته .
لن تكون زيارة وحدثا ديبلوماسيا عاديا ، بل هي لحظة
إختبار قاسية لوهم عربي إسلامي يتجدد كل مرة ، وعجز عربي عن فعل مستقل ، ووهم بإن
النار من الممكن أن يطفئها ، من يرى في منطقة الشرق الأوسط ، ميدان للتفوق
الإستراتيجي الإسرائيلي بلا منازع ، كثابت من ثوابت السياسة الأمريكية الخارجية ،
ويعتقد بعض المخيال العربي والإسلامي ، بإن اللحظة باتت مواتية لإيجاد مساحة
لإعادة تموضع عربي وإسلامي ، بين تناقضات المصالح الأمريكية الإسرائيلية ، محاولين
وفي كل مرة ، القفز فوق أبجديات وحقائق التاريخ ، بإن المصالح الإسرائيلية هي أحدى
مكونات الأمن القومي الأمريكي ، قد تتقاطع في تفصيل هنا أو وهناك ، ولكنها وفي
مطلق الأحوال ستكون في الأولوية ، لصالح مكانة إسرائيل وتفوقها النوعي بكل تأكيد ،
فكيف سيكون عليه الحال ، إذا كنا في عصر دونالد ترامب .
حضر ليندسي غاراهام عضو مجلس الشيوخ الأمريكي لإسرائيل ، إستباقا لزيارة بنيامين نتياهو لفلوريدا ، ولمن لا يعرف ليندسي غاراهام ، فهو ضابط إيقاع السياسات الخارجية لإدارة دونالد ترامب ، وهو الأقرب من بين أعضاء مجلس الشيوخ لسياسات اليمين في إسرائيل ، وأن ما أطلقه من تصريحات في كل لقاءاته في إسرائيل ، لا تختلف البتة عما يتبناه بنيامين نتياهو من سياسات في ملفاته الأربع ، ولن يكون هناك أية مفاجئات فيما سنسمعه عن مخرجات للقاء المرتقب ، خارج ما أطلقه من تصريحات ، فمنظومة حماس وسلاحها واجبة التفكيك ، وحزب الله وسلاحه يندرجان في نفس المستوى من الخطورة على أقل تقدير ، كما التعامل مع السلاح البالستي الإيراني هو محل إهتمام وأولوية أمريكية ، قبل كل ما ذكر ، كما أن إتفاق سلام مع السوريين مسبق على العودة لإتفاقيات أمنية ، وأن لا عودة لإتفاقيات عام 1974 بالتمام والكمال .
إن كنا نتحدث عن خطة دونالد ترامب ، التي يتعجل العرب
والمسلمين للتنقل بين مراحلها ، فلم تلقى على العرب والمسلمين ، الا وقد ضمنت
مسألتين أساسيتين ، أولاهما تكريس حقيقة الإنتصار الذي حققته إسرائيل في كل
الجبهات ، وبما يتعدى غزة ايضا ليطال المحور برمته ، ضمان هامش واسع للمناورة وحق
الإعتراض الحصري لإسرائيل ، وأن من لا يراها على هذا النحو ، فعلية الإجابة مسبقا
، عن الحقائق الواردة في كل تفصيل من تفاصيلها ، وفي قرار مجلس الأمن 2803 اللاحق
لها ، يضاف الى كل ذلك ، ما يستجد عملياتيا من إستعصاءات ، تمتلك إسرائيل الممسكة
بالأرض بلغة الواقع والقوة ، كل الفرص الحصرية للإستجابة وعدم الإستجابة لأي منها
بكل تأكيد .
للمتعجلين بالإنتقال من مرحلة أولى الى ثانية وثالثة ،
ليستا موجودتان بالأصل بالخطة أساسا ، فهل لديهم إجابة على ما تضمنتاه من سحب
وتفكيك لمنظومة حماس وسلاحها ، وهل حماس قابلة للتعاطي مع مثل هذا المنطق ، وهل
لدى العرب والمسلمين أفكار قد تلائم منطق بنيامين نتياهو ونظرته لأحد أهم
إستعصاءاته ، والتي تتطابق مع رؤية دونالد ترامب بما لا يختلف عليه إثنان ، الا
إذا كان بعض العرب والمسلمين ، يراهنون على شطحات خالد مشعل ومطالبته دونالد ترامب
بإعطاءهم فرصة كالتي منحت لأحمد الشرع ، أو التلعثم الحاصل بمقاربة السلاح وإقامة
الدولة الفلسطينية ، والتي لا يشتريها بنيامين نتياهو ومن قبله دونالد ترامب ، بأي
ثمن من الأثمان ، الا إذا كانت المراهنة على عامل الوقت وما قد تحمله المتغيرات في
قادم الأيام ، والتي لن تأتي بجديد بكل تأكيد .
قد يسفر اللقاء في الشكل ، عن بعض التلاعب ببعض
المصطلحات ، عن تشكيل لمجلس السلام ، وقوة الإستقرار الدولي ، ولجنة إدارة غزة ،
وأنها باتت وشيكة ، وأن دونالد ترامب ضغط على بنيامين نتياهو ، لتبدأ عملها على
الأرض ، أما متى وكيف ، فهي وبكل تأكيد بعد أن يتم التأكد من أن حماس ذاهبة بما لا
يدع مجال للشك لنزع سلاحها طوعا بالطبع ،
وأن لم تفعل فبالدبابات والطائرات الإسرائيلية ، بجولة ختامية يشتهيها بنيامين نتياهو
، وكل المؤشرات توحي بذلك وبما لا يدع مجالا للشك .
خلاصة القول :ـ
يحلو للعرب والمسلمين التعامل مع دونالد ترامب ، بحلة
جديدة وبمعزل عن كل ما يتصل في فترة حكمه السابقة ، متناسين بأنه أعطى لبنيامين
نتياهو القدس والجولان على طبق من فضه ، ضاربا عرض الحائط بكل المواثيق الدولية ، وفتح
له عواصم العرب والمسلمين بلا أثمان تذكر ، فتح قريحته على فتات حلول وتصورات ، كانت
توطئة لما حدث في السابع من أكتوبر ، كما يحلو لهم أن يتناسوا ، بأن من أوصله
للحكم في الدورة الثانية هو المال السياسي في أمريكا الموالي لليمين في إسرائيل ،
وأن التخادم الحاصل بكل ما يمثلان لا حدود له ، فعلى الرغم مما يبدو ظاهريا عبر
التسريبات الموجه من كلا الطرفين ، عن إتساع الهوة بينهما ، فما هي الا ذر للرماد في
عيون من لا يود رؤية الحقائق على حالها ، بإن لا إنفصام بمطلق الأحوال بينهما ،
وأن الولايات المتحدة لم تشهد في كل تاريخها ،حالة من حالات الترابط العضوي مصلحيا
وإستراتيجيا كما هو حاصل في حالة المذكوران بكل تفرعاتهما .
تعليقات
إرسال تعليق