يكاد يجمع خبراء الإستراتيجية في العالم ، بإن أخطر
انواع الحروب ، هي التي لا تخاض في وقتها ، بإعتبارها إستهلاكا بطيئا لكل شيء ، فترى
الدول أو المنظومات الدولية ، التهديد ماثلا أمام ناظريها كبرميل بارود ، وتتغافل
عن معالجته بدعاوي مختلفة ، لعجز هنا أو هناك ، لن يتم الحديث به على الأغلب ، وكما
أن السياسة منذ أن أرسيت قواعدها ، ليست صراعا للحقائق ، بل صراع إرادات تفرض
تعريفاتها للحقيقة ، أختزلت بعبارة العصا أو الجزرة ، فالحالة الإيرانية هي
النموذج الأدق لكل ما تقدم ، قد تندلع
الحرب ، أو لا تندلع ، يقف العالم بإنتظار قرار قد يتخذه دونالد ترامب ، أو قد
يؤجله ، ينتظر الشرق الأوسط برمته على صفيح ساخن ، أساطيل تحتشد ، ووسطاء يجرون
إتصالات لتطويق الحريق قبل إندلاعه ، تحليلات متنوعة قد تلامس الواقع ، وقد تجافيه
بنفس القدر ، فما بين حشود لغايات الضغط لإنتزاع تنازلات ، وما بين حشودات لم
تتشكل عبثا ، يقابلها في الجانب المقابل خطابا ايرانيا مقاوما صرفا للردع والتحذير
، وخطابا منفتحا على كل الوساطات النشطة ، وبهذا المعنى فكلا الطرفين يتحركان وفق
معادلة بسيطة ، إظهار القوة أولا ، أما المنطق فيأتي لاحقا ، هذا إن كان له محل للإعراب
، ما بين زمني دونالد ترامب ونظام الولي الفقيه .
إنسحب دونالد ترامب من الإتفاق النووي مع ايران عام 2018
في ولايته الأولى ، بدفع وتحريض من قبل بنيامين نتياهو ، رغما عن تحقيقه للمتطلبات
الأساسية للأمن القومي الأمريكي ، فالتخصيب بنسبة لا تزيد عن 3.67 تحت رقابة مشددة
من الوكالة الدولية للطاقة الذرية ، إعتبرها العالم في حينه أمرا قابلا للتعايش
معه ببساطة شديدة ، ولكن الأمر المختلف لدى بنيامين نتياهو ، هو تطوير ترسانة
الأسلحة الصاروخية ، القادرة للوصول لكل الأماكن الحيوية فيها ، كما الدعم لكل
أذرعها ووكلاءها الذين يحيطون بإسرائيل كالسوار في المعصم ، أما وبعد كل المتغيرات
الهائلة التي حدثت في أعقاب السابع من أكتوبر ، والتي جاءت في محصلتها النهائية
لصالح إسرائيل بلا منازع ، فما المغزى من دفع بنيامين نتياهو لدونالد ترامب لتوجيه
ضربة قاصمة لنظام الحكم في ايران ، إن لم يكن بنية النظام ذاتها قد باتت هي
المستهدفة ، فهل حسابات الولايات المتحدة ستقابلها ذات الحسابات لإسرائيل ؟
والجواب ببساطة لا ، هذا إن كانت الحسابات ستأخذ بشكل مجرد حسابات الأمن القومي
لكلا الطرفين ، أما إن كانت الحسابات تتخطاها لصالح التطابق في رؤية اليمين
المحافظ في الولايات المتحدة ، مع رؤية اليمين الحاكم في إسرائيل وعلى رأسه بنيامين
نتياهو ، فالجواب نعم كبيرة بكل تأكيد .
تم المراهنة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل ، على أحداث
الإحتجاجات التي فاضت بها شوارع المدن الإيرانية ، الا أن الخطأ في الحسابات
الأمريكية والإسرائيلية من خلفها ، حين دعمتا بشكل صريح وواضح مجرى هذه التحركات ،
قد أحال النظام المتداعي إقتصاديا والغير قادر على تلبية شروط حياة كريمة لمواطنيه
، الا أداة بطش بدموية خلفت الاف القتلى ، بذريعة تعرض البلاد لمؤامرة خارجية ، لا
تحتاج الكثير من الدلائل عليها ، فتصريحات دونالد ترامب العلنية عن الدعم القادم
في الطريق للمحتجين ، ولا أعمال الحرق والتخريب للمرافق العامة ، من قبل شبكة
عملاء لإسرائيل على نطاق واسع ، قد أحدثا ردة فعل عكسية تماما ، من قبل شرائح
واسعة في المجتمع الإيراني ، دفعتهم لللتوقف مضطرين من الإستمرار في الإحتجاجات ،
والذين لم يخرجوا أصلا لغايات قد تحقق أهداف دونالد ترامب وبنيامين نتياهو ، بل
لتحقيق شروط حياة كريمة ، تتعلق بمعيشتهم اليومية والحريات الشخصية لهم .
