القائمة الرئيسية

الصفحات

 



بالضربة القاضية لا بالنقاط

في عالم السياسة، كما في حلبات الملاكمة، هناك معارك تنتهي بالنقاط، وأخرى لا يرضى أصحابها إلا بالضربة القاضية. الأولى يخرج فيها الخصمان من الحلبة مثقلين بالجراح، لكنهما يبقيان على أقدامهما، يحتفظ كل منهما بحق العودة إلى جولة أخرى. أما الثانية، فهي لحظة يسقط فيها أحدهما أرضاً، وتنتهي معها المباراة والحكاية معاً.

هكذا يبدو المشهد اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالقضية، في نظر دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، لم تعد تدور حول تخصيب اليورانيوم، ولا حول عدد أجهزة الطرد المركزي، ولا حتى حول مدى الصواريخ الباليستية. تلك كلها تفاصيل في معركة أكبر بكثير. أما جوهر المعركة الحقيقي، فهو النظام نفسه؛ الفكرة التي قامت عليها الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979، والشبكة الواسعة من النفوذ التي بنتها عبر أربعة عقود في المنطقة.

ولذلك فإن من يظن أن الحرب الدائرة هي مجرد محاولة لفرض اتفاق جديد على إيران، أو لإعادتها إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر صرامة، يقرأ نصف الصورة فقط. فالمسألة، في العقل السياسي الذي يحكم واشنطن وتل أبيب اليوم، تجاوزت حدود التفاوض التقليدي. لقد باتت معركة وجودية يراد منها إعادة تشكيل الشرق الأوسط كله، لا مجرد تعديل سلوك لاعب من لاعبيه.

منذ سنوات طويلة، كان بنيامين نتنياهو يقول الشيء ذاته بألف لغة وصيغة. كان يعتبر أن الخطر الإيراني ليس خطراً عسكرياً فحسب، بل مشروعاً سياسياً وعقائدياً يهدد رؤيته للمنطقة بأسرها. وحين كان يقف على منابر الأمم المتحدة حاملاً الرسوم والخرائط، لم يكن يتحدث عن منشأة هنا أو مفاعل هناك، بل عن دولة كاملة يريد إخراجها من معادلة القوة الإقليمية.

أما دونالد ترامب، الذي قد يبدو للبعض أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية، فقد أثبتت سنواته السياسية أنه لا ينظر إلى الصراعات الكبرى بمنطق التسويات الجزئية. فالرجل الذي انسحب من الاتفاق النووي عام 2018 لم يفعل ذلك لأنه أراد اتفاقاً أفضل وحسب، بل لأنه كان يرى أن الاتفاق منح النظام الإيراني فرصة إضافية للبقاء. ومنذ ذلك الحين، ظل مقتنعاً بأن الضغوط الاقتصادية والعسكرية والسياسية يجب أن تتراكم حتى تصل إلى نقطة الانهيار.

في هذا السياق، لا تبدو فكرة إسقاط النظام الإيراني مجرد أمنية إسرائيلية قديمة، بل هدفاً استراتيجياً يتقاطع فيه تفكير الرجلين أكثر مما يختلف. فهما، رغم ما يقال أحياناً عن خلافات تكتيكية أو تباينات في الأسلوب، ينطلقان من رؤية واحدة تقريباً: لا يمكن بناء شرق أوسط جديد طالما بقيت الجمهورية الإسلامية بصيغتها الحالية لاعباً مركزياً فيه.

ولذلك فإن أي اتفاق سياسي لا يؤدي في النهاية إلى تقويض النظام أو تفكيك قدرته على التأثير الإقليمي، سيُنظر إليه باعتباره هزيمة مؤجلة لا انتصاراً حقيقياً.

في نظر نتنياهو، سيكون مجرد تجميد البرنامج النووي أو تقليصه أشبه بالفوز بالنقاط في مباراة كان يريد حسمها بالضربة القاضية. وفي نظر ترامب، سيكون اتفاقاً جديداً يعيد إنتاج المشكلة بعد سنوات قليلة، تماماً كما حدث مع الاتفاقات السابقة.

ولهذا السبب تحديداً، يدرك قادة إيران أن ما يواجهونه ليس مجرد جولة تفاوضية جديدة. فهم يعلمون أن الحديث لم يعد عن أجهزة الطرد المركزي، بل عن مستقبل النظام نفسه. ويعرفون أن خصومهم لا يبحثون عن تغيير بعض السياسات، بل عن تغيير صاحب السياسات ذاته.

