الكلب الذي لا ينبح
كما في كل قصص الفضائح الكبرى ، فإن حضرت الصورة
والتوثيق ، بل ملايين الوثائق والاف الصور ومقاطع الفيديو ، فهو قطع للشك باليقين
، بإن كل ما قد جرى هناك ، فقد كان من وحي فعل بتوجيه فاعل بل فاعلين كثر ، وإلى
ما هو أعمق ، من حب ممنوع أو متعة حرام ، فعلى أرض جزيرة ليتل سانت جيمس ، من
مجموعة جزر العذراء الأمريكية في الكاريبي ، أو سمها جزيرة الشيطان ، فثمة من إختار
وصمم المكان ، بلمسة شيطانية ، فيها من بصمات أصحاب الآذان الكبيره والأنوف
الطويلة ، والتي لا تخطئها العين ، لكن فهناك أيضا ثمة كلب كان يحرس المكان بلا
نباح ، سيكون هو الدليل الأخطر ، ليس لأنه لا يجيد النباح ، بل لأن صمته يفترض
معرفة مسبقة ، وألفة ، وإتفاقا غير معلن ، بين الحارس واللص ، وفي السياسة ، لا
يكون الخطر فيما يقال ، بل فيما يترك بلا مساءلة ، بلا ضجيج ، بلا إعتراض .
في الولايات
المتحدة ، حين تقاس الحرية بعدد المليارات ، لا بعمق الأسئلة ، فثمة كلب لا ينبح ،
ليس في الأزقة الخلفية ، بل في قلب واشنطن ، ليس على الهامش ، بل في غرفة القرار ،
ليس خارج النظام ، بل جزء عضوي من الياته الناعمة ، ليس المقصود هنا مؤامرة
كلاسيكية بقبعات سوداء فحسب ، بل نمط إختراق هادئ ، يتسلل عبر حياة المجون وروائح
العطور والأجساد الغضة ، وشبكات المال والنفوذ ،
لا تحتاج أجهزة الإستخبارات الخارجية متعددة الجنسيات ، التي تعمل بالملفات
السرية ، للإيديولجيا والقناعات ، بل بفهم عميق لطبيعة البشر ، حين يتم تعريتهم من
الأخلاقيات العامة ، وكيف تتحول نقاط ضعفهم الى أدوات ضغط وإبتزاز ، وحين يصبح
القرار السياسي نتاجا لمعادلة شخصية لا لمصلحة قومية ، لتضحي الطبقة السياسية
والإقتصادية الأمريكية ، في جزء كبير منها ، لا تدار عبر لوبيات الضغط التقليدية ،
بل عبر إبتزاز إثارة الرغبات المكبوتة .
حفلات مغلقة
للطبقة المخملية ، علاقات شخصية ، ابتزاز ناعم ، ومعلومات ليست للإستخدام الفوري ،
بل تخزن الى أن يحين وقت الحاجة لها ، وهنا يصبح الصمت سياسة ، يتحول التغاضي الى
شراكة ، فتمسي أجهزة الرقابة كلبا لا ينبح ، يرى ولا يسأل ، والإعلام كلبا لا ينبح
، حين يلمح ولا يحقق ، والنخبة تضحك في العلن ، وتوقع في الخفاء ، ليس المطلوب من
الولايات المتحدة أن تعادي مخترقيها ، بل أن تسأل السؤال البديهي الذي تخشاه
الأمبرطوريات التي قررت أن تتهاوى ، من الذي يقرر ؟ ولماذا ؟ وبأي ثمن ؟ .
حين تتحول السياسات الخارجية في للولايات المتحدة الى
إصطفافات عمياء ، وحين تختزل مأساة الشعوب في تفاصيل مزعجة ، والسطو على مقدراتهم
وتاريخهم بفن الصفقة ، وحين يعاد تعريف القتل الجماعي كحق في الدفاع عن النفس ،
فهذا لا يحدث فقط بسبب جماعات الضغط ، بل بسبب إستلاب الإرادة الأخلاقية من أصحاب
القرار ، وعدم التحكم بإصدار الأوامر ، بل بجعل البدائل غير مرئية ، وبجعل السؤال
نفسه يبدو راديكاليا ، ويجعل أي إعتراض سذاجة أو خيانة ، وقد يرقى الى المساس بالبقرة
المقدسة .