تتضارب توجهات الولايات المتحدة بتوجيه ضربة حاسمة
لإيران مع غالبية دول المنطقة ، كونهم باتوا متيقينيين بإن مثل هذه الضربة ستصب
مباشرة في صالح إسرائيل ، بإعتبارها القوة المهيمنة الوحيدة في المنطقة ، وهو ما
لا تقبله دولة كتركيا أو السعودية ومصر أيضا ، فالإخلال في التوازن الذي سيحدث ،
سيضعف دورهما الإقليمي ، كما سيترتب عليه الإقرار بالوضع الناشئ ، حين تصبح إسرائيل
مطله على بوابات أهم الممرات الدولية البحرية في العالم ، ولن يدفعها كل ذلك لتكون
دولة طبيعية في المنطقة ، بل لذراع ضارب للقوة والنفوذ ، ولن يكون معها الموقف من
القضايا العربية على حاله ، بل من إن موقعها الجديد سيدفعها لفرض رؤيتها وسرديتها
، وسيكونون معها مضطرين بالتسليم بالحقائق الجديدة الناشئة على الأرض ، هذا إن
أضيف لها أرض الصومال في الحسابات الجيوسياسية ، وبات العرب والمسلمين بدقيق
العبارة بين خيارين أحلاهما مر ، مطرقة نظام الملالي في ايران والذي تسبب في كل
هذه النتائج الكارثية للعرب والمسلمين من جهة ، وسنديان بنيامين نتياهو الحالم
بشرق أوسط جديد ، والذي لا حدود لحلمه سوى بدولة من النيل الى الفرات ، إن لم تكن
بالمعنى الجغرافي فبالمعنى السياسي والإقتصادي ، فكان الإختيار بالحفاظ على الوضع
القائم والتعايش مع نظام ضعيف خيرا ، من إنتظار اللاعب الجديد بكل نهمه للتوسع
والسيطرة .
لقد إبتلع دونالد ترامب المنجل بإختصار شديد ، فبعد شروط
الإذعان التعجيزية التي أملاها بنيامين نتياهو عليه ، ليلقيها في وجه الإيرانيين ، وتحريك أساطيله ،
على وقع التحركات الشعبية في الداخل الإيراني ، وحينهاستأتي ايران الى طاولة المفاوضات
صاغرة ، ليحصل منهم على صفقة مربحة ، وإن لم تأتي فبضربات مركزة محدده فسيتهاوى
النظام كحجارة الدومينو ، ولكن ما حدث ،
فقبل أن تكتمل التحشيدات الأمريكيه ، كان النظام قد حسم أمرالتحركات الداخلية بكل
ما يلزم من قوة وبطش ، ليصبح الخيار الوحيد أمام الأساطيل المحتشدة إما توجيه ضربة
بكل القوة الممكنة ، وما سيترتب عليها من فوضى في الداخل الإيراني ، لم تحسب لها
الولايات المتحدة حساب دون نزول المارينز الى شوارع المدن الإيرانية ، أو الركون
جانبا وفتح مساحة للحوار مجددا ، مع خفض سقف التوقعات مسبقا من نتائجها ، وبهذا
أخذ النظام متنفسا جديدا ، لإطالة أمد الحوار الى ما لا نهاية ، وهكذا بات دونالد
ترامب بلغة الواقع ملزما على خوض الحرب والا فستتآكل روايته وسرديته مع مضي الوقت
، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب ، بل في العديد من الملفات المفتوحه على
مصراعيها في العديد من المناطق ، تطبيقا للإستراتيجية القائلة ، "أن أخطر الحروب هي التي لا تخاض في
وقتها ... لأنها تستهلك كل شيء ببطء " .
تعليقات
إرسال تعليق