إنها الحرب التي يخشاها الجميع ويتوقعها الجميع في الوقت نفسه.

حرب لا تدور فقط فوق سماء إيران أو مياه الخليج، بل تمتد إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن وغزة. حرب تتشابك فيها الجغرافيا بالعقيدة، والمصالح بالأيديولوجيا، والاقتصاد بالأمن القومي.

ولهذا تبدو طهران اليوم أكثر تمسكاً بالبقاء من أي وقت مضى. فهي تنظر إلى كل تنازل جوهري باعتباره خطوة نحو النهاية، لا نحو التسوية. وترى أن قبول الشروط التي يطرحها خصومها لن يؤدي إلى ضمان بقائها، بل إلى تسريع انهيارها.

ومن هنا تأتي المفارقة الكبرى.

فكلما ازدادت الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، ازداد اقتناع النظام الإيراني بأن المعركة وجودية. وكلما ازداد اقتناع طهران بأنها معركة وجودية، ازدادت صعوبة الوصول إلى أي تسوية سياسية.

وهكذا يدخل الجميع دائرة مغلقة من التصعيد المتبادل.

الولايات المتحدة وإسرائيل تريان أن زيادة الضغط هي الطريق الوحيد لتحقيق أهدافهما.

وإيران ترى أن الصمود هو الطريق الوحيد للنجاة.

وبين الطرفين، يقف الشرق الأوسط كله على حافة الاحتمال.

إن ما يجري اليوم يذكرنا بحروب التاريخ الكبرى، حين كانت الأطراف المتحاربة تصل إلى لحظة يصبح فيها التراجع مستحيلاً تقريباً. لحظة لا يعود فيها السؤال: كيف نربح؟ بل: كيف نبقى؟

وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية.

فحين تتحول الحرب إلى حرب بقاء، تتغير الحسابات كلها. تصبح الخسائر المحتملة أقل أهمية من الخوف من الفناء. ويتحول الزمن إلى عامل ضغط على الجميع، لا على طرف واحد فقط.

نتنياهو يعرف أن أي نهاية للحرب لا تفضي إلى تحييد إيران جذرياً ستُقدَّم داخل إسرائيل باعتبارها انتصاراً ناقصاً. وترامب يعرف أن مشروعه لإعادة تشكيل المنطقة سيفقد كثيراً من زخمه إذا بقيت طهران قادرة على إعادة إنتاج نفوذها بعد سنوات قليلة.

وفي المقابل، تعرف القيادة الإيرانية أن سقوط النظام لن يعني مجرد تغيير حكومة أو رئيس، بل نهاية مشروع سياسي استمر أكثر من أربعة عقود. ولذلك فإنها تنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها معركة القرن بالنسبة لها.

لهذا كله، يبدو أن الصراع تجاوز مرحلة المساومات التقليدية.

لم يعد صراعاً على حدود النفوذ فقط، بل على تعريف النفوذ ذاته.

ولم يعد صراعاً على توازن القوى، بل على هوية القوة التي ستحدد شكل الشرق الأوسط القادم.

إنها مواجهة بين مشروعين متناقضين، لكل منهما روايته الخاصة للتاريخ، ورؤيته الخاصة للمستقبل، وخوفه الخاص من الهزيمة.

وفي مثل هذه الحروب، لا تكون المشكلة في عدد الصواريخ أو حجم الجيوش فقط، بل في طبيعة الأهداف نفسها. فالأهداف المحدودة يمكن التفاوض عليها، أما الأهداف الوجودية فلا تعرف سوى منطقين: الانتصار أو الانكسار.

خلاصة القول

يبدو أن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو لا ينظران إلى المواجهة مع إيران باعتبارها معركة لتحسين شروط التفاوض أو تعديل السلوك السياسي، بل باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة رسم المنطقة وإخراج النظام الإيراني من معادلة القوة بصورة نهائية. وفي المقابل، تنظر طهران إلى المعركة بالمنظار ذاته تقريباً، وترى فيها محاولة لإسقاطها لا لتطويعها. وبين هاتين الرؤيتين تتضاءل مساحة الحلول الوسط، ويزداد خطر الانزلاق نحو جولات أكثر اتساعاً وخطورة. فحين يعتقد كل طرف أن بقاءه مرتبط بهزيمة الطرف الآخر، تصبح الحرب أقرب إلى مباراة يسعى فيها الجميع إلى الحسم بالضربة القاضية لا بالنقاط، مهما طال زمن النزال ومهما ارتفعت كلفته.

تعليقات