إنهم
يعتليان ذات المركب
في السياسة ،
كما في البحار الهائجة ، يخطئ كثيرون حين يراقبون الأمواج وينسون النظر إلى
السفينة نفسها. ينشغلون بحركة الريح فوق السطح ، بينما تبقى الوجهة الحقيقية
مرسومة في أعماق الخرائط التي لا يراها إلا القليلون . وهكذا يبدو
حال كثير من التحليلات التي انشغلت في الآونة الأخيرة بالحديث عن خلافات متصاعدة
بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو ، وعن اهتزاز محتمل في عقد الشراكة بين الرجلين
، وكأن أحدهما يقف على ضفة والآخر على ضفة مقابلة، وكأن ما يجمعهما أقل بكثير مما
يفرقهما.
لكن الحقيقة
التي غالباً ما تضيع وسط ضجيج الأخبار والعناوين العاجلة ، هي أن الرجلين لم يكونا
يوماً مسافرين على سفينتين مختلفتين ، بل كانا وما زالا يعتليان ذات المركب،
وينظران إلى العالم من ذات النافذة ، ويتغذيان من ذات المنبع الفكري والسياسي ،
حتى وإن اختلفت بينهما أحياناً الحسابات والتوقيتات وأساليب إدارة المصالح.
إن الخلاف بين
الحلفاء ليس دليلاً دائماً على انهيار التحالف ، كما أن ارتفاع الأصوات لا يعني بالضرورة
وقوع الطلاق السياسي . ففي عالم المصالح الكبرى ، كثيراً ما تتشاجر العائلات داخل
البيت الواحد دون أن تفكر بمغادرته ، وكثيراً ما تتبادل مراكز القوى الرسائل
القاسية قبل أن تعود إلى طاولة واحدة تجمعها المصالح ذاتها.
منذ ظهوره الأول
على المسرح السياسي الأمريكي ، لم يتعامل دونالد ترامب مع إسرائيل باعتبارها مجرد
حليف تقليدي للولايات المتحدة ، بل باعتبارها جزءاً عضوياً من رؤيته للشرق الأوسط
والعالم . لم يكن الرجل يخفي ذلك ، ولم يكن يحتاج إلى تجميل مواقفه أو تغليفها
بلغة دبلوماسية ناعمة . على العكس تماماً، كان أكثر الرؤساء الأمريكيين صراحة في
التعبير عن انحيازه لإسرائيل ، وأكثرهم استعداداً لتحويل ذلك الانحياز إلى سياسات
عملية ومباشرة.
في عهده، انتقلت
السفارة الأمريكية إلى القدس . وفي عهده تم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل . وفي
عهده أيضاً تم الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل . وفي
عهده وُلدت اتفاقيات التطبيع العربية الإسرائيلية التي اعتبرتها تل أبيب اختراقاً
استراتيجياً غير مسبوق في تاريخ الصراع. حتى الحرب الأخيرة ضد إيران فقد خاضها دونالد خالصة مخلصة وفق
رؤية بنيامين نتياهو وتصوراته للشرق الأوسط ، وإن حاول دونالد تجميلها برتوش
المصالح العاليا للولايات المتحدة الأمريكية .
لم تكن هذه
الإجراءات مجرد تفاصيل عابرة في سجل السياسة الأمريكية ، بل تحولات كبرى أعادت
تشكيل البيئة السياسية المحيطة بإسرائيل ، ومنحت بنيامين نتنياهو ما كان يحلم به
لعقود طويلة.
ولذلك فإن تصوير
العلاقة بين الرجلين وكأنها علاقة خصومة جوهرية ، يتجاهل جبالاً من الوقائع
الماثلة أمام الجميع.
صحيح أن ترامب
رجل يصعب التنبؤ بتصرفاته . وصحيح أنه لا يتردد في توجيه النقد حتى لأقرب حلفائه
إذا شعر أن ذلك يخدم مصالحه الشخصية أو الانتخابية . وصحيح أيضاً أن نتنياهو شخصية
لا تقل براغماتية ولا تقل استعداداً لاستخدام الجميع من أجل بقائه السياسي . لكن
اجتماع البراغماتيين لا يعني بالضرورة انفصالهم ، بل كثيراً ما يعني قدرتهم على
تجاوز الخلافات المؤقتة عندما تفرض المصالح الكبرى ذلك.
إن الذين
يراهنون على قطيعة تاريخية بين ترامب ونتنياهو ، يشبهون من يراقب شجاراً بين
بحّارين على سطح السفينة ويظن أن أحدهما سيغادر البحر غداً . فالمركب واحد ،
والرحلة واحدة ، والعاصفة التي يواجهانها واحدة أيضاً.
لقد وصل الأمر
بدونالد ترامب إلى حد مهاجمة مؤسسات إسرائيلية وشخصيات إسرائيلية عندما شعر أنها
لا تتجاوب مع رؤيته . كما لم يتردد في التعبير عن غضبه من بعض المواقف الصادرة عن
الرئاسة الإسرائيلية ، وخصوصاً في القضايا المرتبطة بمصير نتنياهو القضائي
والسياسي. لكن حتى في ذروة تلك التصريحات ، لم يكن ترامب يهاجم إسرائيل كدولة ،
ولا يشكك بالمشروع الذي تمثله، ولا يعيد النظر بتحالفه الاستراتيجي معها.