وهكذا فلم يعد المخترقين بحاجة للنباح ، فالنظام نفسه
بات حارسا للمصالح ، وهنا تكمن الخطورة في هذا النمط من النفوذ ، ليس لنجاحه فحسب
بل إعتياديته ، أن يصبح طبيعيا ، جزءا أصيلا من طريقة العمل ، وهنا تكمن المفارقة
الكبرى ، الولايات المتحدة التي تراقب العالم ، لا تخترق بالقوة ، بل بالمتعة ، لا
بالدبابات ، بل بالولائم ، لا بالتهديد بل بالإغراء ، والتاريخ يقول أن
الإمبراطوريات لا تسقط حين تهزم عسكريا ، بل حين تفقد قدرتها على التمييز ، بين
الصديق ، والحليف ، والممسك بخيوط القرار ، فعدم نباح الكلب لا يعني أن البيت آمن
، بل أن السارق لم يعد غريبا ، والسؤال الذي يبقى معلقا ، متى تدرك واشنطن أن
الصمت ليس حيادا ، وأن عدم النباح قد يكون أعلى أشكال التواطئ .
في الثقافة السياسية كما الفلسفة ، ليس الصوت هو ما يفضح
الحقيقة ، بل الصمت في اللحظة التي كان يجب أن يسمع بها النباح ، الكلب الذي لا
ينبح يعرف صاحبه ، وفي السياسة الحديثة ، فهذا المثل لا يقرأ بحرفيته ، بل يفكك
كما تفكك الألغام الخطيرة ، جيفري ابستين لم يكن لغزا أخلاقيا فقط ، بل كان
إختبارا جماعيا للنباح ، من يصرخ ، من يصمت ، من سيغير الموضوع ؟ من كان يعرف ؟
هنا لا يصبح السؤال من لم يحتج الى أن يرفع صوته أصلا ، دونالد ترامب الذي جعل
الصراخ فنا سياسيا ، ومن الفضائح وقودا إنتخابيا ، ومن إلقاء التهم رياضة يومية ،
كان إستثناءا لافتا في قضية واحدة ، قضية لم يحتج فيها الى النباح ، قضية مرت عليه
بهوهوة خافتة لا تكاد تسمع ، كأنها لا تستحق الهجوم ، ولا التفنيد ، ولا حتى
للإستثمار السياسي .
نيتشه كان سيتوقف مطولا عند هذا الصمت ، وهو القائل منذ
القدم "السلطة لا تفضح نفسها بالصوت ، بل بما تختار الا تقوله " وأن
أخطر الأكاذيب ليست تلك التي تقال ، بل تلك التي يتفق ضمنا على تجاوزها ، فإبستين
هنا لم يكن مجرد شخص بل عقدة صمت ، مساحة محرمة على النباح ، كأن الجميع يعرفون ،
أن الإقتراب منها يكسر التوازن ، غير المكتوب ، بين القوة والفضيحة ، وحين غاب
إبستين لم يغلق الملف ، بل أغلق الفم ، وهنا يعود المثل بقسوته الأخلاقية ، ليس كل
كلب لا ينبح غبيا ، بعضهم يعرف حدود الصمت ، حدود الولاء ، حدود المسموح .
في عوالم ترامب ، الحقيقة ليست ما حدث ، بل ما يسمح
بتداوله ، والسياسة ليست أخلاقا ، بل إدارة دقيقة للضجيج ، أين تصرخ ، أين تصمت ،
ومتى تدع الآخرين ينهشون بعضم البعض ، بينما تراقب أنت من بعيد ، وهنا يصبح صمته
ليس دليل براءة أو إدانة ، بل دليل نظام ...نظام يعرف فيه الجميع متى ينبحون ، ومتى
يكون النباح خطرا على صاحبه ، فتتقاطع الفلسفة بالسياسية ، في عالم تحكمه القوة ،
من إرتكب ليس هو السؤال ، بل من يملك حق الصمت ، بل والجواب دائما واحد ، من يملك
السلطة الكافية ليجعل الصمت أعلى من أي نباح ، فالكلب الذي لا ينبح هو من يعرف
صاحبه جيدا .
تعليقات
إرسال تعليق