بل إن كثيراً من
تلك المواقف كانت تنطلق من زاوية مختلفة تماماً: الدفاع عن نتنياهو نفسه، والتعبير
عن اعتقاد راسخ بأن الرجل يتعرض لاستهداف سياسي وقضائي لا يختلف كثيراً عما يعتبره
ترامب استهدافاً له داخل الولايات المتحدة.
وهنا تلتقي
الشخصيتان مرة أخرى.
كلاهما يرى نفسه
ضحية للمؤسسة التقليدية.
كلاهما يقدم
نفسه باعتباره منقذاً للدولة.
كلاهما يتحدث
إلى جمهوره بلغة الخوف من المستقبل.
وكلاهما يتغذى
على فكرة وجود معركة وجودية تتجاوز الأشخاص إلى مصير الأمة نفسها.
ولذلك فإن أوجه
الشبه بينهما ليست تفصيلاً ثانوياً ، بل هي جزء من البنية النفسية والسياسية التي
تحكم طريقة تفكيرهما.
في عالم نتنياهو
، لا توجد مساحة كبيرة للتسويات الدائمة ، بل هناك إدارة مستمرة للصراع.
وفي عالم ترامب ،
لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة ، بل مصالح يجب تعظيمها باستمرار.
وحين تلتقي
فلسفة إدارة الصراع مع فلسفة إدارة المصالح ، ينشأ ذلك النوع من التحالفات الذي قد
يبدو مضطرباً من الخارج، لكنه يبقى متماسكاً في العمق.
من هنا تبدو
كثير من القراءات المتفائلة بانهيار العلاقة بين الرجلين أقرب إلى الأمنيات منها
إلى التحليل السياسي البارد.
فالمنابع
الفكرية التي خرج منها الاثنان لا تزال قائمة.
وشبكات الدعم
السياسي والمالي والإعلامي التي أحاطت بهما لم تختف.
والتيارات
اليمينية والشعبوية التي أوصلتهما إلى مواقع النفوذ لا تزال ترى فيهما رمزين
لمشروع واحد ، حتى وإن اختلفت تفاصيل هذا المشروع بين واشنطن وتل أبيب.
أما في الشرق
الأوسط ، فإن تداعيات هذا الترابط تتجاوز حدود العلاقة الشخصية بين الرجلين.
فالقضية
الفلسطينية ، والحرب في غزة ، والحرب في لبنان ، وحتى أية تسويات محتملة مع إيران
، ومستقبل المنطقة بأسرها، كلها ملفات تتأثر بدرجات مختلفة باستمرار هذا التلاقي
بين الرؤيتين.
ولهذا فإن
الرهان على خلاف شخصي أو سجال إعلامي باعتباره نقطة تحول تاريخية ، قد يكون نوعاً
من إسقاط الرغبات على الواقع.
وعلى المحلليين
السياسيين والإستراتيجيين أن يلتفتوا لقضية في غاية الأهمية ، بإن ما تسربه وسائل
الإعلام عن خلافات محتدمة بين هذان الشخصان ، يخدم في كثير من الأحيان كليهما في
داخل أروقة السياسة في البلدين ، وحتى سياساتهم الخارجية الأحادية ، فعندما تشتد
حملات مهاجمة كليهما بتهم التبعية للآخر ، تكون الحاجة ماسة لأخذ مسافة من الآخر ،
بما يكفل القدرة على توفير هامش مناورة لصد الهجوم ، سرعان ما تبدده الوقائع بعد
أيام قليلة إن لم تكن ساعات .
فالسياسة لا
تُبنى على الانطباعات العابرة ، بل على موازين القوى والمصالح العميقة.
وفي النهاية ،
قد يختلف ترامب ونتنياهو على الأسلوب.
وقد يختلفان على
الأولويات.
وقد يتبادلان
رسائل الغضب والعتاب.
وقد يحاول كل
منهما تحميل الآخر مسؤولية بعض الإخفاقات.
لكن ذلك كله لا
يغير حقيقة واحدة:
إنهما يعتليان
ذات المركب.
مركب تشكّل عبر
عقود من التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
مركب تحركه
مصالح أمنية واقتصادية وسياسية أكبر من الأشخاص.
مركب قد تهتز
ألواحه أحياناً تحت ضغط العواصف، لكنه لا يغير وجهته بسهولة.
ولهذا فإن
السؤال الحقيقي ليس إن كان ترامب ونتنياهو قد اختلفا أم لا.
السؤال الحقيقي
هو: هل تغيرت البيئة التي صنعت هذا التحالف أصلاً؟
وهل تبدلت
المصالح التي أبقته قائماً طوال هذه السنوات؟
حتى الآن، لا
يبدو أن شيئاً جوهرياً قد تغير.
ولهذا فإن
الضجيج حول الخلافات، مهما ارتفع صوته، يبقى أقل أهمية من الحقيقة الأعمق الكامنة
خلفه:
أن الرجلين، رغم
كل شيء، ما زالا يبحران في البحر نفسه، ويتجهان نحو الأفق ذاته، ويعتليان ذات
المركب.
تعليقات
إرسال تعليق